1 الملكية عند الماركسية :

لقد قامت الماركسية على نفي الملكية الخاصة نفياً مطلقاً ، واعتبرتها قائمة على وجه من الإستغلال الطبقي الذي تؤثر الرأسمالية في بناء هيكليته العامة ، ولذا فقبول المبدأ الخاص في الملكية يعني قبول النظام الرأسمالي في الإقتصاد وبالتالي قبول المبدأ الطبقي اجتماعياً وسياسياً .

فمحو الطبقية يعني القضاء على الملكية الخاصة التي تقوم به الطبقة العاملة باعتبارها صاحبة الملكية الحقيقية ، ولكنها فرضت للقضاء على الملكية الخاصة نظاماً طبقياً جديداً وما استطاعت انَّ توفق بين المحو الطبقي ونشوء البروليتاريا فهي تعتقد زوال الطبقية لا تمهده إلا قوانين الديالكتيك الخاصة بمعرفة التطور التاريخي والإمتلاك لوسائل الإنتاج التي تعتبر محوراً لتطور المجتمع ، والتطور حالة ترتبط بالمفهوم الطبيعي للحركة ولواقع العلاقة الملكية فإذا كانت ملكية خاصة فإنها تعمل لترتيب قوانين فردية للإستهلاك الإجتماعي وهي بمثابة قوانين لنفس العلة التي كونت التطور التاريخي طبيعياً لكنه تكوين تؤثر به قوى تعتبر داخلة في العملية التغييرية لواقع الحركة التاريخية .

ولهذا اعتبرت الماركسية زوال الملكية الخاصة شرطاً واقعياً لنفس قوانين الحركة التاريخية تبرهنها تناقضات إجتماعية في المادة ترتب أثراً ديالكتيكياً لواقع الحركة نحو مرحلة زوال الملكية ولكنها مع تلك الشروط الطبيعية تظل حاجة إلى محفزات من خارج القوانين المؤثرة في حركة التاريخ وهذا هو أصل مبدأ القياس العلمي للمرة من خلال العلاقة المركبة من التغيير الطبيعي والتغيير البشري بداهة إن التغيير يتبعه إمتلاك فعلي لمصدر الحركة المؤثرة إيجاباً في طريق تحقيق هدف الزوال الملكي الخاص الذي تعلله قوانين المادية التاريخية في الحقيقة الإنسانية لكنه تعليل لصدر واحد إذ الانكشافات الحيوية للمؤثرات في التركيبة الطبقية قائمة على أكثر من مبدأ ، والتاريخ مسرح حافل بشواهد عسكرية وسياسية ودينية وإلخ فهي ليست تأثيراً لتركيب معين ولا يمكن أن يكون نفس هذا التركيب مهيمناً بالطبيعة على الأسس الأخرى في الحركة الطبيعية للتاريخ ــ فالصراع بين القوى والنزاعات والحروب تحمل أسساً تتعلق بها من طرف الشروع الإبتدائي والعلاقة الإنتزاعية من نفس الأسس لحركة الصراع تاريخياً التي فيها يكون جزء من كل الأثر الأقتصادي في التحريك المحمول بدافع كسب المنفعة .

 فمثلاً الحروب الصليبية هدفها كما أعلن في التاريخ والجغرافيا هدف ديني سياسي يتفرع منه أصل فيه الحركة من أجل الملكية الاقتصادية ، ولا تعتبر من وجة حركة في سبيل التملك الرأسمالي ، ولا مجرد قوانين العلة الخاصة هي التي تحدد الحركة في اتجاه المبدأ لأن القوانين تتعلق بالكل والكل صيغة جمعية تتناول مبدأ العموم في قانون الملكية ولكنه تناول من جهة واحدة أي على أساس الإمتلاك الشرطيّ يتحقق أداة لكل وسائل الإنتاج ــ المنتجة والمستهلكة ــ والتأميم هذا شرط من شروط تحقق مبدأ الملكية الجماعية لكنه لا ينقل الملكية كما هو واضح إلى يد الجماعة باعتبارها صاحبة الحق الشرعي إنما ينقلها إلى يد الدولة باعتبارها صاحبة فكرة الزوال الطبقي والدولي أي انها تجمع شرطيّ لفكرة الإنقلاب باتجاه الحركة التغييرية لنفس المبدأ الملكيّ ولا يعقل ان يكون انقلاباً في حركة غير مشروطة وشرطه المركزية الحزبية التي تولد ديكتاتورية ثورية قادرة على فن انتزاع الملكية الخاصة بالقوة التي تحقق شرط الإنجاز الفعلي بمستوى الحركة التغييرية لواقع الإمتلاك في الإنتاج والعمل ورأس المال والأستثمار وكل ما يتعلق بالملكية الخاصة التي جائت بمجوزات قانونية دستورية ولكنها لا تمثل مبدأ الجماعة في ممارسة التشارك الملكيّ لقوى الإنتاج المتعددة .

