6 الملكيّة وحقوق البشر :

نظراً للتطور التاريخي في حياة البشر ، ازدادت الحاجة أكثر مما سبق إلى معرفة القانون الذي يتحكم بالمبادئ المتعلقة بحقوق الإنسان وعلاقتها بالحريات القانونية والتملك ومصدر هذه الحريات والقوانين التي ترتب مبادئ الحقوق الإنسانية بخاصها وعامها ، ومهما كان دور هيئة الأمم المتحدة في الإعلان عن لائحة حقوق الإنسان فهي ولا شك راوحت بين الأطروحة الفلسفية والبرهان النظري ، ولا يعقل أنها ستتكيف تبعاً لنفس الإرداة الإنسانية في اللائحة ، لآعتبارات أيديولوجية عقائدية تؤثر سلباً وإيجاباً في تحريك القانون من الناحية العملية . فعلى المستوى النظري البحت ، إن قضية حقوق الإنسان تحرك النظام الكامل للحقائق الأخلاقية الميتافيقزية أو اللاميتافيزيقية التي يشارك فيها كل فرد ، وطالما أنه ليست هناك وحدة في الإيمان أو وحدة في الفلسفة في عقول الناس فستبقى هذه التفسيرات والتبريرات متصارعة . ولكنه ليس التعلق الحقوقي مشروط بالوحدة الفلسفية لأن الوحدة هنا تقتضي الإعجاز وإن كان ربما يتحقق شرط الوحدة في طريق كسب المعلومات واختلاف لازم في التجربة وعند الحكم ، ومن هنا لزم ثبوت شرط الوحدة لتحقيق شرط الغاية فإنه بين العلاقات المشروطة تتعلق نفس الإتجاهات القانونية ككل في معنى ثبوت الشرط .

فلا  الأنظمة توحي لتحقيق استنتاج عملي يوجز النتيجة مع الفعل بل قد ربما تختلف فلسفياً في عملية الاستنتاج بالقياس العام وعليه تبقي القضية الأخلاقية تقدم لنا عكس الصورة وهذه الحقيقة تثبت ان انظمة الفلسفة الأخلاقية هي نتاج تأمل فكري في حقائق أخلاقية تتقدمها وتسيطر عليها وتتعلق بها وتكشف عن نمط معقد جداً لأعمال الضمير حيث يكون في تلك الأنظمة العمل الطبيعي للعقل التلقائي قبل عصر الإكتشاف العلمي ونتائج بحوث بني البشر ، ولكنه لايشذ عن القاعدة ويتكيف مع الفئة الإجتماعية يتحسَّسُ بها وما تحملته من ظروف قاهرة ، وتبعاً لتركيبها وتطورها لكنه نوع من التطور المحمول بالخصوص إذا جاز القول ، ضمن المعرفة الأخلاقية والشعور الأخلاقي وهذا التطور كما ترى قائماً بذاته غير متعلق بنظام فلسفي يقيمه لكنه ليس منفصلاً عن النظام لأن الفلسفة تدخل به كصورة ثانوية وفي عمل متبادل مع هذا التطور التلقائي المتعلق بالذات الإنسانية إن حاجة تعتبر مشتركة بين القانون والمشاعر لأنها استنتاج على الخاصة الكبرى مما يوحي للجميع أن هناك اشتراكاً معنوياً في الثقافة والفن والأدب والفلسفة ،

