7 الديمقراطية في الميزان :

شبهة (دوبريه ) تمامية العقل : بالإمتلاك الواقعي للإرداة في الإختيار ، وهو تشبيه على ما يبدو عقلاني فليست الإرداة المقيدة والموجهة بعنف إلا نقصاناً في العقل والموجه صحيح أنها تأتي من خارج ولكنها تسمح للتقيد بإمتلاك الإرداة .

وإذا كنا لا نزال نجهل المصدر الحقيقي لفكرة نشوء الديمقراطية  تاريخياً ، ولكننا نعلم أن الديمقراطية سادت في فترات مختلفة حضارياً وتراث الأمم يحكي قصة وجود الديمقراطية ، إن أسم الديمقراطية أجنبي فهي كلمة لاتينية دالة بالمعنى على الحرية في الرأي والرأي الآخر كما عن القاموس السياسي ، عبر ضوابط تحددها دستورياً قوانين وتشريعات كانت الغالبية العظمى منها تمثل أحكاماً دينية .

إن أكثر ما تعنيه الديمقراطية رقابة الشعب على الحكومة كما في المعجم ، وأعتقد أن تفسير الديمقراطية بالرقابة الشعبية فيه كثير من التجاوز والخروج عن الواقع الطبيعي الذاتي للديمقراطية ، فالمفكرين والفلاسفة الذين مجدَّوا الديمقراطية كانوا نظريين في التمجيد إذ إنهم استخدموا القياس المنطقي في استدلالهم على الدور الرقابي للديمقراطية .

بداهة أن الحكومات لم تكن عاجزة عن استخدام فن المهارة السياسية للتظاهر بالديمقراطية ، وإذا كان (أرسطو) يتهكم على الديمقراطية فأظن أنه كان جديراً بالإهتمام لأنه لا يتهكم على الديمقراطية ذات المعنى الحقيقي وإنما يسخر من أولئك الذين أساؤوا استخدام الديمقراطية ووجهوا الناس لأساليبهم الخاصة وفهمهم الخاص .

إن الناس جميعاً بحاجة إلى ديمقراطية في مناقشة قضاياهم السياسية والإجتماعية ، ولا أظن أن ذلك أمرٌ ميسور للجميع إذ الإختلاف في المناهج السياسية والعقائد الفكرية وطريقة الحكام تحول دون أدنى شك في سد هذه الحاجة ولقد حاول صاحب كتاب (سياسة الحكم) أن يعطي مبادئ عامة للديمقراطية كالسيادة الشعبية والمساواة السياسية والشورى وحكم الأغلبية ويعتقد ان المبادئ الثلاثة الأخيرة ترتكز على المبدأ الأول .

أما عن الشورى الشعبية فيرى (رني) بقوله : ويعد هذا المبدأ أبرز نقاط الخلاف بين مفهومنا للديمقراطية وبين مفهوم الشيوعيين لها ، فالشيوعيون يعدّون الديمقراطية حكومة من أجل الشعب ، حكومة تقرر فيها صفوة مختارة هي الحزب الشيوعي ، ما هي السياسات التي تعزز أكثر من غيرها المصالح الحقيقة للشعب (1)

 إن العقيدة الفكرية التي تعتمد على المذاهب الفلسفية المادية عاجزة فيما يبدو عن ممارسة أيجابية داخل أطر التفكير الفلسفي ذاته ولذا فلقد عاش في ظل  الماركسية تحت وطأة الشعارات البراقة الجوفاء لمعنى الديمقراطية ، إن اعتقاد الناس يتزايد كل يوم بان الفراغ لا تسده الآراء المجردة بل لابد من عقيدة تمتلك قابلية في التشريع التنظيمي لحياة الناس فردياً واجتماعياً وهذا يتطلب كون العقيدة بمستوى المهيمن على أمور الأفراد والقادرة على تسليط الضوء احتياجاتهم الضرورية في ممارسة أدوارهم في الحياة بتراتيب ترتبط بالأصالة المقدرة بالفعل والفاعلية باتجاه المطلق باعتباره صاحب السيادة والحاكمية .