2 الأشتراكية :

يحسن بنا قبل كل شئ أن نسجل المعالم الرئيسية للإشتراكية على ضوء الأسس العلمية للواقع الإشتراكي :

المعلم الأول : محو الطبقية ، إن الماركسية تعتقد أن الظاهرة الطبقية تعتمد على الوجود الملكيّ الذي تحققه الرأسمالية من جراء الواقع الملكيّ الذي تتبعه في عملية الإدارة الإنتاجية والأستهلاكية او بتجويزها الحق في التملك اللامشروع بحجة أن ذلك مجهول المالك ووقعت اليد الذي تحوله من مادة خام إلى أداة منتجة وهذا الجهد العقلي المصروف ترتب الرأسمالية علية آثار الحق الملكيّ النفعي والذي هو حق تكتسبه الرأسمالية بالتصرف على الأداة المنتجة بعد التبديل من شكلها الأول .

فالملكية إذن تراها الرأسمالية حقاً متبعاً لا يشترط بالوقت والزمان وإنما يكون جارياً مع نفس المصلحة المكتسبة للمنافع ويكون الإكتساب شرطاً إضافياً للمنفعة لأن الإكتساب مجرد جهد مبذول لتحقيق الأداة المنتجة من واقعها الأول ، ولكنه جهد متعلق بشرط الإضافة المرتبة القدرة الانتفاعية بحق الإكتساب وهو ما تراه الماركسية تغليباً لوجه إنتاجي في المصلحة الاكتسابية والحق المضاف مرتب القدرة على المبدأ الملكيّ الخاص وهذا هو عين الواقع الطبقي الذي تمارسه الرأسمالية .

وترجع الماركسية الظاهرة الطبقية إلى ذات الملكية الخاصة التي قسمت المجتمع إلى مالكين ومعدمين أو هي بالأحرى مصدر الواقع الطبقي اجتماعياً وما دامت الملكية حقاً خاصاً تراه الرأسمالية فإنها تؤدي إلى نتيجة طبيعية تتعلق بالأثر الناشئ من جراء وجود الظاهرة الخاصة للملكية ، فمحو الطبقية ينسجم مع مبدائ المادية التاريخية وقوانينها الديالكتيكية الناظرة إلى صورة التناقض الحاصل من الاستغلال الموجه للطبقة العاملة وسلب حق المنفعة المشترك وتوجيهه إلى المالك ، وحق الإنتاج والقيمة الفائضة الناتجة من جهد العامل وزيادة العمل توجهه هي الأخرى إلى الحق الملكيّ الخاص .

 فالظاهرة إذن تنشأ بواسطة الوسائل الإنتاجية وتعزز بالتفسير للظواهر الناشئة سلبياً من الملكية الخاصة ، كالجشع والعبودية وصور تنفي الحق المرتب للعامل على صاحب الإنتاج بنفس عقد العمل القائم بينهما وشرط تحققه ، هو الممارسة الفعلية للعمل مع مرضاة صاحب العمل والرضا إقرار إنشائي يرتب الصيغة التعاقدية قانونياً .