لذا فإن أهم عامل في التطور الأخلاقي للبشرية من وجهة نظر علم الإجتماع هو التطور التجريبي للوعي الذي يكتسب خارج حدود الأنظمة وعلى أسس منطقية أخرى ولكنه ليس أيضاً النظر الجامع لمستوى التطور الفعلي لأنه كما أشرنا إن نظام الأيديولوجيا يتعلق بالقانون التطوري على أساس المنطق القائم في الربط الموضوعي للنظرية والتطبيق وقد تيُسر الأنظمة هذا الوعي في بعض الأحيان وذلك عندما توقظ فيه الشعور بذاته ولكنها في أوقات أخرى قد تنحرف به وذلك عندما تقضي على الإرتباطات الحسية للعقل التلقائي أو تهز نتائج صحيحة للتجربة الأخلاقية يربطها ببعض الأباطيل النظرية أو ببعض الفلسفات المزيفة ، أي إنها إذا لم تستطع جعل العقل التلقائي بمستوى العقل المميز للتجربة فإنها تبقى فلسفة متعلقة بنظام التعدد الصرف وهي لم توفر نفس الإستنتاج المقدَّم ويبقى الشعور عملية مركبة من ذات الإحساس والمؤثر الإحساسي إن الملكية إذن شرط ضمني لتحقيق مطلب الحق الإجتماعي ولكنه أيضاً يتعلق بقانون طبيعي لأنه لا أمتلاك بدون حقيقة موضوعية ، أي إنَّ الصيغة الفعلية لها أساس معين يرتبط بقانون الفلسفة الطبيعية ولايمكن أن تستثني منه ملاك لها في الحقيقة الإعتبارية ، وعليه أن يدُرك انَّ تاريخ حقوق البشر في الملكيّة يرتبط بتاريخ القانون الطبيعي ، إن شيئاً من الوضوح يجب أن يتعلق بالقانون الطبيعي والمذهب الطبيعي لنفس حق الإنسان في الملكيّة فلو تداخل القانون الطبيعي مع مذاهب القانون الطبيعي السياسية والقانونية الأخرى فإنه ستظهر حالة من التردد بين الواقع القانوني والمذهب القانوني على أساس أن الملكيّة تتعلق بالقانون المبدأ لا الحاجة التفريعية لأنها تخضع لتفسير ينظم العلاقة الملكيّة بشرط التفسير المحمول أحياناً بدافع سياسي وأخرى قانوني ولكنه الإمتلاك الحق الشخصي وتحويله بالقوة إلى الغير دون أدنى وجه يرتب العلاقة ولو الإنتقالية النزعية .

ولو أن نفس هذا التوجيه نظرية معلقة بين الإيجاب والنفي وأنها تحتاج إلى مبدأ سام في تقسيم الحق المتعلق بالمجموع وشرطه كما قلنا مبدأ العدالة الذي فيه تخطيط للتوافق بين الفعل البشري والعقل ويعني أن هذا الفعل قد استمد نمطاً جاهزاً موجوداً أصلاً وضعه العقل المطلق للطبيعة المنزهة ، ولكن نفس المبدأ متعلق بالمعرفة فمتى تم المشروط تم الشرط ولا يعتقد ان الإرادة البشرية متعلقة بالقانون البشري لأنه ليس من سمت القانون تمييز الإرادة ومعرفتها على وجه بالنفس أو بالإرتباط بالعالم الآخر يكفي أنَّ الأول غير ممكن فالثاني مستحيل بداهة ، لأنها لا تعطيه الحق الملكيّ بل تجعله مطيعاً لنفسه دون أدنى تبرير قانوني لأنها لم تبن تلك الفلسفة أي أساس لحقوق الفرد البشرية الملكيّة . فالقاعدة تقول إنه ليس ما حقيقة إن الشئ يشاد على لا شئ فذلك خلاف المبدا العقلائي ، وحقوق الإنسان شئ قاعدته ملكيّة الإنسان لما يمكن ويستطيع معه ممارسته ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) ( قال إني اعمل ما لا تعلمون )

وهذه الآيات الكريمة تبين أن القاعدة المستهدفة في الحق الملكيّ للحق البشري وهذه حقوق قرآنية سرمدية لا تخضع لأي مقياس وضعي وتنكر كل تحديد يفرض على مطالب الحق البشري وبالتالي توضح الحق المطلق للفرد ، وهو حق يفترض ان يكون في كل شئ جرياً مع القاعدة واعتباراً للهدف في الكشف عن الإمكان والعلاقة التي ترتبط بالواقع المتعلق بالحق البشري .