والتي فوضها للإنسان بصلاحيات مقيدة وليست مطلقة وعنصر الانتخاب من الأمة ، ويجب أن نشير إلى أنَّ بعض مفكري الديمقراطية أقتربوا إلى هذا المفهوم حينما دعوا إلى نظام المرجعية القضائية إن هذا الأمر يحققه الدين الإسلامي باعتباره العقيدة التي جمعت الحاجات أصولياً وفرعياً وأعطت إجابات عقائدية تتعلق فكرياً بنفس الأصل العقائدي وذلك إنجاز يسجل له في الإيجابية لأستخدام العقل كأداة مميزة بين الخطأ والصواب ، وقد جائت روايات وأحاديث على شاكلة ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ) دالة على الصيغة الديمقراطية في احترام أصالة الفرد في المجتمع وأصالة المجتمع في الدولة وتسييد حالة الإعتزاز بذات الخالق ودينه وهذا عين ما قاله العلامة ( الطباطبائي ) في تفسير 256 من سورة البقرة ( لاأكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) في الكلام عن حرية العقيدة بشكل مطلق قال :

فقد ذهب نفر إلى ذلك مستدلاً بالآية الكريمة ـ لاإكراه في الدين ... ــ واستندوا من هذه الآية أن الإسلام قد منح الناس الحرية فيما يعتقدون ويؤمنون به حتى ولو كان شركاً أو عبادة للصنم والطاغوت وليس هذا من الإسلام بشئ أبداً فالمنهج الإسلامي قائم على أساس التوحيد وإلغاء الشرك فكيف يمكن أن يتضمن المنهج حرية مخالفة هذا الأساس ! انه تناقض صريح فكما  أن القوانين الوضعية الراهنة لا يمكن أن تعطي للإفراد حرية مخالفتها فكذلك الإسلام لا يبيح مخالفة الأسس التي يقوم عليها تشريعه ، إن الآية المذكورة تؤكد على أن الإسلام قد أتضح وانجلى بفضل القرآن  ولا حاجة إلى الإكراه والإجبار في قبول الإسلام ، ويؤيد ذلك قولة تعالى { قد تبين الرشد من الغي } فهي السبب فيما ورد في الشطر الأول من الآية { لاإكراه في الدين } إضافة إلى ذلك فإن جملة { لاإكراه في الدين } حقيقة تشريعية تستند إلى حقيقة تكوينية إذ أن الإكراه والإجبار أن يكون إلا في الأعمال والحركات الظاهرية ولا يستطيع أن يؤثر في القلب والفكر والإعتقاد فالآية تنهي عن استعمال القوة في هداية الأفراد إلى نهج الدين فذلك غير ممكن تشريعياً وطبيعياً ، ولآية بعد ذلك تشير إلى ترك التقليد الأعمى في العقائد وتحث الناس على اتباع المنطق والعقل فيما يؤمنون ويعتقدون فالفرد المكره المجبر على اتباع عقيدة يقلد المؤمنين بتلك العقيدة دون أن ينطبق فيما يفعله من إيمان وذلك مرفوض في نظر القرآن .

من كل هذا يتبين لنا أن عدم الإكراه في الدين لا يعني أبداً حرية الأفراد في انتخاب العقيدة . (1)

إن الحرية في الحديث أمرٌ فطري فالناس يولدون على الفطرة ، أما المجتمع والتربية والعقائد الانحرافية تحول دون أن تبقي الفطرة على طبيعتها التكوينية . إن النزعة باتجاه الديمقراطية مورست إسلامياً في التشريع والتنفيذ والإدارة والنظام ـــ ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) إن التاريخ الإسلامي دون لنا كثيراً من المشاهد الإعجابية التي دارت بين عوام الناس والنبي (ص) ومع أمير المؤمنين (ع) ولا نود أن ننقل ذلك إذ ليس هدف الكتاب ، إنما أحببنا أن نجعل التاريخ النبوي عضيداً لنا ونحن نلقي مزيداً من الضوء على التجربة الديمقراطية في الإسلام ،  إن الناس أحرار في اعتناقهم لعقائدهم الدينية بل والفكرية والسياسية ما دام لم يكن هناك تعارض جوهري مع روح التشريع الإسلامي .