ولكن الرأسمالي لايرى ان هذا العقد موجب له بالتحديد في اتباع نفس شروط العقد لأنه يبرر الخروج عنه بالحاجة القهرية المرتبطة بالسوق وبالفائدة وأي اعتبار لضرر ماديّ يلحق صاحب العمل فإنه يرتب جريمة الضرر على العامل ليحسب الفرق الماديّ من أجرة العامل ، هذه النظرة التاريخية شجعت الماركسية على المزيد من مطالبتها نحو محو الطبقية وشرطه الأولي إلغاء دور الملكية الخاصة فإذا انتفى دورها نهائياً ستكون العلاقة المرتبة قائمة بين العامل والدولة ولكنه بعقد جماعي يشترك فيه الضمان الإجتماعي لأن العامل إنما يصبح آلة تتحرك تبعاً لقرار أعلى مما يفقد العامل وجوده الشخصي وحقه في ذات العمل الذي يرتبط به وهذا التجريد الإنتزاعي يرتب أثراً بين العامل المنتج والآلة المنتجة التي يعتبر وجودهم أدائياً خارج عن نطاق الأطر الخاصة التي تفتقد لإمتيازات الكفاءة والمقدرة وهذه تطبيق للطبيعة الإقتصادية القائلة ( من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله ) ولكنه تطبيق منهجي لنفس الطبيعة وليس للمذهب الذي هو العلم النظري تجاه المذهب من حيث القاعدة على أثر القدرة لنفس الطبيعة باعتبار ذات الطاقة المعطاة في العمل يقابله نظرياً الفائدة المتلقاة من العمل نظرياً للطبيعة التي تخلق التفاوت مع نفس القانون إذ له طبيعة إجتماعية وسياسية وهو كما ترى لافرق بين الطبيعة الكلية لكنه تجريبياً يظهر أنَّ التفاوت ناشئ في ظل نفس الطبيعة التي ترتكز المفهوم الطبقي على حساب الطاقة والقدرة العملية وهي تعزيز للمبدأ من الناحية الواقعية لأصل ثبوت التفاوت على المستوى الاجتماعي والسياسي ولكن كل جمع هو بمستوى تفريق جمعي يخضع لضابط الطبيعة .

طبعاً تحقيق نفس الطبيعة كما قلنا يجري ضمن تفسير خاص يعتمد على نفس العلاقة الطبيعية وهي  بمثابة القدرة المتعلقة بالتوجيه الخاص والمدفوع بالعمل التنظيمي القهري ولذا قال (لينين) إنَّ كون العلاقة التنظيمية يجب أن تكون مركزية تحت قيادة ثوريين محترفين إلى نظام عسكري للحزب وهذا مصداق لعملية ثبوت وتحريك المرحلة باتجاه سلطة البروليتاريا على وجه العموم .

ولذا وصف (لينين) طبيعة السلطة في جهاز الحزب قائلاً ( في المرحلة الراهنة من الحرب الأهلية الحادة لا يمكن لحزب شيوعي أن يقدر على أداء واجبه إلا إذا كان منظماً باقصى نمط مركزي وإلا إذا سيطر عليه نظام حديدي يوازي النظام العسكري وإلا إذا كان جهازه المركزي قوياً متسلطاً يتمتع بصلاحيات واسعة وبثقة أعضاء الحزب الكلي ) .

وقال (ستالين ) ( هذا هو الوضع فيما يتعلق بالنظام في الحزب أثناء  فترة الكفاح التي تسبق تحقيق الديكتاتورية ويجب بل حتى إلى درجة أعظم أن يقال الشئ ذاته عن النظام في الحزب بعد أن يكون قد تم تحقيق الديكتاتورية ) .

وبهذا يصبح المنطق في تحقيق الطبيعة السياسية لتولي السلطة متعلقاً بنوع الهيكلية التنظيمية للكادر الحزبي طبعاً لا يخلو الأمر من أن نفس التعلق هو تحقيق لمبدأ المحو الطبقي ولكنه من حيث الآنية بشرط أن يكون فعل الإنجاز أمراً مشروطاً بذات المركزية المعلنة في الحزب ، لأن المجتمع لا يمكن أن يتقبل الفكر الإشتراكي إلا بحالة ثورية احترافية تحقق المطلب على وجه الدقة ولا يتيسر هذا الكيف الإنجازي إلا بنفس الممارسة المعهودة في الحزب المركزي وبهيكليته التنظيمية المغلقة ، لأن الأنغلاق هو حاجة عضوية في تحديد مسار الحركة التغييرية في المجتمع ، ولو أحتمل أن تلك الحاجة ستنجز ذاتياً تبعاً لقوانين الديالتكيتك فإن المعارض لحدوث الحاجة على أساس أنها شرط عضوي يتطلب أسماً وبرامج تنظيمية غاية في الصرامة لتحقيق الطبيعة السياسية في شرط الإمتلاك السلطوي ولكنه على أي حال تقديم لا سببي لأن النتيجة سوف لا تخضع لذات القوانين التنظيمية إنما تشذ عنها تبعاً لقانون الحركة المادية في التاريخ وفلسفة قوانين الجدلية العلمية التي ترجع نفس ثبوت التناقض إلى القوانين وبالتالي يحدث الخلل الطبيعي في السياسة التنظيمية ، وتاريخ تسلم الشيوعية للحكم يحمل صورة التناقض العكسي الذي سبب إحراج لكثير من قيادي الحزب ومارشالات الجيش .

