ج الديكتاتورية

توطئة : كتب ( ماكيفر) بحثاً قيماً حول الديكتاتورية وقال : إنها تباعد ما بين الدولة والجماعة بقدر ما تقرب الديمقراطية بينهما ، ولقد أصاب حينما حدد صورة التباعد بين هيكلية الدولة الحاكمة والجماعة المحكومة ، ولا يعقل أنَّ الديكتاتورية هي نزعة تولدها ظروف معينة وحاجات سياسية خاصة .

إن القانون والضبط الإداري أمر غاية في الإهتمام ولكنه لا ينتج من الإيحاء الفردي والتفسير الخاص ففلسفة التنظيم تدعوا إلى حالة من الانضباط والعمل التسلسلي الذي يجمع من القاعدة والقيادة وهذه الحالة لا تستوجب كثيراً من الصرامة والشدة بل تتطلب مزيداً من الوعي والإرادة ومتى تصادم المنهجان على أسبقية التطبيق فلا ريب أن الغلبة ستحددها حاجات زمنية تقرر على المذهب السلوكي لكلا المنهجين .

ولا يعتقد أن مجرد التنافس يولد روح التصادم فذلك ما يحتاج إلى فلسفة ثبوتية قادرة في اتمام الحجة حسب المذهب الاستقرائي لحالات عامة في الوسط الإجتماعي وخاصة في الوسط التنظيمي والميل سيولوجياً نحو الوسط التنظيمي نزعة تحددها الإرداة في الحركة والقدرة ضمن أساليب العمل المتبع دستورياً في عملية الانضواء تحت الراية المعينة والمنهج الحركي في تحويل نفس المنهج إلى أداة في سبيل ايضاح فلسفة جمع الارادات وتحويلها بالدمج القهري إلى قبول إلزامي في الصياغة القانونية أثناء التشريع او من خلال التنفيذ . والقبول صيغة لا تعبأ بالاعتبارات التقليدية الاجتماعية ، إنما يرى أن الالزام بذاته هو قاعدة دستورية شرعية للدمج القهري الدال على قبول إكراهي ، وهذا ما تعنيه الديكتاتورية ــ وهذا التجاهل للإعتبارات إنما هو تجاهل لذات الجماعة التي تشترك في الرأي عند صياغة القانون الدستوري الذي يضمن على وجه ما حقوقاً إعتبارية إجتماعية ، لكن الديكتاتورية هي نسف للإطار النظامي السائد في المجتمع ، أي تجاوز من الحكومة على كل نظم وإرادات جماهيرية واسعة فهي لا تبالي بإعطاء البرهان  عن التجاوز للشرعية الإجتماعية  أو القانونية لتصرفاتها المعلنة التي تنكر الفلك الأجتماعي القائم وعلى أسسه البنائية وتحل محله تعريفها التعسفي لمفهوم الحق من الجبرية والإكراه وحالات من الإنصياع الصارم للإرداة الحاكمة .

إن حالة الإيمان بالمبادئ صيغة تعبر عن انزجار واضح لتعريف المبادئ في منهجها السياسي وعلى وجه الدقة في ممارستها  للغة الضبط  التعسفي للحكومة ، أن علماء الاجتماع السياسي دأبوا على تحديد الجو الذي تنشأ فيه الديكتاتورية في المجتمعات :

1 -   حالة الفوضى وتهالك القيم التقليدية وظهور حالات التنازع  والتهافت اللامسؤول تجاه النظام القائم مما يولد حالة من البؤس والانزعاج لدى العامة نفسياً تجاه الأوضاع السائدة ومما يهيئ أرضية لدى الناس في قبولهم بالرجل القوي المنقذ الذي يعدهم بكثير من الأمن والنظام والإنسجام والعدالة .

2 حالة التردد المعلن في اتخاذ القرار الحاسم في مواجهة الازمات من النظام الحاكم مما يسقطه لباس الشرعية ويوحي للجميع بالتغاضي عن كثير من الإستنتاجات والإحتمالات حقلاً للتناقض الذي تحسمه قيادة الفرد القاهر .

