3 الملكية والفلسفة :  

إنَّ الملكية من المواضيع الأولى  التي دار البحث فيها بين البشر ولكن : ماذا تعني الملكية ؟ لأننا نرى أن هناك رابطة قائمة بين البشر بعضهم  البعض بواسطة أشياء معينة وخاصة ، في حين لا نرى أن نفس الرابطة قائمة بين الشخص وهذا الشئ المعين ، وطبيعي الاعتبار قائم على مدى الإيجاد الذي انشأه الشخص مع الشئ الخاص ، لمضامين قد يكون إخراجها من القفص الطبيعي أو أنه ، وجدها في حالات مجردة مشاعة توحي له بأن هذا الشئ إنما خارج عن إرادة شخص آخر في حقه ولذا تعتبر المقدمية في النسبة له لا لغيره لإعتبار النسبة الأولية في هذا الحق .

ولا ريب أن ذات العلم الناشئ من هذه العلاقة يرتب أثراً في القابلية للسلب والتبديل على ذات الشئ ، كطراز للعمل أو لوضع اللغة الخاص في هذا الشئ مما يوحي على أن هذا دليل على صدق تصورات البشر في هذه الأشياء المعينة ، وهذه  العقدة من المفاهيم تحتاج إلى بحث فلسفي في مسألة مصدر نشوء هذا التصور ، نعم إن البعض أكتفى بهذا المقدار من الفهم المعين لهاذ الحق الخاص وقال بأن الملكية أمر إعتباري ، وليس من المعقول أن يكون التصور الإعتيادي ناشئاً من اختراع ذاتي لا أصل له فلا بد من القول ك من أي دليل قام هذا الإعتبار؟ أخرى ماهي حقيقة الإعتبار ؟ ثالثاً كيف تعتبر الملكية ؟ وهل مجرد أثبات الملكية أو سلب الحق الملكيّ او تعويضه هو الدليل على الإعتبار الملكيّ ؟ ولكن ماهو الإعتبار؟

يجب القول إن لإجابة على هذا السؤال تحدد المعنى الملكيّ وهل أنه اعتباري أو حقيقي ؟ وماهي حدود الملكيّة في الواقع ؟ فحقيقة الإعتبار هي :

إن الإعتبار هو ما يقال له في الغالب مقابل الحقيقي ولهذا التغيير في مصطلح الفلاسفة معانٍ مختلفة يؤدي لها في العمل ، من هذه المعاني المختلفة هناك موردان مربوطان بالتصورات الإعتبارية والحقيقة ومورد آخر يرجع إلى القضايا ، طبعاً الحقيقي هو ما يقال في قبال الأمر الوهمي والخيالي مثل النسبة إلى الشجر والجبل فهو حقيقة ثابتة يرتب الحس أثرها الفعلي حقيقة ويقال للأمر الإعتباري هو ما يقابل الأصيل كما لو قلنا الماهية في مقابل الوجود واصطلاحات أخرى كثيرة لا مجال للبحث فيها ، فالمورد الأول للتصورات الحقيقة والإعتبارية يرتبط بالتصورات التي تتعلق مباشرة بأحد الحواس الظاهرية أو الباطنية والتي تؤخذ من العالم الخارجي ، ولذا هي في الإصطلاح الفلسفي تحسب من طبقة القوالب المقالية وتصبح جميعاً من التقسيمات الخارجية للماهيات ، كتصور جبل وشجرة وماء وألوان مختلفة ، والزمان والمكان وغيرها هذه تصورات حقيقية وكل واحدٍ منها متربط بأحد جوانب الماهيات الخارجية المعلومة التي تنتقل إلى الذهن بواسطة الحواس المدركة لها واقعاً ، وهي تقع في مقابل ماهيات آخرى ترتبط بتصورات المورد الأول مع معقولات أخرى قد تأخذ نفس الإسم كالشؤون والمراتب المتعلقة بوجود الأشياء تحسب على أنها ضمن المورد لكنها تختلف في أنطباقها على مفهوم ذات الوجود ، والعدم ، والوحدة ، الكثرة ، المعلول ، العلة إن هذه التصورات منشؤها الفعلي الإنتزاع الخارجي وأيضاً هي تصدق على الماهيات الخارجية ولكنها لا تصبح مستقيماً كحالة من الطائفة الأولى لأنها لا ترتب الأثر العيني حسياً ، وعليه فلا يمكن جعلها اعتباريات لأنها لا تدخل في الإرداة والطور الطبيعي للعقل الذي يجب أن ينقلها إلى الذهن الإنساني من العالم الخارجي مباشرة .