المعلم الثاني : السلطة الديكتاتورية : كانت الفلسفة الماركسية ونظرية التطور الحتمي للتاريخ صاحبة الإمتياز في نظرية الحكم السلطوي الديكتاتوري ، مبررة ذلك حسب قوانين الديالكتيك والحريات الرأسمالية التي تنجر قهراً للملكية الشخصية والإعتبار الفردي في ذات الملكية مما شكل طبقة مستغلة حددت موازين القوى وحركت العملية الإنتاجية وأثبتت شرط الفردية كعنوان للإعتبار الحقي في الممارسة تجاه التملك ضمن شروط الحرية الملكية القانونية العامة .

فالماكسية تعتبر هذا تبريراً لحق التملك القهري لوسائل الإنتاج والكدح وشقاء العامل ، مما ركز الإعتبار على أنه نظرية كسّبية متعلقة بالربح وبفائض القيمة ورأس المال ، وإذن فلا بد من إعادة نظر في سبيل نوع هذه الملكية التي جاءت بصورة غير مشروعة ، وتحويلها إلى اليد الجماعية شرط تملك الدولة لها يعني ملكية رأس المال والوسيلة والقيمة وكل ما يرتب الجهد وينظم الحالة العامة ، وقطعاً هذا التخطيط يحتاج إلى مقدمات أولية في تهئية لوازمه الفعلية على وجه تحقيقه باتجاه العموم ، ولا بد من ذلك من تولي العمال للسلطة وتخضع كل البرامج إلى سلطتها وتحت مراقبتها وتطبيق المنهج الإشتراكي وعلى كل مرافق الدولة ، والتخطيط الأقتصادي المركزي الذي يجب أن تديره السلطة الجديدة يتطلب على وجه ما فرض نظام ديكتاتوري طبيعي على السلطة السياسية وتكون قادرة على أنجاز هذا الشرط وتطبيقه سياسياً مما يعمل كمقدمات على محو النظام والتراث الرأسمالي عبر خطة تتعلق بجوانب العمل الإداري والوظيفي في المصانع والشركات وكل مرافق الدولة ،

وهذا الشرط يحقق إنجازاً فعلياً لنفس التفسير الماركسي للملكية وللإقتصاد الرأسمالي  وتحويل الملكيات إلى تجمعات أشتراكية لا مالك لها إلا الحزب الشيوعي واقطابه السياسين ، وهذا كما ترى ليس حلاً للتناقض الديالكتيكي وإنما هو عجز عن حل للمشكلة من جانبها العام وستبقى الطبيعة الأقتصادية طبقية لكنها تخضع لتفسير سياسي خاص غير ذات تبرير عقلي فلسفي إلا ذات النظرية العقائدية الماركسية وهي كما ترى ذات شقين يتعلق أحدهما بالأطروحة والثاني بالممارسة ولا قائل في أن الحل هو نفس الفلسفة باتجاهها النظري سلوكياً لأن هذا القول لا دليل عليه إلا ترجيحاً بدون ممارسة عينية ، مقيدة ، كل ما فيها إنها استحسان شخصي وليس تبريراً منطقياً لنفس السلوك النظري ثم إن الماركسية كمبدأ فلسفي ترفض المثالية الفلسفية لذا فلا يمكن أن يكون الحل هو الترجيح الآنف الذكر .

المعلم الثالث : التأميم : للتأميم هناك فكرتان :

الأولى : الفكرة العلمية في التأميم تقوم على أساس تناقضات القيمة الفائضة التي تتكشف عنها الملكية الخاصة لوسائل  الإنتاج في رأي ماركس فإن هذه التناقضات تتراكم حتى يصبح تأميم كل وسائل الإنتاج ضرورة تاريخية لا محيد عنها .