إن أمراً كهذا له على تتابع الأحداث السياسية الساخنة في التاريخ الكثير من الشواهد :

فحالات الدولة اليونانية والرومية والفارسية والمماليك عاشت في فترات حكم طبقي وراثي اكتسابي عزز الحالة الديكتاتورية وجعلها بمستوى الممارسة الإيجابية للسلطة في حالات التشرذم تلك ، لقد كانت الفلسفة اليونانية شاهدة في كثير من استقراءاتها المسجلة تقرر الدور بين الطموح الشعبي في حال المنازعة والواقع الاجتماعي في ظل الحكم الديكتاتوري . ولقد اتخذت الكلمة معاني ومفاهيم ترتبط احياناً بالنظام القائم على الفردية الملكية واخرى على المنهج السياسي الحزبي الجمهوري وتارة تاخذ مفهوم التبرير العقائدي الماركسي ولقد مال كل طرف إلى إبداء وجهات نظر تعزز الإتجاه الذي تعنيه الكلمة في الحكومة ، وهي وجهات سياسية تسجل مدى العجز في الممارسة الحرة للحكومة تجاه الجماعة ومهما كانت السبل في منهجية الأطراف ستبقى هذه السبل تعبر عن واقع عرضي ترسمه الممارسة داخل النظام . ولا نود هنا ان نسجل تاريخياً عن مدى الممارسة الواقعية للمنهج التعسفي الديكتاتوري في الحكم ولكننا نقول إنَّ الديمقراطية وأصحابها عجزوا عن رفع حالة التبكيت والمعاناة العامة للجماعة وظل المنهج الديكتاتوري هو الحاكم الفعلي في مجتمعاتنا الحديثة وعلى امتداد الأرض .

1 الحكم الملكي :   

إن التاريخ السياسي حافل بكثير من الصفحات التي تحكي قصة الإستبداد والتعسف في ظل الأحكام الملكية التي سادت في عصور متعددة من التاريخ ، كانت الدول التي تعاني من الديكتاتورية تفتقد إلى الدستور وكان القانون هو إرادة الحاكم الملك الذي يأتي تعيينه في منصبه إما عن طريق القوة أو الوراثة الذي يعتبر ممارسة السلطة عبر هذا الحق الإنتصابي أمراً مخالفاً للقانون وإن كان مصدر القانون في ظل الممارسات التعسفية وما قبلها أموراً غاية في التهالك لفقدانها شرط ثبوتها من الناحية الفعلية .

وإن كانت روما هي مصدر كلمة الديكتاتورية فإنها ولا ريب لم تكن مصدر الملكية ولهذا اعتبرت الأنظمة مخالفة صريحة لحق الملك في التصرف الذي يقوم على مبدأ الملكية المطلقة وحق البيع والشراء في الحقوق  التي تعتبر فردية المالك ، لكنها ، وتبعاً لحق التصرف الذي تحدده إرادة الملك في الاعتبارات الدستورية والشرعية تكون حقاً مضافاً للتصرف الملكي لإطلاق عموم الحق القائم على شرط ثبوت الملكية في الجماعة .

وإذا كان (روسو) ومفكرون آخرون اعتقدوا بأن حياة الإنسانية لا تمر بفترة مظلمة إلا في العهد الملكي لأنه استبداد معلن يستخدم القانون احياناً في ممارسته لسلطاته ولا بد من سيادة الشعب لحل الأزمة الناتجة من ديكتاتورية الإرادة الخاصة .

إن الديكتاتورية الملكية كانت قديماً تسلط على الجماعة وأموالهم وتوجههم الوجهة التي ترتضيها ولذلك تحتكر جميع الأدوات المؤدية إلى تحقيق هذا الهدف سواء منها الدعائية أو الممارسات الدستورية والهيئات التشريعية ، إن حق الإغتصاب قائم على فرضية السيادة المطلقة ولا يمكن جعلها أمراً تطبيقياً إلا إذا تمت السيادة الملكية التي تستخدم الغرض في تحقيق الإثارة النفسية والعاطفية من أجل الوصول إلى الغاية والغرض .

إن أمر الإنتخاب في ظل الحكومة الديكتاتورية الملكية خاضع بالضرورة لحق تخويل الناس على السكوت وقبولهم بالأمر الانتخابي القائم على فرضية الزجّ المنظمّ لتسييد الإرادة الملكية مع حق الإحتفاظ بالجزء الأكبر للتنصيب الملكي للنواب في الهيئات التشريعية (البرلمان) إن الإحتفاظ بحق السيادة فوق القانون الإنتخابي هذا هو ما تقرره الديكتاتورية كصيغة دستورية تجمع بين الحق الخاص والحق المشاع مما توحي لكثير بأنها تمارس السلطة لتحقيق أهداف الشعب ورد ما انتزع منه عبر الحكومات ، وهذا على ما يبدو تناقض في ممارسة السلطة ، وقد اعتبر (بنيامين) هذه الخطوة تعجيلاً في الوصول الديكتاتوري مع الاحتفاظ بالقدرة الإكتسابية جماهيرياً ، وهو بذلك يعلق على فترة الإنقضاء قبيل عهد الثورة الفرنسية ، ولا نريد هنا ان نتحدث عن أطوار الحكومات الملكية عبر التاريخ فذلك ليس هدفنا وإنما نريد إلقاء الضوء كلياً على الممارسات الديكتاتورية في الحكومات الملكية ، إن الديكتاتورية التي مورست في أمريكا اللاتينية كانت أبشع صور الإستعمار في إلقاء الناس في أتون من الجحيم تحقيقاً لإرادة معينة إن ( بوليفار) لم يكن شخصية إعتيادية حينما مزج روح الإستعمار وحسب السيطرة على ثلاث دول من أمريكا اللاتينية ، إن شيئاً من الحقيقة يجب التأكيد علية هو أن الممارسات الديكتاتورية غالبة بالطبع لتركيز عامل التخلف والجهل لدى الجماعة ، فالحالة الثقافية والتعليم امور سيكولوجية في رفض النزعة الديكتاتورية لأنها لا تنسجم وواقع الإنسان وحياته المتمدنة .  