إن نفس مبدأ الملكيّة الفردية إقرار على ان لكل حق في ممارسة دوره الإيجابي تجاه الواقع مستخدماً العقل والقانون الألهي الذي يرتب الحق بشرطه الفردي الجمعي ، وليس التقديم فيه نفياً للمرتبة الموجبة في الواقع الجمعي لأن الصيغة هي الممارسة الفردية لكامل الحقوق والحريات العينية والمعنوية طبيعي نفس التخصيص هو عملية ثبوتية لشرط الحرية قانونياً وفيها لا تنتفي العلاقة على أساس أنَّ التناسب سيصبح عكسياً والحق سيتأثر بنفس المزية الشرطية للحق الفردي . ولكن ما  هي الحقوق الإنسانية الفردية والجماعية ؟ وما دور الدولة في ممارسة هذا الحق كصيغة تنفيذية للحكم التشريعي ؟ وللإجابة على السؤالين يقتضي التنبيه على ما يلي :

1 الحقوق المكتسبة العامة .

2 الحقوق الخاصة الثابتة .

أ الحقوق المكتسبة العامة :  يبدو أننا مضطرون ان نناقش المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان عامة والحاجة الأولى في هذه القضية تتعلق بالحق الطبيعي والحق المكتسب فمن الأخطاء الرئيسية تعليق الحق المكتسب لأنه لا دلالة عليه في الفلسفة ولا يحتمل أنَّ الحقين هما جزءان لشكل واحد ، لعدم الفرضّ بأن الأصل الإجتماعي هو تطبيق فلسفي للحقين وهو بالتالي يعني تناسي الميدان الفسيح للشؤون البشرية التي تعتمد على تباين ظروف الحياة الإجتماعية وعلى المبادرأة الحرة للعقل البشري ، والتي يتركها الحق الطبيعي دون تحديد ، ومع أننا نميل باتجاه كون الحق الطبيعي يتناول الحقوق والواجبات والتي تتعلق بالضرورة بالمبدأ القائل : ــ وسارعوا في الخيرات ــ وهذا ما يحدوني للقول بأنَّ السنن الطبيعية للحق سنن عامة ، ولذا يصعب أنَّ نميز بين كون الحق سنة طبيعية أم إنه حاجة مكتسبة قطعاً هناك علاقة قائمة بينهما ولكنها لن تكون بمستوى الحد المعين ، لأنَّ ذلك يفترض تسمية الكل بأسم الجزء ولا حاجة فضلى تعزز القول بأن الحق الطبيعي عام متقدم يكتسب الأولوية الوجودية لأنه يعرف من خلال الممارسة التصورية للعقل أو المعرفة العقلية وبهذا فهي مقدمة بحسب القانون العقلي للحق المكتسب المتعلق بالمصداق التصوري العاكس للحق بما هو نظام من غيره لا ذات التشريع وإنما ذات الممارسة .

إن ذات التعلق جزئية كما هو واضح ولكنها جزئية في الهدف التام وعلى وجه الدقة الحق المتعلق بالطبيعة للفرد فمن قانون الحق الطبيعي المشاع وخلاله يكتسب الحق كشرط لثبوت الحق من الناحية الفعلية وبما أن هذا هو ذات من الفعل العقلي ( وطبيعي ليس عقل الفلاسفة في حالات التأمل وإنما العقل العامل في حالة الوعي العام) فإنه يهتم بصورة خاصة بالحقوق والواجبات التي تخص المجال الطبيعي لعمل العقل البشري أي حالة الحياة الحضارية ولكنها ليست لفعل التأكيد وإنما هي ممارسة نظرية يقتضي فيها أن يكون الحق مجالاً لمن لا حق له يعني الإنتزاع العقلي القائم على فلسفة العقل العامل التي ترتبط بالصورة الشرطية لحق الإمتلاك وحق الحرية والممارسة الإيجابية للقانون في النظام ، وبذلك يصبح الحق المكتسب حقاً ثابتاً شرط ثبوت الحق من العقل ، وهكذا يصبح الإنتقال جار بين الحق الطبيعي والحق المكتسب ويصبح العام شرطاً لثبوت الحق الطبيعي إذ هناك دينامية تدفع بالحق إلى صياغة قانون يجعل التملك شرطاً واجباً من خلال الممارسة الشرطية المتعلقة بالعدل في التوزيع والإنتاج وحق البيع والشراء لما يمكن تعليقه بالحقوق المنقولة التي يمكن التصرف بها تبعاً للحاجة وبشرط ثبوت حقها الإكتسابي ، لأن حق الملكيّة الشخصية للمنافع يتعلق بالحق الطبيعي من حيث أن الجنس البشري يحق له بصورة طبيعية ان يتملك المنافع المادية في الطبيعة ليسخرها لأغراضه العامة ولكن هذا الحق يتعلق بالقانون التشريعي من حيث أنَّ العقل يستنتج بالضرورة بأنه من اجل المصلحة العامة يجب ان يكون ملكية تلك المنافع فردية وذلك على ضوء الظروف التي تتطلبها طبيعة إدارتها والعمل الإنساني والحق المكتسب هو الذي يحدد الأشكال الخاصة  لحق الملكيّة الفردية وهي أشكال تختلف بإختلاف شكل المجتمع ومدى التطور الأقتصادي .