الثانية : الفكرة المذهبية في التأميم فتتلخص في محو الملكية الخاصة وتتويج المجموع بملكية وسائل الإنتاج ليصبح كل فرد في نطاق المجموع مالكاً لثروات البلاد كلها كما يملكها الآخرون (1) .

قبل مناقشة الفكرة الثانية يقتضي التنبيه إلى ما يأتي : إن ما يسمى بالتأميم في الحقيقة هو تدويل ، أي جعل المصلحة بيد الدولة ، قد يكون ملائماً وضرورياً في حالات معينة ولكنه يجب أن يظل في الجوهر استثنائياً كأن يكون مقصوراً على الخدمات العامة التي تعني مباشرة بوجود الكيان السياسي ونظامه وأمنه الداخلي بحيث يكون خطر سوء الإدارة أهون شراً من خطر إعطاء السيطرة للمنافع الخاصة ، والحقيقة أن للدولة المهارة والكفاءة في تصريف الشؤون الإدارية والقضاية والسياسية ولكنها لا تحسن تصريف الشؤون في جميع الميادين الآخرى ومن ثم يسهل أن تجنح إلى الظلم والجور فإذا ما أصبحت الدولة رئيسة أو مديرة للأعمال أو الصناعة أو راعية للفن أو الروح الموجه لشؤون الثقافة والعلم والفلسفة فذلك ضد طبيعتها باعتبارها أعلى هيئة غير ذاتية متجردة وبمعزل عن الخصائص المتغيرة للوجود الإجتماعي وما فيه من الدينامية والشد والجذب المتبادلين .

ونظراً للخلط الغريب بين المصطلحات فإن كلمة التأميم تحمل معنى إشتراكياً بينما بعض الكلمات التي تقارب كلمة التأميم في اللفظ إذا ما فهمت فهماً صحيحاً كان لها مدلولات أقرب إلى الفردية والكثرة فإذا ما رددناها إلى معناها الحقيقي فإنها تشير إلى عملية التكامل الإجتماعي الذي تكون بواسطته المشاركة في مشروع فردي غير مقصورة على رأس المال المستثمر فيه بل تشمل الأيدي والإدارة ويكون فيه جميع الأفراد ومختلف الفئات مشاركين بشكل أو بآخر من أشكال الملكية المشتركة  والإدارة المشتركة .

وهذه العملية ليست ضربة للملكية الخاصة وإنما توسيع لها لأنها تأتي من السعي وراء المبادرة  الحرة لإيجاد أساليب إقتصادية جديدة يصادق القانون فيما بعد على أوفرها حظاً من النجاح ، وهي ناشئة من النمو الطبيعي لنظام الإستثمار الحر حينما يصبح الشعور العام مدركاً للواجب الإجتماعي للملكية الخاصة ومدركاً لضرورة إعطاء أشكال عضوية وقانونية لمبدأ الإستعمال المشترك الذي علق عليه (توما الاكويني) أهمية خاصة (1) ولكن الوضع القانوني للتأميم كان موضع جدل مثير بين أصحاب السيادة الفعليين الذي يؤمنون جدلاً بأن العملية المشتركة ذات آثر إيجابي في السيادة العامة ولا تنافي في الموضوع الهدف السيادي الكلي . ولكنهم وقعوا في خلط عند تقرير أصول العملية على الأسس الإشتراكية فهي مرتبة معلقة لا بالعملية التقريرية وإنما كانت خاضعة للقانون الإداري الذي يشمل تحديد الملكية الخاصة (الفردية) ويرتب آثار الملكية بالمحصلة الجمعية فلذا أصبح مبدأ الإستعمال المشترك يوضح نفس الآثر المترتب من العملية ولكنه توضيح للمباني الكلية الداخلة في مجال الكيان السياسي المضيّق والخارج عن إرادة الدولة وشرطها المتقدم في المعلم الثاني .

