د مبدأ الملكية سياسياً :  

 ذهب كل نظام إلى نوع خاص من الملكية يتفرع من نظرية الحكم في النظام ولايختلف إثنان أن الأنظمة الحكومية مختلفة في المبادئ والإيديولوجيا والعقائد مما يجّر هذا الإخالاف إلى الإختلاف في المذهب والمنهج والسلوك وتحدد هذا الإختلاف النظرية الدستورية لذات النظام ، وإذا كانت السياسة هي علاقة يومية قائمة بين الأفراد والجماعة من جهة والحكومة من جهة اخرى فلا ريب أن هذا التعريف بالسياسة قائم على نفس الأداة للأنظمة القائمة على أيديولوجيا رأسمالية أو ماركسية ، أما ما يخص السياسة في العقيدة الإلهية فهي تعبير عن روح الإندماج بين الجماعة والحكومة والعكس بالعكس وهذا المفهوم له تعبير مصداقي لواقع العقيدة من حيث النظرية والتطبيق . إن أول ما يتبادر إلى الذهن حول الملكية هو أنَّ هناك نظاماً تشريعياً تسّنه الدولة لنوع المكلية على أقسامها الثلاثة وهو الذي يبين في جانب آخر أصل العلاقة الملكية وطرق انتقالها والحاجات التدبيرية كشروط ولوازم تعين الواجبات تجاه الأطراف في الأقسام الثلاث مع تحديد نوع الرقابة على نفس الملكية قانونياً بحيث يصبح التشريع مرتبة مميزة في التملك ومبدأ أتساعاً للمجموع وللدولة مما ينزع بعض الذي يجهل مالكه إلى الدولة بحيث تكون هي بمثابة الولاية العامة التي تتصف بامتلاكها للحق المجهول وهذا الإمتياز قطعاً يرتب تشريعياً ،

لقد اختلف الفقهاء القانونيون في إيجاد أصل لهذه المسألة وإذا كانت تابعة جدلاً للقانون الطبيعي ، فهل لها من مجوز يعطيها ذاك الحق بصيغة شرعية ؟

وهذا الاختلاف عند القانونيين ناشئ من مبدأ الملكية ذاته ولقد اتجه بعض المفسرين للقانون إلى نزعة كون المبدأ العام للملكية هو حق مشاع ومتى ما أصبح هذا الحق من حيث الأولوية تابعاً للملكية اليد فإن نفس الملكية تنتقل إلى صاحب اليد ، وإن كان التفسير يراعي جزءاً من المشكلة إلا انه لم يستطع تفسير نفس علاقة اليد بالملكية ويمكن حمل هذا التفسير على بداية الخاق .

إن العلاقة بين الملكيات الثلاث  اختلف السياسيون في النظر إليها فمنهم من أطرها بالمبدأ الفردي وجماعة مالوا إلى الرأي الجماعي في الملكية وثالث رأي أن هناك قيد الإشتراك بين الدولة والجماعة والدولة والفرد وهذا التشارك مقيد بصلاحية الدولة لكنه لم يشر إلى صلاحيات الدولة من الناحية الدستورية وهل هي قائمة على حق الانتزاع الجبري ؟ أم إنها قائمة على حق الولاية على المجموع ؟

أما الأول فباطل لأنه يحمل حرفية إلغاء القانون الطبيعي لمبدأ الملكية ولأن نفس افتراض الحق قائم على الإنتزاع الجبري الإكراهي وهذا شرط  لا تعلله قوانين الملكية بل تعتقد به السلطات المحافظة ويمكن أن يكون كحق إلزامي إذا ما اعتبرت الدولة قائمة تشريعياً على المبدأ السياسي المحافظ وقطعاً سيجر المبدأ الملكي إلى حق تشريعي يعضده نفي المبدأ السياسي ومن هذا الإعتبار كان البطلان هو الجاري في أمر الإنتزاع وقيمومة الحق الجبري ، أما الثاني : فله تعليلان :

 الأول : يرتبط بنفس الولاية وهل هي ولاية خاصة ؟ او دستورية قانونية تخضع للتشريعات الدستورية الجارية في الدول الديمقراطية ؟ ام أنها ولاية إلهية مطلقة ؟ وإذا اعتبرت إلهية فيحق أن يكون لمبدأ التشارك صيغته التشريعية الإجتماعية القائمة على نفس الإعتبار المطلق في كون الولاية تنصيب من العالم الخارجي الذي له الأمر والحكم وإذا أصبح هذا القطع اطلاقاً ولائياً فينتفي شرط التحديد لمدى التشارك في المبدأ الملكي .