إنَّ الحقوق الطبيعية ثابتة لا تنتزع فهي ثابتة لأنها مستقره في طبيعة الفرد وليس هناك فردٌ بطبيعة الحال يستطيع أن يفقدها وهذا لا يعني انها لا تقبل بطبيعتها تحديداً وأنها حقوق الله اللامتناهية وإلا لأنتفى الحق المكتسب من راس لأن حقوق الإنسان لها علاقة بالمصلحة العامة فبعضها كحق الوجود ذو طبيعة تتعرض معها المصلحة العامة للخطر إذا ما حددت بأي وجه لأنها حقوق ثابتة لا تنتزع ولا مجوز قانوني يمكن أن يشرع بعدم حق الوجود لأن ذلك يتعارض مع صياغة القانون القائمة على الإدارة العامة ، ولكنه يبقى متعلقاً بالحقوق الأخرى التي ربما تصان في جواهر منها وتتعرض للمضايقة في ذاتيات اخرى إن الحقوق العامة كما هي متعددة فكذلك هي شاملة لكل مناحي الحياة ترتب حسب قانون يميز من خلاله بين الإمتلاك القهري والإمتلاك الإكتسابي وليس من حق أن يكون القهري امتلاكاً له قانون يتعلق بالمصلحة العامة لأنه شاذ بطبعه أنىَّ تتحكم فيه مصادر القوة والإمتلاك الفعلي لها إذن فهذا الحق التشريعي الذي يميزه الحكم ضمن الواجبات والحقوق المنقولة بأصر متقدم واحياناً رجعي او بالنقل الملكيّ وهذا جائز كشرط لثبوت قانون الملكيّة فعلياً وقد صرح الفقهاء بذلك .

ب الحقوق الخاصة الثابتة : إن الفكرة الأساسية لحقوق الإنسان كما نصت عليه المدونات الكبرى هو الأساس الفلسفي للقانون الطبيعي ، أي أن هذه الفلسفة الحقة في حقوق الفرد البشري ترتكز على الفكرة الحقة من القانون الطبيعي منظوراً إليه من وجهة نظر فلسفة الوجود ومن حيث هو يعبر عن حكمة الخالق بطريق الأبنية والمتطلبات الأساسية للطبيعة المخلوقة ، وقد مثل مفهوم القانون الطبيعي كما هو معروف دوراً أساسياً في أفكار الكثير من العلماء والفلاسفة مع إصرارهم على انهم كانوا رجال حكومة ميتافيزيقين ، إذ إنهم استخدموا المفهوم لأغراض عملية بدلاً من استخدامه لأغراض فلسفية على نحو متفاوت من الغموض حتى في معنى نفعي كأن كل أهتمام هو لتحقيق غايات الحياة البشرية وربما نحن لا نعني بالقانون هو حالة عدم التبدل والتمامية فيما يتعلق بالأشياء او أن ذاته ينظر إليه من الناحية الأونتولوجية بينما يكون هناك تقدماً ونسبة في إدراك الإنسان له ، ولا شك أن قصة حق الأجر العادل والحقوق المشابهة في مواجهة حق الاتفاق الحر وحق الملكيّة الخاصة هي حقوق ثابتة متعلقة بالقانون وأسسه الفلسفية ، لأن، كفاح الملكيّة الخاصة لضمان أمتياز مطلق وغير محدود وهو ليس ذا وجه حقيقي لكنه عبر عن صورة القرون الحديثة في علاقتها بالملكيّة الخاصة مما ميز صورة القرون الحديثة وقد تبع ذلك صراع كان وقوده الملكيّة الخاصة نفسها والحريات الشخصية ، لا ريب أن العقل البشري أصبح مدركاً لحاجات الإنسان الحقوقية لا فقط كإنسان يشعر بكيانه بل إنه أصبح مدركاً لحقوقه كإنسان أجتماعي متصل بعملية الإنتاج والإستهلاك وأصبح مدركاً بصورة خاصة لحقوق الإنسان من حيث كونه فرداً عاملاً .