ولذا تصبح الإدارة السيادية للدولة صاحبة الحق الملكيّ معمّمةً هذا الإعتبار بسيادة خاصة مقررة في القانون الموضوعي الذي يشترط فيها سمو السيادة الدولية في المجتمع السياسي ويصبح الحق الملكيّ الخاص ، حقاً معزولاً تبعاً للنتيجة القائلة بأن الإرادة تعمم مصادر الثروة في الإمتلاك وتجعل الحق حقاً مؤمًماً تبعاً للسيادة صاحبة السيف وخصائص القوة الكلية التي تفرض المبدأ العام في الملكية حسب إتجاهها المذهبي  .

ونعود لتوضيح الفكرة الثانية :

إن الفكرة من حيث المبدأ تتعارض مع الواقع السياسي للمرحلة الإشتراكية الذي يتجسم في طبقة تتمتع بحكم دكتاتوري مطلق كما أشارات اليه التعاليم الماركسية في السلطة وعلى الأجهزة كافة ، الحزبية والدولية ، فلا يكفي إذن أن تلغي الملكية الخاصة قانونياً ويتم الإعلان عن ملكية المجموع للثروة ليتمتع هذا المجموع بملكيتها حقاً (1) وهذا الإعلان دعائي يخضع لقانون كلي ترتبه الماركسية لقوانين الإمتلاك الفعلي للسلطة وهي إذ ترتب القانون من الناحية الدعائية تعمل بمقتضى الموقف السياسي لمفهومها العام للسلطة على ترسيخ المبدأ وجعله مصدر إلهام يتوافق مع النظرية السلوكية السياسية .

فمسألة رفع الإحتكارات وإلغاء الملكيات الرأسمالية يخضع لتجربة سيادية عامة تبررها قوانين تشترك في عملية الإعداد لما بعد الاستلام السلطوي فمرحلة الإمتلاك المطلق للثروة هي المرحلة المعينة في الماركسية لتجمع مصادر القوة بيد الدولة وتجعل المصادر الإجتماعية تسير بشكل قانوني بأتجاه تحقيق شروط المرحلة من الناحية الفعلية التي تجعل بمقتضى شرط الإمتلاك العام والقضاء على الرأسمال إنما تحول كل القيمة الفائضة فيه إلى يد الدولة وبالتالي تنتفي النظرية الماركسية بالمطالبة بالحق الضائع للعمال وتكون هي صاحبة الملكية لهذة القيمة التي تفوق في اكتسابها كل الرأسماليات الكبيرة إنَّ حالة من التناقض تنشأ تبعاً لتطبيق قانون التأميم بين المبدأ الملكيّ كحق إعتباري مطلق وبين التحويل الملكيّ لسلطة الدولة مما يعرض الجواهر الواقعية للقانون لتناقض في التطبيق يعني بين الملكية كحق عام والملكية كحق خاص والتحويل اللاموفق لجعل نفس الملكية جماعية بشرطها الدولي ثم تنتفي الملكية الجماعية وتتحول إلى ملكية دولية حسب تفسيراً قانوني لأحد رعماء الحزب .

إن نفس الحق المطلق للدولة في الملكية هو تجويز قانوني للملكية الفردية في الجوهر الحقيقي لكنه يختلف في الإسم المعني به ولكن مصداق التصور الجامع واحد وليس هو تفريق حسب النوع الجمعي ، ولكن قد تكون الماركسية قضت على الملكية الفردية على حسب الفرض ولكنها لم تقض على الفوارق في الدخل الفردي فما تزال هذه الفوارق واسعة وكبيرة في (الأتحاد السوفيتي) وما يزال الدخل الأعلى يبلغ بصاحبه منزلة أعلى ويوفر له مزيداً من القدر على الإستهلاك والإدخار ولكنه لا يكسبه قدرة مالك المصنع او الحقل على السيطرة على خدمات العمال والفلاحين ولا يخوله حق التعيين والعزل ولا يمكنه من التحكيم بحياة الاخرين أو من التسلط على عمليات الإنتاج وسياساته ولا بد ان نتساءل هنا أنَّ الماركسية قررت إلغاء الملكية كمبدأ في عقيدتها ولكن نطبيق هذا المبدأ لم يؤيدّ زوال الطبقية زوالاً تاماً وهذا يعني ان هناك خللاً في الإيديولوجيا الموجهة للمبدأ فهل هو مرتبط أيضاً بزوال الدولة ؟

ويجيب ( أنجلز) في حله للتناقض قائلاً : ( إن الإعتراف بطبيعة قوى الإنتاج الحديث الإجتماعية ، معناه القضاء على فوضى الإنتاج الجماعي وإحلال التنظيم الموزون حسب حاجات المجتمع وحاجات كل فرد من اعضائه كما معناه القضاء على التملك الرأسمالي الذي يجعل المنتوج يستعبد المنتج والمالك معاً واحلاله مكانه تملكاً يرتكز على طبيعة قوى الإنتاج الحديث ذاتها ؛ أي تملك مباشر للمنتوج من جهة أولى للأمة فيكون عندئذٍ كوسيلة لمساندة وإنما الإنتاج ومن جهة ثانية للأفراد العاملين يكون لهم وسيلة للمحافظة على وجودهم ) (1)

ولكنها إجابة قائمة على التناقض فهي لم تحل طبيعة النماء الإنتاجي الذي توفره تأميم الملكية مع ان ذلك يعتمد على الكفاءة والخبرة ، والتقنية وحاجات تشارك في طبيعة النماء وليس هي قائمة على أساس فرض محض دون تطبيق فزيادة النماء مشروطة بجدية العمل وهي مشروطة بالمؤهلات الاكتسابية التي يحصل عليها العامل وإلا أصبح الأجراء جميعاً في مرتبة واحدة وانتفى بذلك النماء الذي يوفر السعادة للأفراد .

المعلم الرابع : المبدأ القائل : من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله ــ يقول الشهيد الصدر : ويرتكز هذا المبدأ من الناحية العلمية على قوانين المادية التاريخية فإن المجتمع بعد أن يصبح طبقة واحدة ، بموجب قانون الإشتراكية الحديثة ولا تبقى طبقة عاملة وأخرى مالكة يكون من الضروري لكل فرد أن يعمل ليعيش كما أن القانون الماركسي للقيمة القائل : إن العمل هو أساس القيمة يجعل لكل عامل نصيباً من الإنتاج بالقدر الذي يتفق مع كمية عمله وهكذا يسير التوزيع على أن (من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله ) (1) وهذه القاعدة تمثل التضاد في مبني الحركة الإشتراكية وبنائها الذي يفترض الإنتفاع الجمعي من الثروة والإنتاج وهذا خلاف الواقع الإنتاجي وزيادة الإنتاج إذ الأفراد العاملين مختلفون طبيعة بالقدرة والكفاءة والعلم والجهد والتفكير ومعنى الإختلاف أن هناك ضرورات تحتم من الناحية العملية سلب التساوي في الأجور لأن التساوي معناه تحطيم الطاقات الإبداعية والدعوة إلى الركود في مجال العمل الإنتاجي الذي يقتضي إبداعاً وتفكيراً ويجر بالنهاية إلى الميل نحو أبسط الأعمال التي لا تختلف في نتيجة الأجور مع الأعمال الصعبة والكبيرة وهذا الواقع سيولد ردوداً عكسية على المسيرة الإنتاجية والإزدهار في تحسين الثروة وهذا الواقع ليس في حد الأمر الإنتاجي بل يتعداه إلى الحقل السياسي وشؤون البلاد ( واختلاف هذه الأعمال يؤدي إلى تفاوت القيم التي تخلقها تلك الأعمال ) وليست هذه الحالة من التفاوت بين الأعمال والقيم الناتجة عنها مستمدة من واقع إجتماعي معين إذ إنَّ الماركسية تعترف بأن العمل ينقسم إلى بسيط ومركب ولا ريب أن قيمة عمل ساعة شاقة تفوق عمل ساعة بسيطة لاختلاف العمل والقدرة المصروفة فيه والإنتاج المترشح عنه .

والمجتمع الإشتراكي إذ يواجه هذه المشكلة لايوجد أمامه إلا سبيلان للحل أحدهما :

أن يحتفظ بمبدأ التوزيع القائل : ( لكل حسب عمله ) فيوزع الناتج على الأفراد بدرجات مختلفة وبذلك تنشأ الفروق الطبقية مرة أخرى ، فيمني المجتمع الإشتراكي بالتركيب الطبقي بأسلوب جديد والآخر : ان يستعير المجتمع الإشتراكي من الرأسمالي طريقته في اقتطاع القيمة الفائضة على رأي (ماركس ) فيساوي بين جميع الأفراد في الأجور ، وللنظرية والتطبيق اتجاهان مختلفان في حل هذه المشكلة (1) .

