5 الملكية وشرط العدالة :

لا يشك أن مبدأ العدالة قائم أساساً على فكرة النظر بالتساوي إلى المجموع ، وعليه فهي شرط ضروري في الحق الملكيّ رفعاً للإشكال والتجاوز وحاجات أخرى ربما تؤثر في القيمة النوعية للشرط الملكيّ ، ولكي نجعل البحث يستوفي جزءاً من شروطه حريٌ بنا أن نضع تقسيماً لمبدأ العدالة حسب المفهوم العرفي والواقع القائم ، فالعدالة تقسم إلى ما يلي :

1 العدالة الإجتماعية ، يعني العدالة القائمة بين أفراد بني البشر بما هم يحيون حياة واحدة ويعيشون في جماعة مشتركة ، فهي شرط ضروري لوجودها فيما بينهم .

2 العدالة الإجتماعية : تعني رعاية الأصول القانونية في المساواة عند التشريع والتنفيذ ، لا انها تعني أن يظل الأفراد بمستوى واحد ويعملوا من أجل ذلك لأنه مخالفة صريحة لذات المواهب بين الأفراد ، بعبارة أدق ليس معناها هو ــ من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله ــ أي أن العدالة الإجتماعية وكما تدل عليها الكلمة في القانون التشريعي هي تلك الحالة العاملة من اجل تهيئة الإمكانات واللوازم في سبيل الاستفادة الجمعية نحو الأهداف الإنسانية في الرقي والتكامل البشري ولكي ترفع كل الحواجز التي من شأنها ان تؤجل العمل الطبيعي لتحقيق التساوي الآنف الذكر ، لأن العمل حاجة ضرورية متعلقة بالنوع الإنساني وليس هي من مختصات الفقراء وحدهم فلم تكن وظيفة مصيرية ذاتية خاصة .

ويمكن القول بان العدالة الإجتماعية هي عبارة عن إيجاد سبل وشرائط من أجل رفع الحواجز باتجاه التساوي في الوضع الإجتماعي المتعلق بجنسهم البشري ، وهي على شرطها أمر من مختصات الدولة ووظائفها لأنها بلحاظ العموم أمر إجرائي عملي ، كي ترفع التبكيت والمعاناة والتفاوت بين الأفراد  وجعلهم متساويين إزاء القانون والواجبات .

3 ربما يقف جماعة تأييد للمبدأ الإشتراكي القائل ــ من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله ــ واعتبار هذا المبدأ أصلاً في العدالة ، لا ان يكون كما تقولون على المجتمع ان يتسابق من اجل البقاء لا التنازع فالإسلام يسعى لتطبيق مبدا التعاون والتكافل في المجتمع لا التنازع والتشاجر ، لأن النزاع دال على حتمية الصراع ــ ولا بد ان يقف الإسلام بوجه الملكية الفردية باعتبارها منشأ تلك المظالم ــ لأن الملكيّة الفردية تؤدي إلى التنازع من أجل البقاء ، وبما أنَّ الإسلام يرفض التنازع من أجل البقاء فيقتضي أن يرفض الملكيّة كمبدأ لثبوت كونه قائماً على مبدأ التعاون والتكافل الإجتماعي ، لأن مبدأ التنازع من اجل البقاء خاصة في حياة الحيوان فالقوي منه يغلب الضعيف ويمتلكه لحاجات تتبع غرائزه الحيوانية ــ فالبقاء عنده للأصلح ، وهذا ما أستنتجه (داروين) في نظريته (أصل البقاء ) ــ أما الإنسان فأنه إجتماعي بالطبع فلذلك يميل نحو التعاون فيما بينه والآخرين ، وعلى الأقل من أجل بقائه هو فيضطر للتعاون والتكافل ، ومن هنا يجب ان يرفض مبدأ التنازع من أجل البقاء الذي هو نتيجة حتمية لمبدأ الملكيّة الفردية فالحرب والدمار حاجات حادثة إجتماعياً تحتاج إلى دور للحاكم والقضاء والشرطة وكل أسبابها ناشئة من مبدأ التنازع من اجل البقاء فلو قضي على الأمر من مصدره وهو الملكيّة الفردية لا تنفي دور التنازع وعادت الحياة إلى وضعها الطبيعي الجميل ، ولكننا نجد أن هذا الإشكال ليس متعلقاً بالواقع تجاه نفس المبدأ الملكيّ وشرائطه القانونية ، ولهذا فقد أجبنا عليه بما يلي :

إن التنازع من أجل البقاء سُنة دالة على ضعف في القوانين الإجتماعية والنفسية في البين ، وهو شرط لسعي الأفراد من اجل العمل ضد بعضهم البعض ، أما التسايق من أجل البقاء فهو ما يعني أن كل فرد يعمل للتقدم والتطور ولا يقف حائلاً من أجل تأخر وتخلف الباقين فليس فيه معنى للتضاد مع التعاون ، فالمجتمع من الناحية الفعلية لا يجوز ان يكون ميداناً للتنازع من أجل البقاء بل يجب ان يكون ميداناً للتسابق من أجل البقاء والتطور في مجالات العلم والرياضة والتكنولوجيا وغيرها ، وهذا ليس على أي اعتبار إخلال بعمل الآخرين فالميدان اجتهاد وتحصيل ومثابرة وذاك هو هدف الإنسانية في تكاملها الإيجابي تجاه المُثل العليا . قد تقولون إنَّ العدالة هي شرط إيجابي تساوي في الحقوق والتكاليف والجزاء في القانون وتشريعاً ، فهذا ليس لازماً لانتفاء شرط الملكيّة الفردية بل إنه توكيد في باب إثبات المبدأ كشرط للزوم حق العدالة بشرط التساوي ، ومهما كان فإن ذلك ليس تنازعاً من أجل البقاء بل هو تسابق في سبيل البقاء لتحقيق شرط التسايق وهو التساوي في القانون ، حيث انَّ كل فرد باستطاعته أنْ يعمل في طريق تقدمه الخاص وكسبه شرط أن لا يكون هذا العمل بمثابة غلق الأبواب في وجوه الأخرين ، وعليه فليست الملكيّة الفردية هي طريق التنازع من اجل البقاء لأن منافع الناس لا تتعلق بالملكيّة الأقتصادية فقط حتى تكون هي صاحبة مبدأ التنازع ،

 بل إن الملكيّات تتعدد تبعاً للشؤون الإجتماعية المختلفة كالشهرة وتعدد الزواج والقدرة وحاجات أخرى ملكيّة قد تكون أهم في سبيل مبدأ التنازع من الملكيّة الإقتصادية ، بل لعلنا نرى ان التنازع قائم على أوجه في بلدان تدّعي أنها إشتراكية فدوائر الإستخبارات والشرطة السرية وأعمال العنف الموجه على المجتمع إنما يفوق في مراتب الأنظمه القائلة بمبدأ  الملكيّة الفردية ، لأن التعاون والتكافل ليس فيهما على وجه التطبيق منافاة مع شرط المكليّة الفردية ما دامت تقوم بوظائفها على أحسن وجه وكثيراً ما نرى أنَّ الملكية الفردية دافع في سبيل التعاون لتلاقي المصالح .

إن شيئاً من الصراحة يجب تأكيده ألا وهو أن الملكيّة الفردية قامت على أصول قانونية عادلة جامعة لشرائط ثبوتها اجتماعياً وعرفياً وليس فيها هدر أو تكبيل مقصود أو غير مقصود لسلب المجتمع حرية التشارك والتساوي في الحقوق والواجبات وادلتنا في ذلك أكثر من ان تحُصى .