وعلى العموم فإننا نقول إنه لا بد ان ياتي عصر يتعلق بفهم موضوعي وإدراك حقيقي للإنسان تصان فيه حقوقه من فعالياته الإجتماعية والثقافية والسياسية ، أي الحقوق الثابتة للمنتجين والمستهلكين والفنين وحقوق أولئك الذين يكرسون حياتهم للعمل الفكري والتربوي والتعليمي لكن كل هذا متعلق بحقوق المجتمع العائلي الذي يسبق تكوين الدولة السياسية أي أن حق العمل وحق اختيار العمل وحق الإنتماء الحزبي والعقيدي والديني هي حقوق اعتبارية أجتماعية طالما كان الإنسان أداة فعالة في المجتمع ومساهماً قديراً في الحياة ، لأن كل شئ من الجزئية أو التحديد في الحق واعتبار ذلك قيمة الإنسانية هو خروج عن المألوف خروج عن التقدير وعن الإرادة والإرادة وليس مجرد التنظير بتحويل مجمع الأفكار إلى صيغة عقائدية تتخذ منج ( روسو أو ماركس ) ، فالحاجة والقانون والعلاقات داخل النظم الدستورية شرط لازم لتحقيق نفس الحق الثابت قطعاً ما نعنية هو كل مراتب العمل الشرعي القانوني فليس الحق مقيداً بالكمالات الإجتماعية ولا هو هبة مادية يمكن أن تعطي بدستور شخصي إذن فالقضية أكبر من ذات الدستور لأنها تتعلق بنفس الحق الوجودي وهذا ما يرتب العلاقة الأولية والثانوية وعلى النواحي المختلفة من حياة البشر ، إن العقل والطبيعة والروح ثالوث له قدرة في إثبات الحق على الإعتبار القانوني المدون وغيره ، لنفس العلاقة المشتركة بين ذلك الثالوث ومصادر المنفعة العملية فإن كل شئ يعتمد على القيمة العليا التي بالاستناد إليها تجعل تلك العلاقة تنظيماً إرادياً الحقوق وتحديدها في مجالاتها الإقتصادية والإجتماعية والفردية في حيز الوجود ، وأخيراً نقول إن المجتمع القائم على المذهب الشخصاني في الحق الملكيّ يدلل على إثبات الكرامة الفردية من خلال جعل الخيرات الطبيعية في متناول اليد ولكنه مجتمع إذا قام بنفس المذهب اللاشخاص في الكيان السياسي فإن هناك حالة من التصادم الضروري الحادث بين المنافع البشرية والقيم الأخلاقية والروحية ونفس المذهب الذي سيتجاهل حتماً حرية الفرد واستقلاله الذاتي ، لأن الحقوق الطبيعية تكوينية ثابتة ودائمة ولا يمكن لأي قانون وتحت أي قدرة أن يسلبها كحق الحياة وحق الحرية وحق المساواة ولقد جاء في الحقوق الأساسية ما يلي :   

إن الحقوق الطبيعية مجموعة قواعد جاءت من جهة الطبيعة إلى الوجود ، ولأجل ذلك اختارات وعينت وظائف الأفراد ورتبتها كالحركة الفردية والمساواة امام القانون وحق تملك الأموال المنقولة وغير النقولة وحرية العقائد المذهبية والسياسية والفلسفية وحرية التعبير وأمثال هكذا حقوق ، ولقد كان ( سقراط وأرسطو ) و (افلاطون وابن سينا) من اصحاب القول بالحقوق . ويقول صاحب كتاب ( القانون الأساسي ) ، لقد كان (ابن سينا) ، واقعاً تحت تأثير العقائد الإسلامية ولذلك أعترف بالحقوق الطبيعية الدائمة والغير قابلة للنسخ وأيضاً بالحقوق العامة ولم يستثن شيئاً ، وهذا في الواقع توافق جعلي مع مصلحة البشر وطبيعتهم الخاصة .