فالتطبيق مال إلى استخدام السبيل الأول ولذلك تفاوت الدخل النسبي  بين العمال وهذه الحالة الطبيعية لا يمكن للمجتمع الإشتراكي تجاوزها إذ ليس من المعقول ان تتساوى أجور العلماء والسياسيين والقادة العسكريين مع أبسط العمال لأنَّ ذلك التساوي سيجر إلى تهافت نحو العمل بأبسط الوظائف ما دامت القيمة هي واحدة وهذا الوضع سيسجل عجزاً في عملية التطور الذي تقره مبادئ الديالكتيك .

ولهذا نشأت في ظل الإشتراكية التفاوتات الطبقية  وفقاً لطبيعتها السياسية فأنشأت البوليس السري وسخرت له الأموال الطائلة بهدف تعزيز سلطتها الديكتاتورية وبذلك تكون النظرية الماركسية عاجزة عن حل التناقض في طريقها بالممارسة التطبيقية لواقع الطبيعة السياسية ولهذا كانت النتيجة واحدة بعدما أصبح التفاوت يأخذ شكلاً جديداً وبمنهج عقائدي خاص .

وأما النظرية : فالإتجاه الذي مالت إليه في حل المشكلة فهو ما أشارت إليه عبارة (أنجلز) في رده على (دوهرنك) إذ كتب ما يلي :

(كيف سنحل إذن دفع اعلى الأجور عن العمل المركب وهي مسألة هامة برمتها ؟ يدفع الأفراد أو عائلاتهم في مجتمع المنتجين الخاصين تكاليف تدريب العامل الكفوء لذا فإن الثمن العالي الذي يدفع عن القوة العاملة الكفؤة ناجم عن الأفراد أنفسهم فالرفيق الماهر يباع بثمن عال وكاسب الأجر الماهر تدفع له اجور عالية أن المجتمع إذ يكون منظماً تنظيماً إشتراكياً فإنه هو الذي يتحمل هذه التكاليف فإليه إذن تعود ثمراتها وهي القيم العالية التي ينتجها العمل المركب ولا تكون زيادة الأجور مطلباً من مطالب العامل )

ويقول الشهيد الصدر :  وهذا الحل النظري للمشكلة الذي يقدمه (أنجلز) يفترض أن القيم العالية التي يمتاز به العمل المركب عن العمل البسيط تعادل تكاليف العامل الكفوء على العمل المركب ، ففي المجتمع الإشتراكي فالدولة هي التي تنفق على تدريبه ...

أضف إلى ذلك أن (أنجلز) لم يضع معالجته للمشكلة في صيغة دقيقة تتفق مع الأسس العلمية المزعومة في الإقتصاد الماركسي فقد غاب عن ذهن (انجلز) أن السلعة التي نتجها العامل الفني المدرب لايدخل في قيمتها ثمن تدريبه وأجور دراسته وإنما يحدد قيمتها كمية العمل المتفقه على انتاجها فعلاً مع كمية العمل التي انفقها العامل خلال الدراسة والتدريب وشئ آخر فإن (أنجلز) أيضاً هو أن تعقيد العمل لاينشأ دائماً من التدريب بل قد يحصل بسبب مواهب طبيعية في العامل تجعله ينتج في ساعة من العمل ما لا ينتج اجتماعياً إلا خلال ساعتين ... وهكذا يتلخص : أن الحكومة في المرحلة الإشتراكية الماركسية لا محيد لها عن احد امرين : فأما ان تطبيق النظرية كما يفرضه القانون الماركسي للقيمة فتوزع على كل حسب عمله فتخلق بذرة التناقض الطبقي من جديد واما ان تنحرف عن النظرية في مجال التطبيق وتتساوى بين العمل البسيط والمركب والعامل الإعتيادي والموهوب وتكون قد اقتطعت من العامل الموهوب القيمة الفائضة التي يتفوق بها عن العمل البسيط كما كان يصنع الرأسمالي تماماً في حساب المادية التاريخية ... ) للمزيد راجع كتاب أقتصادنا ص 243