2 نظرية العقد الإجتماعي :

إن أصل الديكتاتورية هي ممارسة الملك للسيادة مطلقاً ، مما يحرم كل الشعب من حقوقه المدنية والطبيعية ، ولا ريب أن السيادة قد تستخدم في غير مجالها الصحيح ولكننا نعني بها الحق الطبيعي للكيان السياسي في الاستقلال الذاتي التام ، إو الحق الذي تتلقاه الدولة من الكيان السياسي في الإستقلال التام والسلطة العليا بالنسبة إلى الإقسام الآخرى للكيان السياسي والهيئات ذات السلطة في المجتمع السياسي أو بالنسبة إلى العلاقات الخارجية بين الدول . ولكن ماذا تعني كلمة الكيان السياسي ؟

يجب ان نميز بين الدولة والكيان السياسي فهما ليسا نوعين متباينين ولكن كلاً منهما يختلف عن الاخر كاختلاف الجزء عن الكل ــ فالكيان السياسي ــ كل ــ  بينما الدولة جزء ولكنها الجزء الأعلى من هذا الكل ، إن الكيان السياسي شئ تتطلبه الطبيعة ويحققه العقل وهو أقرب المجتمعات الدنيوية إلى الكمال إنه في مجموعة حقيقة بشرية راسخة يتجه إلى مصلحة الإنسان الملموسة أو ما يسمى بالمصلحة الهامة وهو من صنع العقل وينبثق عن جهود العقل الخفية بعد أن يتخلص من تأثير الغريزة ، وهو يوحي بنظام عقلي ولكنه ليس عقلاً بحتاً كما انَّ الإنسان ذاته ليس عقلاً بحتاً وللكيان السياسي لحمه ودمه وغرائزه وعواطفه وردود فعله وأبنيته النفسية اللاشعورية وله حركيته وكل هذه تخضع بالإكراه المشروع إذا دعت الضرورة لفكرة ما وللقرارات العقلية ،

والشرط الأولي لوجود الكيان السياسي هو العدالة ، ولكن الصداقة هي المبدأ الذي يمده بالحياة ويميل الكيان السياسي إلى الجماعة الإنسانية حقاً والتي تكونت بحرية ، ويحيا على ولاء الأفراد وتضحياتهم فلأجله يضحون حياتهم وممتلكاتهم وشرفهم المقدس ، ويقوم الشعور المدني هذا على الإحساس بالولاء والمحبة المتبادلة إلى جانب العدالة والقانون (1) ففكرة (روسو) الجوفاء كانت هي لب العقد الإجتماعي ، فخرافة الإرادة العامة ليست بأي حال إرادة الأغلبية البسيطة ولكنها ، وليس بمستبعد أن تكون الحرية هي مصدر من المصادر الإنتزاعية لفكرة التعليم والثقافة فمتى كانت الجماعة على قدر لائق من الثقافة فإنها ولا ريب ستنتفي جدلاً حالات الإستبداد وتعلن رفضها للطريقة الديكتاتورية في ممارسة الحكم ، فليست الجماعة حقاً شخصياً يمكن التصرف فيه للبيع والشراء ولتنفيذ الإرادات الخاصة لأن هكذا اعتبار جدلاً قائم على أسس وبناء تحتي من سلب الجماعة حرية التعليم وتركيز المفاهيم التي تشيع منهج ثبوت واستمرارية الحكم الديكتاتوري ، ولهذا استخدم الدستور كبناء تحتي لإشاعة النزعة الديكتاتورية وجعلها بمصاف الحاجات اللازمة للجماعة ، ولهذا ربط الفلاسفة والمفكرون السياسيون النزعة الديكتاتورية والواقع الجماعي للإرادة الجماعية ، وعلل علماء الإجتماع هذه العلاقة بنفس النظرة نحو السيادة والحاكمية وقالوا إن الجدلية القائمة هي الممارسات الفوقية للسلطة والممارسات التحتية للأجهزة العاملة في ظلها هي التي تثبت الإرادة السيادية من الناحية الفعلية .