والآن حق لنا ان نسأل : هل هناك من تعارض وتزاحم بين الحقوق الطبيعية الفردية ومصلحة الجماعة ، ولو حدثت فهل هي قابلة للسلب ولماذا ؟ ثم هل إن هذا الدليل ينفي وجود الحقوق الطبيعية والفطرية من رأس (1) وهذا يصدق حالما نقول إن الحق الفطري بمعنى الاقتصاد لا بمعنى العلة التامة ، وعليه تصبح الحقوق الفطرية غير ثابتة لمبدأ الأصالة الإجتماعية ولأن مصلحة ونفع المجتمع قد تسلب  من الفرد حق الحياة وحق الحرية ولكن  عند النظر إلى قاعدة ( لاضرر ولا ضرار في الإسلام ) نجدها تؤكد على مبدأ الحق الفطري إلى كل المورد بقيت مسألة تضاف للمطلب هو أن الحقوق الطبيعية كما عبر عنها صاحب التحولات الفطرية مرتكزة أساساً على احترام الشخصية وشخصية الإنسان فيما يخص الحرية والإرادة الشخصية لأنها أساس الإبتناء الحقي ، وعليه يمكن القول : ما هي الضمانة لكفالة التضامن الإجتماعي بين الأفراد سواء الجيل الحضر مع المستقبل ومع الجيل الماضي ؟ فأساساً من أين جاءت هذه الحقوق ومن الذي وضعها ؟ هل هي الطبيعة ؟ نفي الحق الماضي والمستقبل يرتب أثراً متعدداً بعهدة الحضر ولكن ليس من شك أن هذا الحق هو حق الله كما مر بالإعتبار الحقيقي لكل جيل ــ لأننا قلنا إن العلة الغائية مصدر لترتيب الأثر على الحاضر للماضي والمستقبل ، ومع الأخذ بعين الإعتبار هذا الأرتباط الغائي فإن كل الأشياء لها رابطة وعلاقة من جنسها رتب بشكل دقيق وعلى حكمة الله البالغة وليس هذا الترابط أختصاصاً صنفياً بالإنسان بل إن جميع الموجودات لها ذات الأرتباط وبأشكال تناسب هيأتها المعينة ولقد نبه امير امؤمنين (ع) لهذا قائلاً : ( لكل ذي رمق قوت ولكل حبة آكل ) (1)

أستدراك :   تعتبر قضية الملكيّة اليوم من أهم المسائل الموضوعية للبحث والنقاش ، وعن كيفية السبب المنشئ للملكيّة ، وهل للعدالة وللمصلحة الإجتماعية من سبب في إيجادها ؟

ولاريب اننا نقول أن الملكيّة مفهوم اعتباري وبناؤه يتحقق في ثبوته من الناحية الواقعية ، وأكاد أقطع أنه تابع لذات القانون الإجتماعي الناظر إلى أصل العدالة والمصلحة الجمعية وبه يمكن القول أن الملكيّة سبب ناتج عن القانون الإجتماعي ،

ولكن يجب أن نعلم ماذا كانت عليه العدالة والمصلحة لكي تثبت الملكيّة وتجعلها فردية أو جماعية ، ويجب أيضاً أن تحدد الأشياء المتعلقة بالملكيّة والقابلة على ذلك .

بداهة إنَّ هناك ثلاثة عوامل ممكنة لحل هذه الاشكالات منها : الطبيعة ، ونعني بالطبيعة ــ الأرض ، الماء ، الهواء ، المطر ، الشمس وغيره التي تشكل الملكيّة فيها حق الناتج العام والمواد الطبيعية ، ولو نظرنا إلى هذه الطائفة من المواد الطبيعية فإننا نجد أن هناك مواد قابلة للملكيّة عدا السمك في الماء والجواهر في البحر والغابات والمعادن والعيون والطبيعة ، وذات الجبال والبحار حينما تكون وسيلة للملاجئ أو للتنقل في السفن ، هذه المواد هل هي قابلة للتملك أم لا ؟

طبيعي ليس هناك من مانع لتملك هذه المواد الطبيعية بشرط أن تكون الملكيّة داخلة في الفاعلية أو الغائية بحيث تكون موجبة للتملك في هذه المواد أو أن يكون الشئ مملوكاً من جهة كونه مملوكاً بالفعل وبتأثير خاص للفرد ، أو ناتجة عن عمله وهذا العمل أثر إيجابي في إيجاد الطبيعة لها ، بل ربما يكون الإنسان صاحب الفعل في الإيجاد على أن يكون هدفه تعلق الثروة  به .

