4 الملكيّة في الإسلام :

مما تقدم أتضح على وجه العموم أن المبدأ الملكيّ أمرٌ إعتباري وفطري وطبيعي ومجوزاته كثيرة وهي تتعلق بنفس المبدأ على الوجه الحقيقي والطبيعي، وإذا كانت هناك من نزعات لتحويل الحق الملكيّ الفردي وإلغاء دوره فقد تكشفت لدينا بأن هذه التزعات ما كانت إلا تعبيراً عن الواقع اللاطبيعي في الحق الملكيّ ودرجات الأمتلاك وأثرها في توزيع القيمة ، وثبت على وجه البرهان أن تلك النزعات كانت تلغي الدور الملكيّ نظرياً ولكنها لم تستطع ان تلغيه على الوجه التطبيقي إذ ثبت أن الفرق في العمل والمهارة الفنية والتقنية وقابلية الكادر المتخصص تحتاج إلى واقع ثبوتي تبقي فيه على الحق الطبيعي لمبدأ الملكية .

ونتيجة للتناسب العكسي بين النظرية والتطبيق عجزت النظرية في إدارة الممارسة إيجابياً  أو على أقل تقدير للمرتبة الوسيطة بين الحق الشخصي والحق الجماعي ، طبيعياً بمستوى الميل كانت الرغبة وبمستوى النظرية كان التطبيق فليس العجز عملية ثانوية متاخرة بل كاان نتيجة حتمية للمقدمية في البينَّ ومن هنا فلا حجة عقلية يمكن ان تكون تبريراً لمنطق الأسس الإيديولوجية المرتبة إلا الطريقة التبريرية لحالة الإنتقال القهري للمجتمع وأثر التراث الرأسمالي على تأطير الإتجاه الإشتراكي في عملية الجمع للحق الملكيّ الذي بات عاجزاً في الوصول إلى جزء الهدف القائم على المادية التأريخية وقوانين الديالكتيك  العملاقة ، ولكن الإسلام أجاب على كل الإشكالات المتعلقة بالقضايا الإقتصادية والحق الملكيّ ووضع لذلك ضوابط وعلاقات ترتبط بأصل النظرية لديه إذ حللّ  الملكيّة إلى حق فطري طبيعي وشخصي وجماعي ودولي واعتبر الشرط لها هو ما تمليه القوانين الإلهية في الحق القانوني الفطري ، أي جعل الصيغة تناسبية بين الإعتبار والحقيقة والحق الملكيّ الشخصي بحيث يكون التناسب طردياً في حساب الأطراف المتجمعة بنفس وجود الصيغ وتمكين الفرد من اعتبارية خاصة لحق معين أي جعل الحق مشروطاً بقوانين لا تجوز مخالفتها لأنها عبارة عن قانون إلهي يميز بين العلاقات ويرتب أثر الوجود فيها بشرط التملك الإعتباري وهذا المبدأ أنتزاع لفكرة الإعتبار في الملكية الشخصية ، فالإسلام يؤكد على الحق الفطري والتكويني العادل ، لأنه يعتبر الأصل الغائي متعلقاً بنفس الحق الفطري ويجب ان يؤدي إليه ، ولو أردنا ان نجد دليلاً فلسفياً بغض النظر عن الدولة الخاصة التي تثبت الحق المكليّ في الأصل الغائي فإن الفلسفة الإلهية تعطي الدليل تلو الدليل لإثبات هذا الحق ، ولكي تثبت الأمر فعلياً فهي تربط الأصل بالنظام العالي المشهود وتعتبر نفس الترابط علة غائية لشرط تحقق المطلوب من الناحية الفعلية ،

فمثلاً هل كانت الغدد الهاضمة أو الأسنان لدى الوليد أو الحليب عند  الأم  إلا جزءاً من هذه الدلاية على الأصل الغائي للنظام الكوني المتعلق بالحق الفطري ؟ إن نفس التوازن والتبادل بين العالم الشهودي والعالم الحضوري دال من حيث المبدأ على الحق الملكيّ الفطري ، فحينما نتصور وجود معين له حاجات معينة قد ترتبط بأشياء خاصة حيوان أو إنسان نعلم أن هناك حقاً متبادلاً بين نفس الوجود والشئ الخاص بعلاقة الحاجة المتبادلة بينهما ، فليس من الغرابة أن توجد أشياء بمحض صدفة دون ما تلائم اتفاقي لوجود نفس العلاقة التي ترتب الحاجة الضرورية لنفس الوجود من أجل الشئ الخاص ، طبعاً هذه التناسبات في العالم الطبيعي ترتب جدلاً أدلة تكوينية لثبوت الحق الطبيعي والفطري أو نفية بثبوت دليل النفي ، قد يقال إن ذلك لا يتحقق إلا عبر المنطق الإلهي والمنطق الغائي لأصل الأشياء والوجودات التي تنتظم إرادياً وشعورياً ضمن قواعد وروابط بعضها فيما بعض بالحساب الزماني للحاضر والماضي والمستقبل ، فهي تثبت الإحتياج لوجود الغاية من الإحتياج وإذا أنتفى الإحتياج ترتب الضد ولا يكون محتاجاً إليه . طبعاً هذا التوجه للحق الملكيّ الفطري والطبيعي كان مسنجماً مع المنطق الغائي وأصل الترابط فيه بين الفرد والحق والملكية تجزؤأ بالفطرة والطبيعة .