الثاني : يرتبط بالعلاقة الدستورية بالولاية وبالتشارك القائم بين الدولة والجماعة والأفراد الذي يرتب أثراً تشريعياً على مبدأ المشاركة واعتباره جارياً في الموارد الثلاث وليس داخلاً ضمن المعادلة المقيدة بشرط التشارك إذ إنها تصبح داخلة جدلاً بنفس الحق التشريعي الدستوري ولا تكون خارجة عنه أو داخلة في اعتبارات شرطية لمبدأ الملكية والتشارك .

وعليه يكون نقل المبدأ الملكي إلى التشارك نقلاً دستورياً تشريعياً له قانونه المميز ولا تصبح العلاقة مركبة من التقييد وشرط التشارك .

أما الولاية الخاصة فإنها تعتبر رديفاً لحق التشارك التشريعي للقيد بشروط دستورية خاصة لايجوز تجاوزها . ولهذا فلا بد من توافق بين شكل الدولة وشكل الملكية ولهذا التوافق أسباب كثيرة أهمها أن شكل الملكية يقرر شكل التنظيم الإجتماعي ويكاد هذا التقرير يبلغ درجة وظيفة إجتماعية تنظيمية تحدد الملكية بواسطتها بعض العلاقات الأولية بين أنسان وآخر وتضع في منازل معينة بين التبعية والقدرة وتبين لهم حدود الفرص المتاحة والأعمال المتيسرة في مجتمعهم وتدور معظم فعاليات المجتمع حول نشاطاته الاقتصادية وتتأثر بها ويتأثر نظام العلاقات الذي تقوم عليه هذه النشاطات بالنظام الذي تقوم عليه حقوق الملكية ويعني هذا أن النظام الذي تحافظ عليه الدولة رهين بالقواعد السائدة لتوزيع الملكية ولم يتضح هذا الوضع لبعض الفلاسفة الذين غالوا في ربط الملكية بالعلاقة الشخصية ونظروا إليها من الزاوية الفردية ولعل أصل النظرية الفردية للملكية كانت عند الفلاسفة المثاليين الذين قامت فلسفتهم على الدعوة لإخضاع الذات للكل الجماعي فتجاهلوا دعوتهم هذه في بحثهم للملكية وطغى على تفكيرهم كما طغى على تفكير (أرسطو) الإعتبار التوزيعي للعدالة الذي يقضي بإيتاء كل ذي حق حقه ، وطغت عليهم سذاجة (هيجل ) الذي رأى الملكية أمتداد للشخصية واعتبرها شرطاً إلزامياً لتتحقق الملكية شخصياً ، ولكن (هيجل) لم يوضح أوفاته الإلتفات إلى أن الملكية كما هي حق شخصي  كذلك هي حق جماعي ولعل شرط إستمرارية ملكية  الفرد جزء من واقعية الملكيات الأخرى لتبادل الحق الملكي ولا طغيان شخصي قبال الحق الجماعي أي أنه ليس من الإعتبار المنطقي جعل الملكية حقاً شخصياً أو حقاً جماعياً محضاً فإنه سيعوط للضرر على نفس الملكية ، إن الإعتبار القائل بأن الملكية حق شخصي قامت الحكومات لأجله أمر غاية في السذاجة وقد تهافت فلاسفة في هذا المجال فكان (جون لوك) الذي صرح بأن الناس أقاموا الحكومات لصون الملكية ولم يكن يعلم ان الملكية هي حق للناس لأصل مبدأ الوجود العام الذي ينشأ عنه تفكير بالإمتلاك العام يتفرع منه الإعتبار المفهومي للوجود فلسفياً وليس الوجود أثراً لنفس الإمتلاك أو انه مساوٍ له فذلك يعطي للإمتلاك حقاً الوجود المسبق لحق الوجود السابق وهذا تناقض بين العلة والمعلول ومبدأ التناقض مع فقدان دليل لثبوت المعلول وتقدمه على العلة الذي لم يثبته (لوك) فلسفياً او حسب نظريته التي عززها ببراهين غير صحيحة وغير واقعية عن الملكية الشخصية وأثرها في قيام النظام الحكومي لتعزيز المبدأ الملكي ولا بأس أن نستعرض جوانب من نظرية (لوك) :

إن لوك ضمَّن النظرية فكرين :

الأولى : راجعة إلى (حال الطبيعة) حين كان العالم كما خلقهالله مستودعاً  مليئاً بموجودات لا مالك لها ، التي سماها الفقهاء الرومان (الأشياء التي لا تخص أحداً وسيأتي البحث في هذه النقطة مفصلاً ـ وقد ضرب لوك مثلاً في الماء  الذي يفترض فيه أن يكون من نصيب الجميع لا أن يكون خاصاً لفرد ، وعلى احتمال أنَّ المثل ينطبق على الأشياء المباحة والمملوكة من قبل الجميع فلا أرى لكي يعتبر ( بلاكستن) القانوني الشهير الذي قال بأنَّ الناس يصيرون مالكي الآراضي المشاعة ، ولكنه لم يرد دليل قانوني على أنَّ الأرض المشاعة مملوكة للجميع مع اعتبار أنَّ الملكية العامة تقع تحت شرائط لايحددها مجرد المشاعة إذ المشاعية لا تولد قانوناً كلياً في المبدأ الملكي ولا تشرع قانوناً دولياً في حق الملكية إذ إنَّ ذلك راجع إلى السّيادة الوطنية وحق الإستغلال الملكي من قبل الناس ،

بل وحق التصرف  الملكية إذ تثبت المشاعية قانونياً أو حصلت لها على تجويزي دستوري يقضي بحق الإمتلاك ولا يصح أن يكون الإنسان مالكاً لمن لا مُلك له بما يضعه فيه من عمله ــ فالأرض التي يحرثها ويزرعها ويحسنها ويتعهدها تصبح ملكاً له لأنه حولها بجهده من ملكية مشاعة إلى ملكية فردية ــ إن مجرد كون الأرض مشاعة الملكية من دون استصلاح لا يعطي الحق بامتلاكها الفردي إلا بشروط تحددها الهيئة التشريعية ولا أرى انَّ الحق مطلق التصرف بل هو خاص للهيئة التشريعية الدينية التي ترى أنَّ هناك مصلحة في تملك الأرض لإعمارها من قبل الأفراد وهذا الشرط ليس شرطاً أدبياً فحسب بل هو شرط شرعي يرتب أثار الملكية والمنافع العائدة عليها ولا يعتقد أنَّ التصور الملكي للنظرية دائرة في المعرفة  الأوتوبية لأن الواقع الاجتماعي الذي نتكلم فيه يرتب آثار الملكية الواراثية التي تنتقل بالنسب والسبب وضمن شروط حددها فقهاء الشريعة والقانون .

إنَّ نظرية (لوك) لايحق اعتبارها جارية في جميع الأوضاع الأجتماعية السياسية وحتى لو سلمنا بثبوتها حسب آراء علماء الانتربولوجيا فإنه لا يصح إثباتها في كل الأزمان للاختلاف الموضوعي بين القضية والآثار المكتسبة الداخلة في نفس المبدأ الملكي .  

الثانية : راجعة إلى(حال الوجود ) وهي مرتبطة بالأولى حسب النتيجة التي تنتجها من العلاقة بين الوجود الطبيعي والحال الطبيعي فالملكية تنشأ بنفس الإعتبار ، الطبيعي للوجود وذلك مبدأ لتثبيت الملكية من الناحية الفعلية بالإكتساب الطبيعي لا أصل الوجود إذ تقرر وجوداً طبيعياً يكتسب الحق الملكي على الوجود ويجعل من الوجود مبدأ لاكتساب الملكية بالحال التطبيقي فالوجود على أرض صالحة للزراعة وبالقرب من الماء مع كون الوجود مقترنً بالتفكير في الملكية  يرتب أثر الإمتلاك بنفس حق الوجود السابق على الأرض وهذا الإعتبار بمثابة الحق الطبيعي للملكية ولكن هذه الملكية حسب ما ادعاه علماء الانتربولوجيا قائمة خلال عهد الوجود النسبي وتعدد موارد الوجود واختفاء حالة التنازع ، ولذا أصبحت النظرية منتفية لشرطها الخاص بالوجود بعد قيام الاليغاركية وهي بمثابة تحديد للحال الوجودي وأثره في الملكية العامة والملكية الخاصة مع ترتيب آثار الملكية جغرافياً وعلى اتساع نفس الوجود شرط عدم التزاحم ودليل ثبوت ذلك بالآثار الاكتسابية المتعلقة بالحقوق الملكية الآخرى ، المكتسبة من الحال الطبيعي والممتنعة بأثر الحال الوجودي .

إن نظرية (لوك ) فيها موارد صحيحة من وجهة نظر كون الحال الطبيعي مسماة من الله سبحانه وتعالى وهذا يرتب العلاقة الملكية حسب نوع الشرط الأصلي للمبدأ أو الشرط الإكتسابي والإضافي ، فهذا هو عين تعلق الملكية بشروط التعمير والإصلاح الذي يكسبها حق الملكية الفردية ، على ان تكون الطبيعة مشاعة شرط تحقق اليد الولائية التي تؤكد الفعل من ناحيته الإلزامية ولا تعتقد بشرط متعلق بالإكتساب الضمني لذات اليد ، لأنه إذا أصبح الشرط متعلقاً بها فالحق يصبح انتزاعياً ويرتب أثر الإكتساب من اليد في حين يدور حول نفس الطبيعة المشاعة مع الوجود الملكي الذي يرتب أثر المبدأ الملكي شخصياً ويصبح الإعتراض ساقطاً من رأس إذ الأصل في الأشياء حسب القاعدة ــ ملكية من لا مالك له ــ عند الإصلاح والتعمير والقاعدة ترتب النوع المشاعي لانفس المبدأ عند التملك ، والنوع المشاعي حق طبيعي ترتب آثاره تبعاً لنفس الحق الوجودي الذي يجعل من الحق الطبيعي ملكاً فردياً ، وبالتالي فلا تعارض على الحق اكتسابياً من طرف الوراثة ، لأن الوراثة ستصبح بالفعل مالكة لنفس الحق وتبعاً لمبدأ القانون الملكي الأول إذ لا يعقل حريانه على الوجودي الأولي فقط ، لأن الأثر المكتسب أثر قهري دستوري وشرعي وليس هو تجويز لحق إمتلاك تفترض في العامية ،

لأن العامية شرط جماعي يرتبه أثر الوجود الجماعي الشرعي لا المكتسب بالقوة والإفتراض معناه الاكتساب القهري للحق الوجودي الملكي الفردي ــ من دون وجه حق ــ وإذا أصبح التعليل واضحاً تكون النظرية موافية للمطلب بشرط المشاعية الذي يتبعها الإصلاح وتنتقل المشاعية إلى ملك شخصي تبعاً لإرادة التحصيل الأصلاحي الذي هو شرط ثبوت المبدأ من الناحية الفعلية ، ولقد أفتى الفقهاء وعلماء القانون بهذا تبعاً للمقدمات المطلقة الكلية التي تتعلق بنفس الحق المشاع والقدرة في الملكية على تحويل المشاعية إلى شخصية وهذا ليس فقط حقاً ثابتاً لتحقيق الشرط وإنما لاتصاف نفس الشرط بعلته التامة ، أما النقد الذي وجه إلى القلاسفة المثاليين هو الإغراق في كون الحق الشخصي الملكي حق تثبته شرطية الوجود ، لأن شرط الوجود شرط متقدم للملكية ، يثبت المبدأ الملكي من الناحية الفعلية أما كون الوجود جماعياً فالملكية لا تتعلق بنفس الوجود الجماعي وإنما تتعلق بالشرط الإصلاحي للوجود المشاع ، الذي يرتب الحق حسب نفس الشرط الإصلاحي لا الشرط الوجودي الجماعي لأن ذلك تجاوز على الحق المصروف تجاه الإصلاح من قبل البعض وتحويله للحق الإجتماعي دون تبرير عقلي عدا شرط الوجود الذي لا يتجاوز ان يكون شرطاً متعلقاً بمشروطه الملكي وليس بذات المبدأ .

ولهذا تعتبر نظرية (لوك) صحيحة بحد ثبوتها اعتبارياً لأنها تعلق الحق أطلاقياً بنفس ثبوته على الخاصة وتحقق هذا الثبوت من الناحية الإجتماعية بل إن إقرار العقلاء جار على هذا الاعتبار ، وتعليلاتهم في ذلك أشبه ما تكون من البديهيات المسلمة التي لا تقبل النقض ، وأما الحق المشترك فحق يتعلق بالوجود الطبيعي بذات المبدأ الملكي وإذا كان التشارك فهو تشارك لا بأصل الملكية وإنما بمتعلقات الملكية كحق الإنتفاع والإستثمار وهي أيضاً لا تجري قانونياً إلا بتجويز من المالك الرئيسي أو بالحق المطلق الذي يعلق المنعة بالضرر الإجتماعي عند ذلك يكون التدخل ولائياً لأنه شرط لأنتفاء الضرر والحيف من على الجماعة ولكنه تدخل مشروط بالتفريع السابق ولا يدخل في الحق الملكي .