قطعاً المواد التي ذكرناها أو جدتها الطبيعة ولم يكن للإنسان أي أثر في ذلك .. ولعل بعض الفلاسفة سلبوا الهدفية من الطبيعة وجعلوها شيئاً جامداً غير ذي بال .

  آخرين منهم قالوا بالهدفية للطبيعة وحدودها بجنس الإنسان لا النوع المعين ، إذن فهي بالحالين لا علة لها في أن تثبت المواد الطبيعية هي ملك فرد ، فلو قلنا بأنها أصبحت ملكاً له لا نعني أنها صارت بالفعل له وإنما تصبح ملكاً جماعياً لذات العلة المتقدمة للطبيعة ، إذن فيجب أن يكون الملك لهؤلاء الذين أوجدت الطبيعة المواد من أجلهم وقد قال العلامة (الطباطبائي ) :

( إن المال لله ملكاً حقيقاً جعله قياماً ومعاشاً للمجتمع الإنساني من غير أن يقفه على شخص دون شخص وقفاً لا يتغير ولا يتبدل وهبة تنسلب معها قدرة التصرف التشريعي ثم آذن في أختصاصهم بهذا الذي خوله الجميع على طبق نسب مشرعة كالوراثة والحيازة والتجارة وغير ذلك وشرط لتصرفهم اموراً كالعقل والبلوغ ونحو ذلك والأصل الثابت الذي يراعي حاله  ويتقدر به فروعه هو كون الجميع للجميع ،

فإنما تراعي المصالح الخاصة على تقدير المصلحة العامة التي تعود إلى المجتمع وعدم المزاحمة ، وأما مع المزاحمة والمفارقة فالمقدم هو صلاح المجتمع من غير تردد ، ويتفرع على هذا الأصل الأصيل في الإسلام فروع كثيرة هامة كأحكام الإنفاق ومعظم أحكام المعاملات وغير وقد أيده الله تعالى في موارد من كتابه كقوله تعالى : { خلق لكم ما في الأرض جميعاً ْ } (1)

 ففي نظر الإسلام إن هناك هدف سام للخلق وقد ذكر هذا الهدف في القرآن { والأرض وضعها للأنام } (2) وأيضاَ { وخلقنا لكم ما في الأرض جميعاً } (3) . 

أي أن جميع المواد إنما كانت لهدف عام قبل ان تتعلق بفرد ، وقد أخذت هذا الحكم الأراضي الزراعية والمعمَّرة أما المعادن واستخراجها فلها حكم أخر ، ولاريب أن جميع المواد التي ذكرناها وجدت على طبيعتها دون عمل أوجدها ، ووجدت المنفعة البشرية بالقوة . ولهذا فإن مواد الطبيعة  الأولية تتعلق بالجميع قبل أي عمل فيها ،