ولقد حاول المفكرون والكتاب الغربيون في الدفاع عن الحق الملكيّ الفطري والطبيعي ولكنها محاولات أنتهت إلى فشل وظل بعضها عاجزاً في إقامة القانون العليّ لمصدر هذا الحق . وهل هو مرتبط بالعقل أم بالطبيعة ؟ أي هل كان القانون الطبيعي هو صاحب الأثر أم القانون الوضعي ؟ وإذا لم تعترف بالأصل الغائي لمنطق الأشياء سنكون مضطرين للإعتراف بأن ما وجد على الطبيعة من ثروة ومحاصيل إنما تلقيناه صدفة وجائت إلى الأرض بدون دليل نعلمه ، ولاريب أن مجرد النظر البشري حول فكرة الصدفة يحمل الكثير تجاه المجهول تارة يرتبط بالصدفة ذاتاً وطوراً يرتبط بالصدفة الطبيعية ، وهذا التفكير على عواهنه يحمل أكثر من أتجاه فهو إلى جانب كونه غير عقلائي فهو أيضاً يفقد العالم حقه النظمي ، شئ لا بد من النظر إليه بدقة هو : على ما نعتقد بالحق الأولي في الإغتناء المحصولي القائم على الجهد الذاتي ، ومتى ما كان النظر على هذا المستوى فإنه يؤكد أنَّ هناك أسساً منطقية قائمة إلهية ومادية والفرق بينها يتبع نظام كل منطق تجاه الوجودات والأشياء الميعنة ، ففي المنطق الألهي يبرهن على أن فرضية وجود الشخص في هذا العالم لم تأت صدفة وإنما جاءت بأثر عوامل طبيعية وبيولوجية بالقوة ، فالأبناء يولودن نتيجة للتزاوج بين الأباء وهذا التزاوج هو بذاته حق مرتب ضمن قوانين العلل المنطقية لأصل العلاقة وللتكوين البيولوجي الناشئ على أثرها ، وقديماً قال الحكماء ( الآباء سبعة والآمهات أربعة والمواليد ثلاثة ) .

وضمن هذه القواعد يؤكد القرآن هذه الحقيقة فيقول : { خلق لكم ما في الأرض جميعاً } (1) { والأرض وضعها للأنام } (2) أو { لقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون } (3) أو { لقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر } (4) وجميع تلكم الآيات إنما تبين الحق الفطري في التملك لأنها :

أولاً : أصبح معلوماً أن الحقوق الفطرية الملكيّة هي عين الحقوق الإلهية بل إنها دالة عليها .

ثانياً : أصبح معلوماً أن طريق العدل إنما يتعلق بهذه القوانين التي ترتب الأصول البنائية حسب القاعدة العلمية للحقوق الإسلامية في التشريع .

ولذا لو دقق حسب المفهوم القرآني للآيات المذكوة يتبين أنها ليست من آيات الأحكام بالفعل ، ولكنها تصبح جزءاً من آيات الأحكام لأنها توضح القوانين الشرعيّة في الحق المكليّ ، يعني هذه الآيات وحسب آراء المفسرين توضيح الرابطة الحقيقية بين الإنسان والعالم وهي تحدد مواقف الربط والعلاقة الممتدة بينهما والحق المشترك المتعلق بهما ، ومع ذلك فهي لا تعطي حق التقدير للفرد وإنما تنشئ قانوناً لعلاقة في نظام رتب بشكل ينسجم مع نفس اللغة في الآيات .

وفلسفياً قيل : إن الله ( لم يكن هو الفاعل للغاية وإنما هو صاحب الفعل في الغاية ) .

ويؤكد هذا الرآي قوله تعالى : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ، لو أردنا لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين } (1) .