ولقد اتجه البحث في ممارسة إيجابية  لنقل الحاكمية من يد الملك المطلق إلى الشعب ويكون هو صاحب السيادة في الحاكمية ، ولم يكن (روسو) بعيداً عن الواقع حينما كتب تعليقاته في العقد الإجتماعي لسيادة الشعب في الدولة ، ولكن إلى أي حد كانت تلك النظرية ناجحة ؟ وهذا ما سنجيب عنه :

إرادة فردية سامية غير قابلة للتجزئة إرادة منبثقة من الشعب باعتبارها وحدة واحدة وهي دائماً على صواب ( وهذه الأسطورة ليست إلا وسيلة لنقل السلطة السامية المنفصلة من الملك إلى الشعب بينما تظل منفصلة وسامية بحيث يصبح الشعب بممارسة ــ الإراداة العامة ـــ سيداً واحداً يمتلك سلطة منفصلة مطلقة مجردة وهي سلطة فوق الشعب باعتباره جمهوراً من الأفراد )(1) .

فقد قال (روسو) الميثاق الإجتماعي يعطي الكيان السياسي على جميع اعضائه وهذه السلطة حينما توجهها إرادة عامة تدعى كما قلت بالسيادة .

لذلك ، بما ان تلك السيادة ليست سوى ممارسة الإرادة العامة ، فإنه لا يمكن تحويلها مطلقاً وأن السلطة العليا وهي شئ جماعي لا يقوم مقامها سواها ، ووصف السلطة العليا كتحويلها أمر متعذر فتحديدها يعني تحطيمها ولا تحتاج سلطة السيد إلى الضمانات تجاه الرعية فالسيد بمحض وجوده هو كل شئ يجب أن يكون ، ولو كانت هناك أمة من الآلهة  لحكمت حكماً ديمقراطياً فحكومة على هذا القدر من الكمال غير ملائمة للناس .   

إن تفسير (روسو) للعقد الإجتماعي يوجه بالحق الطبيعي أي تمامية الملكية حتى الحياة والموت لنها مشروطة بقبول الفرد للخضوع طبيعياً لحق الدولة إذ إنه عاش تاريخياً ضمن عقد شرطه الخضوع بدون قيد للدولة ، ومتى أصبح القيد شرطيّ  التنفيذ فحق الخضوع يصبح أمراً لازماً ، وإذا كان (هوبز) يحطم الإنسان ضمن فكرة الشر الطبيعة فإن (روسو) يحطمه بالطبيعة المتعلقة بشرط العقد القبولي للدولة وبالتالي فإن الديكتاتورية ستتحول من حكومة فردية إلى حكومة الدولة حسب مذهب (روسو) وما تسميه اليعقوبية بالملوك الطغاة .

إن الإرادة العامة شئ لذاته قابل للتدقيق إذ شرط الإرادة هو التقيد بقانون أعلى يرتبط بواقع الفكر الإنساني لا لحاجة السيادة في جعل الإرادة العامة مصدراً لقبول السيادة واخضاعها للحق الطبيعي الذي تعتليه فكرة الانتصاب المتعلقة بنفس علاقة الإرداة مع الحق الطبيعي السيادي وهنا فمن الضروري أن لا يظهر في الدولة أية أرادة مقابلة الإرادة الدولة ــ إن هذه الأسطورة الاستعلائية لحق الإرادة العامة تحتاج إلى دليل غير ما أكده (روسو) فذلك على ما هو فلسفة للديمقراطية المزيفة التي تجعل النواب ادوات مجردة من أي حق في الحكم في حين انهم يمتلكون كل الحق بالتوكيل والمشاركة .

إن حق الشعب في حكم نفسه منبثق من القانون الطبيعي وتبعاً لذلك فإن ممارسة الشعب لحقه تخضع لسنن القانون الطبيعي ، فإذا كان للقانون الطبيعي قدر من الشرعية بحيث يعطي الشعب هذا الحق الأساسي فإنه يكون شرعياً كذلك في فرض سننه غير المدونة في ممارسة هذا الحق نفسه .

إن القانون إذا لم يكن عادلاً فلن يكون بمستوى  الحق الطبيعي حتى لو عبر عن إرادة الشعب افتراضاً . إن سيادة الدولة الديكتاتورية بأفصح عبارة تعني أنها ربة الخير والشر مثلما هي ربة الحياة والموت . ولقد كان (بودان) ممن عارضوا فكرة ديالكتيك السيادة الذي افترضه (روسو) .