المورد الثاني : وهو المعنى الإنتزاعي اصطلاحاً للإعتباري  كما في المفاهيم التي تحصل بالتلقي وتعتبر متعلقة بالمورد الأول لكنها لا بإزاء الوضع الخارجي بل على خلافه إعتباريات المورد الأول كالشؤون والمراتب وعدم وجود الأشياء ولهذا فهي غير قابلة للصدق على الماهيات الخارجية كذلك ، لكن التصورات تحسب في نقطة واحدة من حاجات العمل الإنساني وتنتقل خلال الذهن كغريزة البقاء فهي تؤخذ بمثابة التصور الحقيقي لذات البقاء إذن فالعمل بإزاء هذه النقطة فردي تاماً ولكنه متقدم رتبة قبل تعلق الفرد بالجماعة ــ كاعتبارالحُسن ، القبح ، الإستمرار في العلم ــ ولربما تكون متقدمة في مرتبة الوجود الجمعي ــ كاعتبار الرئيس والمرؤوس ، الأمر ، النهي ، الملك ــ وهي بمثابة القضية الحقيقة القابلة للتصديق قطعاً بصرف النظر عن الصدق والكذب فهي تقع بهيئة القضية المعَّينة التي تتحقق في الخارج ، وبداهة إنه لا يصح في القضية الحقيقة أن تشكل المحمول والموضوع في مقابل الوهمي والخيالي لأن الملاك في القضية الحقيقية هو قابليتها على التحقق خارجاً كمثل القمر ، الشمس ، الله ، الروح كلها من المفاهيم الحقيقية أما التصورات الوهمية والخيالية كبحر من الذهب والسعادة والغول ولكنها جميعاً تستطيع ان تكون موضوعاً ومحمولاً للقضايا الحقيقة فقضية الشجرة موجودة والروح موجودة والسعادة موجودة وبحر من الذهب موجود كل هذه القضايا تعطي بلحاظ هذه الأخبار عن الوجود والعدم أو بعض الواقعية في الخارج ، وتحسب على أنها حقيقة منها ، ولوكانت بلحاظ صحة الخبر وصدقه التي تقع في الخارج أو الواقعية منه على الخارج فهكذا هو حقيقة متمثلة لأنه يمكن أن يكون كل واحد صادقاً وكاذباً في حقيقته أو أن تكون القضية الواحدة بلحاظ مجموعة صحيحية وصادقة من طرف وكاذبة وباطلة من طرف آخر .

فقضية أن الله موجود في نظر الإلهيين هي حقيقة جداً في نظرهم ولكنها خبر غير صحيح عند الماديين ، ووجود الإقبال عند بعض الناس أمرٌ موهوم وباطل ولكنه عند آخرين يقيني وبحد القطع ، ولكي نصل إلى مدَّعي الصحة والخطأ عند كل طائفة يقتضي التحقيق الموجب لمعرفة الأدلة التي تثبت نظرية كل منهم ، شرط أن يكون الدليل اهم من أن يكون حسياً أو تجريبياً أو عقلياً ، في المقابل هناك طائفة من القضايا تتحدث بلحن الوصف لواقعة من غير العالم الواقعي ولعل المحتوى لها هو الميل النفسي والعاطفي سواء اكان فردياً ام اخلاقياً او مذهبياً سياسياً في هذه القضايا يتشكل المحمول والموضوع من المفاهيم الحقيقة ولكنها لا تصل إلى حد المصداق الواقعي ، يعني قد يتعلق الإنسان ببعض دواعي الميل النفسي التي ربما تنسب إلى بعض صور المفاهيم الحقيقية الخارجية وأثر ذلك على تحقيق الداعي النفسي حقيقة ، طبيعي إن بعض آثار المفاهيم الحقيقية على المصاديق ليس واقعياً بل إنها ذات مفهوم عقلائي لأنه ربما يكون تشابه بين المصداق الحقيقي والإعتيادي كالتشابه في الملاك المشترك او السنخية في العمل وهذا الإعتبار إمتياز شاعري عقلائي للإشتراك الأصلي والعمومي في مورد كل ثلاثة معانٍ ، الذي يكون اشتراكياً بنفس الإطلاق الإعتباري بصرف النظر عن الأشتراك اللفظي الخارجي ، كالأمور المالية الإعتبارية التي تقع بإزاء المالية العينية في الخارج ، والتي لم تؤخذ مباشرة من حواس الإنسان الخارجية ، وفي قبالها أمور حقيقة للمكلية على شكل مصاديق عينية ، إن بعض القضايا الحقيقة قد تقع خارجاً وتتحقق واقعاً عيناً دونما تحقق من كذبها وصدقها إذاً فالمفاهيم الإعتبارية جاءت من الخارج مستقيماً وعن طريق الذهن المبني على أصول فلسفية بديهية فكل ما وجد من تصور إنما وجد في الخارج ، وعليه فالمفهوم الإعتباري الذي لم يؤخذ من الخارج أساساً لا يوجد في الذهن فالموجود الإعتباري يرتب حسب أدوات الإدراك في الخارج التي تنقل ذلك إلى الذهن .

ولهذا فالطريق الوحيد لوجود هذه المفاهيم الإعتبارية وكل المفاهيم الغير حقيقة الأخرى من قبيل الوهميات والأمور الخيالية هو أنها يجب أن تكون من التصورات التي تؤخذ من خارج الذهن لا من داخله ، ولذا فالذهن في مورد الإعتبارات يكون وسطاً بين الحقائق الخارجية والمفاهيم الحقيقية ، إذ لا  يوجد أمر أعتباري بدون أمر حقيقي ، فمن الخصوصيات الإعتيادية الأخرى أمور تتعلق بعمل الإنسان ، التي ترتبط أساساً باحتياج الإنسان الإعتباري للعمل من جهة المفهوم ، يعني كون الإحتياج متعلقاً بنفس الإنسان وطبيعته ، فمثلاً البقاء ، والكمال ، والوجود من جهة الإحساس بها وأيضاً الكمال المتعلق ذاتاً ببعض الموجودات هو امر اعتباري ، وتوسيع المدارك العلمية للإنسان قدر متيقن في النوع ، إن نفي العلم عن الفعل الإداري للبشر ينتهي إلى غموض في معرفة الصور العلمية المتعلقة بذات العلم فعلاً وبذلك فلا يستطيع ان يقوم بأي فعل إرادي لأن كل فعل متعلق بالإرادة وهي موكولة بتصور مورد الفعل وهو يحتاج إلى نقطة فعل تؤدي إلى تصور جبري يصل للمطلوب بتوسط ذات الفعل ، ومع النظر في هذه التصورات المتعلقة الواحدة بالأخرى المريدة لوجوب الفعل يلزم ان يؤخذ ذلك في حالات الشعور والإطلاع الإنساني او مع بطلان الأفعال الإرادية ينتهي الفكر ، وتصبح النتيجة لبلوغ الكمال الإنساني غير ذات طريق لنفي الإرداة في الفعل ، لذا فالنفس او الطبيعة الفردية تتعلق بالإحتياج الوجودي الذي هو معنى التكامل الفردي على حدَّ العلم بالموجود .

إن سلسة المفاهيم الحقيقة هي حاجات لإثبات المصداق الإعتباري بملاحظة الملاك المشترك للوجود التطبيقي أي الإعتباري ، وهذا كما يراه الفلاسفة طريق لمعرفة المفهوم العام مطلقاً ، فمفهوم الحُسن والقبح التي هي وجودات اعتبارية أولية ومقدمة لوجود الجماعة ، وهي اعتباريات لأن الإنسان يحسّ حينما يعمل الحسّن أو القبح ولعل البحث عند المتكلمين ما زال مردداً حول كون الحسن والقبح ، هل هما من الأمور الذاتية والمجهولة من الله والعالم الخارجي ؟ أم إنها اعتباريات تخص الواقع المعاش ؟ ونفس الإعتبار يتعلق بالوجود الملكيّ المحسوس وهو سابق لوجود الجماعة لأعتبار السابقية متعلقة بالإعتبار الذاتي وعلية فالملكية أمر إعتباري شخصي يتعلق بوجود النسبة بين الفرد والوجود الإعتباري عليه .