إذن ففي نظر الإسلام وحسب التصريح المتقدم تتعلق الملكيّة بحق ما : فلو أن شخصاً صنع شيئاً ما أو قام  بعمل ما فهو من حقه بالقوة ! لماذا ؟ لأن الحق في الواقع لا يدور مدار العمل وإنما يدور مع الفعل بالقصد الذي يرتب أثراً في الحساب . كالجهد المضاف والموهبة المتقدمة والأولية طبيعية . إذن فالحق يرتب تمامية الوجوب على الفعل ذي المصلحة المقصودة في النفس ، وفي هذه الحالة الناس متساوون جميعاً لأن الحق يتعلق بالعهدة كما تتعلق التكاليف بحق انقضاء العهدة من الحق التكليفي وليست جائزة لأن الأمر يتعلق بالطبيعة الذاتية ، التي ترتب قانون الحق الملكيّ في الأشياء ، كمبدأ الغريزة أو العقل الذي يميز بين الحق الملكيّ والحق المشاع ، فحينما تقول الآية : { هو الذي أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها } (2) . إنما ترتب الحق الفطري كأساس بنائي لنفس العلاقة النظامية بين الوجود العام وأثر الوجود مما يعطي حق التناسب فطرياً للتملك والإصلاح . ولقد توضح أن أساس المنطق المادي يجعل الحق الفطري مبدأ متعلقاً بالعمل والصناعة وهذا عين سلب الواقع الملكيّ للحق المبدئي ، ولذا فالمنطق الألهي يرى ان الحق الفطري هو عين الحق الإلهي متعلق بالإنسان بالقوة ، وبحكم كون الإنسان جزءاً من العالم الذي تترابط اجزاؤه الواحدة مع الآخرى ، لوجود علاقة مشتركة بينهما ، شكلت مصدر الوجود لأجل كل واحد واحد .

إن الإنسان حسب هذه القاعدة له حق على الموجودات كما أنَّ الموجودات لها حق عليه وبهذا قال أمير المؤمنين (ع) : ( إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم ) (1) ولكن الحق الفطري كما ذهب إليه الماديون وما صرحت به لائحة حقوق البشر الدولية مقيدة وغير قابلة للتوجيه في أصل المطلب الحق بالملكية المشاعية .

لكن الألهيون يرون ان هذا الحق معلق حتى بالعجزة والضعفاء من بني البشر لأنهم ينظرون إليه حسب القواعد الكلية ، فكما ان التكليف متعلق بالكامل فالحق متعلق بالكل ووجود رابطة بين الحق والتكليف تؤثر أحدهما بالأخرى ، ولكن شرط التكليف كما يقول الفقهاء هو : الإمكان والقدرة ، ولو وجدت القدرة عند فرد ولا يعمل بموجبها فإن حقه في الملكية يسقط ويحرم منه ، ولكن متى فقدت القدرة قطعاً يسقط التكليف إذ ــ لاضرر ولا ضرار ــ ولكن عند سقوط التكليف لا يسقط الحق لأنه .. لم يكن سبباً في سقوط التكليف ، ولو كان سبب الحق الفطري في الملكية هو العمل والصناعة وكان الشخص عاجزاً عن العمل لفقدان القدرة فإنه يحرم من هذا الحق هذا ما صرح به الماديون ، لأنهم يلقون بالمسؤولية عن القيام بالعمل على الفرد ولكن هذا التصريف المادي غير عقلي وخلافاً للواقع لأنه لا رابطة بين الحق وفقدان القدرة على العمل وكل منهما له اتجاهه وحله الخاص ولا يقتضي تعميم الحل عند فقدان القدرة مطلقاً او مقيداً لحالات معينة خاصة ، ولنا فرضيتين في المجال :

الأولى : الحق يتعلق بالفعل لجميع الناس والكل هم أصحاب حق وتكليف ، ومتى لم يقم فرد بتكليفة المعين فإنه يكون مجرماً وليسقط حقه الثابت له ولكن هذا الفرض قائم على أساس وجود القدرة عند الفرد ، أما إذا كان عاجزاً فإنه ولا ريب يبقى حقه ثابتاً .

الثانية : أو ان الحق يتعلق بالقوة لا بالفعل ، فمع  القيام بالتكاليف بالوظائف الفعلية تترتب الاختصاصات وتوجد الحق الملكيّ ، ولكنه يجب القول إنه في هذه الصورة فالكل أصحاب حق بالقوة تمكنوا ان يستفيدوا من هذا الحق فلآجله ترتب الوجود الإختصاصي فيه ، طبعاً الإختصاص موجود بالقوة ، فلو لم يتمكن الجميع من العمل بجدية لتصادم الحق المتعلق ، فالحق لا يتوقف على إجازة من كان عاجزاً منهم ،وأما بحكم كون هذا الفرد غير عاجز فإن سهمه ثابت من هذا الحق بمقابل التكاليف الشرعية الإختصاصية الموجبة لإعطائه من هذا الحق بقدر ما يستطيع معه البقاء والحياة وقد صرحت الآية 24 من سورة المعارج  بذلك { وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم } .