3 الحكم الحزبي الجمهوري :

كان (ماكيفر ) أكثر الكتاب تصريحاً حول كون الديكتاتورية ليست ذات طابع سياسي حاكم خاص ، بل إن كل نهج سياسي يغلب الإرادة الخاصة هو ديكتاتورية معلنة سواء أكان الدستور ماكياً ام جمهورياً ، لأن الديكتاتورية هي ذات السلطة السيادية التي تحول القدرات إلى حاجات محترفة في طريق تنفيذ الإرادة السيادية الخاصة ولقد اعتبرت على مدار البحث نزعة لا إنسانية إذ إنها الغاية القصوى للإنسان ضمن النظام الذي يرتئيه في مصلحته العامة الدنيوية وأيضاً ينفي الغاية القصوى المطلقة للإنسان أي المصلحة العامة السامية الأبدية ، وتحول الغايات الأخرى إلى صور متعلقة بذات السيادة إنَّ المنهج الديكتاتوري قائم بحد ذاته على انتهاك صريح للسلوك الإنساني الذي يستند عليه الواقع البشري فالإستخدام اللامشروع الإستخبارات والبوليس السري وسائل لا مشروعة في ممارسة الحاكم لقبول الجماعة على تصرفاته سياسياً . إن الحزب وكما قلنا في حينه ظاهرة إيجابية إذا كان الكسب اللسياسي الخاص معارضة للإرادة الجماعية ولا يعتقد ان العمل السياسي الحزبي تحدده القواعد الفكرية لذات الحزب إذ إنها لا ترسم له إلا الخطوط العريضة في الأطروحة النظرية وليست هي بمثابة العقل الجامع للإرادات في واقع التطبيق ، لأن الممارسة الحكومية إذا كانت هدفاً ودفاعاً سياسياً مُقدماَ في الاعتبار الحزبي فلا يعقل أن يكون التطبيق ــ إيجابياً مع الإرادة العامة واتجاهها المصلحي الشعبي فهذا سيكون برهاناً عقلياً على أن الإرادة الحاكمة مقدمة في التطبيق على الهدف السياسي المقدم وذلك خلاف الواقع ولقد كان (هنري برجسون) يؤكد على أن تلاقي الإرادات دليل على وعي الحزب للتطبيق نظرياً وقبل الممارسة ، وهذا يحتاج في اثباته إلى فلسفة عقلية تكون حجة في مجال الجمع بين للإرادات ،

لأن تجربة النموذج الفاشي والنازي أثبتت على وجه الدقة خطأ النظرية القائلة باحتمال انطباق دستوري بين النظرية قبل الممارسة وحال التطبيق ، فلقد كان (موسوليني) شخصية سياسية مغامرة استفاد كثيراً في إثارة النزعة القومية تجاه المد الشيوعي وعمل على أن يكون حزبه اليد القوية في محاربة الشيوعية ولم يكن (هتلر) الزعيم المتعصب وصل لزعامة الرايخ بوسائل تطمح لإعادة بناء المانيا ومواجهة الشيوعية ، إن أهداف الرجلين كانتا مشتركة من الناحية الفعلية إذ استطاعا بمهارة فائقة لتحويل اليأس الذي أصاب المواطنين بعد الحرب إلى عامل التفاف وتأييد لهما ، وإذا كان كلا منهما يهدف إلى تحقيق غاية خاصة فهما ولا ريب مارسا أسلوبين مختلفين في عملية إدارة الصراع وتحويل مركز القيادة إلى ظل لهما ولهذا نجحا في كسر الجمود الشعبي وتحويل السلطة بعد عمليات تطهيرية قام بها حزبهما إلى إلغاء دور البرلمانات وجعلها خاضعة لتنفيذ الإرادة الخاصة لهما وقد جمعا في ذلك أسلوبين في التعامل أحدهما المطاردات اليومية للخصوم عبر جهازي الأمن والاستخبارات ،

والآخر استخدام البطش والعنف العسكري مما يوحي لدى الغير حالة من ردود فعل سلبية تجاه أي تحرك من شأنه أن يضر بالمصلحة القيادية ( إن الديكتاتورية الفاشية هي ديكتاتورية شخصية وطابعها الشخصي ظاهر في خلوها من أية فلسفة إيجابية واضحة المعالم ... ونظامها الحزبي قائم على المصالح لا المبادئ ) .

هذا ماقاله (ماكيفر) الذي أوضح جزءاً كبيراً من غوامض الحزب الفاشي الذي جعل الحزب أداة الدولة وحمل السلطة التشريعية على إصدار قانون يعطي المراسيم التنفيذية مفعول القوانين التشريعية ، ونظم الحزب تنظيماً تسلسلياً قاعدته زعامة الحزب المحلية وذوروته المجلس الفاشي الأعلى ، وجعل نظام الحكم نظاماً شخصياً ، وقيد أعظاء الحزب بيمين الطاعة المطلقة لأوامر الزعيم وانتشر تلقين منظمات الشباب مبادئ الطاعة للنظام الفاشي والولاء لشخص الزعيم ، وشكل جيشاً خاصاً من فرق القمصان السوداء ترتبط به وتعمل على خدمته (1) .

أما زعماء الحزب فيجتمعون حول المصالح أو حول شخصية (الدوتشي ) . أما الديكتاتورية النازية فلا أحد ينكر أنها أكفأ مقدرة في استيعاب الجماهير وتحويلها لصالح الحزب النازي ومحور الشخصية في الحزب (هتلر) الذي أصبح أسمه رمزاً لتحية الألمان فيما بينهم (وكانت احتفالات ــ نورمبرج ـــ التي ينظمها الحزب النازي  أشبه بمراسم عبادة (للفوهرر) ، وإذا كان (هتلر) بكل ما يحمل من روح عدوانية وانتقام وصوفية وبساطة وبربرية ما كان جاهلاً حينما انتخب للنازية في أول انطلاقها إسم (حزب العمال الألمان الوطني الإشتراكي ) الذي كان يقصد من خلال هذه التسمية استعمال الشعارات الديمقراطية في عملية جر للجماهير للإنظواء تحت ألوية الحزب في البداية ، ولما تسلمت النازية الحكم أخذت تتفنن في تلقين أيديولوجيتها الخاصة وأخذت تحتكر الرأي واعتبرت الرأي هو ما تقوله هي وما دونه العام والخاص فهو بمنزلة العدم وعهد في ذلك إلى جهاز دعائي قام (جوبلر) برئاسته الذي ما فتئ يستخدم الأساليب النفسية في حمل الناس على القبول اللامشروط والقضاء على مبدأ الرأي الحر ، يسانده في المجال جهاز بوليسي ضخم عهد لمسؤوليته إلى (هملر) الذي كان فناناً في استخدام وسائل التعذيب في المعتقلات الرهيبة التي بناها خصيصاً لهذا الغرض .

إن الايديولوجية النازية أشبه ما تكون بالمنهج العشائري الألماني ، وبالتالي فقد ساد عصر من الظلام  الديكتاتوري على دول (ايطاليا والمانيا) كانتا تمارس الدكتاتورية كفنٍ للسلوك لسياسي الخاص والذي يدفع بأكبر عدد إلى المحرقة لتثبيت الإرادة الحزبية الخاصة وبالذات إرادة زعيم الحزب وهذا الشكل من الديكتاتورية أمر مألوف في عصرنا الحاضر في دول العالم الثالث وامريكا اللاتينية مثل (العراق وشيلي ) وغيرها . أما ديكتاتورية البروليتاريا وهي عنوان أول لفلسفة ديالكتيك تطور وسائل الانتاج والتطور التاريخي للمادة فهي شئ آخر تماماً يتصف بالشكل العقائدي القائم على ركائز فلسفية وتفسيرات لظاهرتي البرجوازية والبروليتاريا ومنطلق هذه الديكتاتورية هو منطلق ثوري عقائدي ماركسي ولذلك ما إن تسلم أبطال الثورة الحكم حتى أعلنوا نظامهم الجديد القائم على العقيدة الماركسية والذي تبنيه ديكتاتورية في الواقع ديكتاتورية لينين وانصاره وديكتاتورية الحزب الشيوعي .

إن ما قام به (لينين) من تصفيات ومحاكمات لكل من خالفه الرأي أو خالف خططه الخمسية في الانتاج عززت الموقف الشيوعي وديكتاتوريتة مما فسحت المجال (لستالين) أن يمارس قبضته الحديدية تحت ظل نجاحات حققها عهد (لينين) ، أنتهت مقولة اضمحلال الدولة وجاء التركيز على الدولة القومية الذي ساعد هذا على نجاح باهر في الحرب ضد النازيين لعدم قدرة الشيوعية على استيعاب العالمية في نهجها العقائدي ، مما ولد تناقضاً حاداً بين اسطورة الحكم الايديولوجي وبين السياسة الديكتاتورية المتبعة ، الذي امتد فشمل اجزاء ومرافق حيوية كبير ، ولكن الماركسية لم تعلن عن عجز في تطبيقها للايديولوجية الماركسية القائلة بنهاية عهد ديكتورية البروليتاريا التي تعتبرها الماركسية ديكتاتورية مؤقتة في حين تركز النشاطات الاقتصادية والثقافية تركيزاً كبيراً يدعوا إلى توطيد السلطة الديكتاتورية .

إن التناقض بين العقيدة الماركسية والواقع في جوانب كثيرة من النظام السوفياتي سجل (ماكيفر) بعض الملاحظات نوجز بعضاً منها تضميناً للفائدة  :

أ تعلن العقيدة حكم الشعب ولكن الواقع هو أن الحكم للحزب ومراجعة بسيطة لما جاء في دستور 1936 يعلن عن مدى التناقض الكبير بين الواقع والعقيدة .

ب وتبشر العقيدة بزوال الطبقية ولكن موجودة من خلال التصنيفات المهنية وهي موجودة من خلال هرم القدرة على أشد مما كانت عليه في ظل النظام القيصري .

ح وتنادي العقيدة بحرية الصحافة وحرية الثقافة ولكن السلطة تطبق التدابير التي تعتمدها جميع الديكتاتوريات الحديثة لمراقبة وسائل التعبير عن الرأي واحتكار الدعاية وتستعمل في هذا السبيل البولس السري والجاسوسية والإعتقال .

د ويتضمن الدستور حرية الاعتقاد الديني ولكن الواقع هو أن مراكز العبادة خاضعة خضوعاً تامة لارادة الدولة . فقد نصت المادة 124 من القانون الدستوري السوفيتي ما يلي : لكيما تكفل للمواطنين حرية المعتقد تفصل الكنيسة في الاتحاد السوفيتي عن الدولة والمدرسة عن الكنيسة .

هـ - والعقيدة الماركسية عالمية النزعة ، ولكن النزعة العالمية في حالة أفول في الاتحاد السوفياتي . إن كل هذا التناقض هو في الحقيقة تناقض أساسي بين الأيديولوجيا من حيث هي والدولة من هي .