وعليه لايصح أن ندعي بأنها تسُلب من الآخرين دون قيامهم بأي عمل فيها لكنه متى قام العمل فالنسبة التبادرية تتعلق بالأولوية هذه هو الاستفادة منه بحق مشروع ، أي الاستفادة مع الهدف الطبيعي والفطري وهذا في الواقع ينفي ثبوت حق بتبذيره أو إخراجه من هدفه بشكل غير مشروع ، لأن الحق في عين الحال هو متعلق بالجماعة إتلافه أو تسبب ضرر فيه . يعني تعدٍٍّ بغير حق على حقوق الآخرين ومن هنا جاء النهي عن الاستغلال اللامشروع للحق من ــ تبذير وغيره ـــ وهذا العمل بذاته حرام في ماله الشخصي فكيف بالتصرف اللامشروع بالحق العام وبدون مجوز . لو ان الإنسان مع فرض المحال ــ فرض المحال ليس بمحال ــ كان وحدة قادر على إيجاد المواد الطبيعية كان االمحال فإنه لا ريب يصبح العكس ويتحدد التصرف تبعاً لنفس الوجود وللحاجة الطبيعية الذاتية ، لأنه في الحالة المتقدمة سيكون لا فقط صاحب الأمتياز في إيجاد المواد بل يكون الموجد للثروة أيضاً ، وبأستطاعته ان يمتلك الحق السلبي في التبذير ، والإسراف وهذا الشئ خلاف العقل الطبيعي لأن إيجاد المواد يعني فرض كون الموّجد واجب الوجود بالذات وهذا متعذر لأنه لم يقم هو بذاته ولم يوجد نفسه من نفسه هو كل فرض مخلوق أجتماعي ، ولو هذا الإيجاد مترتباً أحتمال تكويني داخل تحت القوة العلمية والجسمية فهو أيضاً في هذا الجعل سيبقى مديوناً بقواه الجسمية والروحية للمجتمع ، لأن تلك القوى والطاقات لم تكن ملكه فقط بل كان المجتمع ذي حق له فيها ، وعليه فالمجتمع ذي حق في نفس القوة الموجدّة ، ولو قلتم بإحتمال آخر يكون فيه الشخص صاحب وجود المواد بدون تدخل الطبيعة فإنه ولا ريب أيضاً لا يحق له التبذير والإسراف لأن الوصول إلى هكذا شئ محال .

فلو قلنا بأن الانتحار وقتل النفس من حقه فيجب القول ان هذا الحق أيضاً ليس له لأنه ضميمة من الحقوق الإجتماعية وليس حقاً فردياً ، لأنه لا أحد يدعي ان له الحق في الاختيار المطلق وما شاء ، فليس من حقه ان يعدم نفسه لأن المجتمع سيقول له ان الحق البنائي حق مشترك ولا تصرف بدون إذن وهكذا تصرف ملغى لأنه يتعلق بحق عام يشترك فيه برأس المال المادي والمعنوي ، فتجويز تصرف فردي بحق مشترك ، تصرف لا مشروع ما دام هناك شركة في نفس الحق ، فأنت لا تملك حق اعدام الدّين المتعلق للمجتمع لا إن تقدير الحق بالقدر الميسور لأن الحق مشترك

وإسقاط الدين دون مجوز إسقاط بلا دليل ، كذلك الحقوق المتعلقة بالله سبحانه وتعالى فلا يستطيع المجتمع ان يتصرف بها تبعاً لذاته لأن الحق هنا متعلق بين الله والجماعة وهو بمثابة الأمانة التي لا يحق لأحد التصرف بها إلا بتجويز من صاحب الأمانة نفسه . كما ان حقوق الأنفال فيها حق مشترك للجماعة وللفرد والله ــ وللتوسع في البحث راجع المطولات في كتب الإقتصاد .

ملاحظة : هناك معان للعدالة منها ،

1 المساواة في العمل مع الجميع كما نقول : الظلم بالسوية عدل :

2 الموازنة والرعاية والتناسب والتعاون الاجتماعي وهذا المعنى ناظر إلى المجتمع ويتعلق بالفرد من خلال تلك الجهة التي توفق في عمل الجماعة الإجتماعية بمستوى التعدد وعلى هيئة الجمع وعليه فلا يكون نظر الفرد لموضوع العدل والظلم كفرد حجة واستدالال بل لابد من نظر جمعي حسب قواعد اجتماعية عرفية موزونة .

3 القاعدة القائلة : إعطاء كل ذي حق حقه ، هذا المعنى للقاعدة يبتني على الإعتراف بالحقوق الطبيعية ، وهي حقوق لايمكن نكرانها .

وفلسفة الوجود الإجتماعي في الإسلام هي القائلة بهذه الحقوق والمثبتة لها في القانون ولقد قال امير المؤمنين (ع) عند وصفه العدل ؛ العدل يضع الأمور مواضعها ، وهذا القول السماوي ينطبق بلا شك على معنى العدل في الجملة .