6 النزعة الميكافيلية في السياسة :

لا نود أن نكتب تفسيراً للنزعة على ضوء الحوادث التاريخية ، ولكننا مضطرون إلى دراسة هذه النزعة علمياً وبمستوى الحدث السياسي الذي أثر كثيراً في الإتجاه نحو الإستبداد السياسي والعتف الإكراهي .

إن الذين قلما تمسكوا بالميكافيلية واعتبروها الحل في الأزمات اخطأوا التقدير وأسآؤوا فهم المبادئ والقيم الإنسانية العليا ، كمبدأ العدالة ومبدأ الحرية الذي يرتبط بواقع التفكير الإنساني تجاه السيادة والإستقلال والدولة ومدى العلاقة الإيجابية إجتماعياً للنزعة وللواقع وإذا كانت الميكافيلية تعني سيادة مطلقة للأمير أو القائد السياسي فإنها ترسم أسلوب التعامل الذي يتخذه القائد تجاه الشعب ومنع الجيران ــ داخلياً وخارجياً ــ

إن ( ميكافيلي ) قدم لنا فلسفة التبرير العقلي الفني للسياسية ، وبعبارة أخرى فإنه وضع نظاماً عقلياً للشكل الذي يغلب على سلوك الأفراد في الواقع وذلك بإخضاع هذا السلوك لشكل فني وقواعد فنية بحتة . وهكذا أصبحت السياسة في تعريفة ؛ سياسة لا أخلاقية ولكنها ناجحة لأنها فن إحراز السلطة والمحافظة عليها مهما تكن الوسيلة شريطة أن تحقق النجاح في مجال كسب السلطة ، إن شيئاً يجب النظر إليه هو أدعاء الميكافيلية بأن استخدام العدالة سياسياً سيولد تراجعات وهزائم لأن الناس لا تفهم إلا القوة وذلك هو طبعهم ، وهذا الرأي ما استخدمه ( هوبز) في تعريف الإنسان بأنه شرير بطبعه .

إن الأمراء في الدول التي لا  تستخدم العنف ستقع أسيرة لغيرها من الدول التي تستخدمه تجاه الدول الأخرى وإن شيئاً أسمه العدالة في تطبيق القانون هو ضعف حقيقي يستهوي آخرين في العمل ما بوسعهم لتحطيمه وإنهائه .

إن (مريتان) أجاب بشئ من التفصيل عن هذه الظاهرة بقوله :

أولاً : إن بإمكان الفرد أن يرعى العدالة وأن يكون له في الوقت نفسه عقله وتفكيره وأن يعمل على اكتساب القوة فالميكافيليون يقولون إنَّ العدالة واحترام القيم الأخلاقية تعني الضعف والإنهيار ويقولون إن القوة لا تصبح صلبة إلا إذا رفعناها إلى المستوى الأعلى في الوجود السياسي وهذا كذب محض فإنَّ الشر كما هو واضح ليس عاجزاً عن النجاح في المدى البعيد وحسب ، وأنَّ القوة تضعف في المدى البعيد إذا كانت مجردة عن العدالة ، وإنما تستطيع القوة بين حين وحين أن تعيش مع العدالة جنباً إلى جنب ، وإن قوة الأمم التي تكافح في سبيل الحرية قد تكون اعظم من قوة الأمم التي تكافح في سبيل السيطرة .

ثانياً : إن الميكافيلية في الحقيقة  لا تنجح لأنَّ قوة الشر في الحقيقة هي قوة فساد وتبديد جوهر الوجود والخير وما فيهما من طاقة ، وقوة كهذه تدمر نفسها بتدميرها ذلك الخير الذي يكون عنصرها ، ولذا فالمنطق الذي يقوم عليه نجاح الشر يحكم على ذلك النجاح بقصر العمر .

إن (مريتان ) وجه نقداً عنيفاً للميكافيلية ولدعاتها ولكنه نقد خضع بالضرورة إلى منطق الأشياء التي يرتبها الاستنتاج العقلي ، وأوحى في نقده إلى أنَّ النزعة الميكافيلية لا تواجه إلا بطريقة ديمقراطية ترتكز على فهم الإنسان والمجتمع ، ونابعة من ضمير الإنسان وحاجة المجتمع إن نفي العدل وإبداله بالجبروت شئ ليس بفلسفة للوجود وتثبيت مركز السلطة إنما هو تبرير لحالة استخدام منطق القوة في الردع داخل الكيان السياسي وضمن شعب العمل الحكومي .

إن منطق القوة بحد ذاته سلاح العاجز إذا كان الأمر يراد به استراتيجية في العمل والتعامل ولكنه شئ له قدسية إذا أريد منه تحكيم مبدأ أيديولوجي عقائدي من اعدائه الخارجين والداخلين .

ونشير إلى نقطة حساسة هو أن الفلسفة الروسية حينما أكدت على مبدأ العدالة فإنها أدركت أن الحاجة إليها تكمن في الهدف والنتيجة في الحساب الإجتماعي والشرائط النفسية من ضمير المجتمع ، ولا يعقل أن يكون الإدراك فلسفة تبريرية لحالة العجز أو الضعف فإن هكذا إدراك ناتج عن خطأ في النظرية والتطبيق لأنه ليس بمعنى الإدراك وحده اقتضت المصلحة الجمعية تحديد وتحكيم المبدأ من الناحية القانونية الدستورية بل يقتضي إدراكاً لنفس الحاجة بما هي حقيقة موضوعية متعلقة بنفس المبدأ الذي تشارك الأمة في تحديد أطره وعلاقته بالموضوع والقضية ، ونفس التحديد مرحلة متقدمة من الوعي المدرك للحاجة بما هي إيجاب جمعي تساهم الأمة بقدر وافر منه ...

إنَّ (مريتان) يرى الديمقراطية هي الفلسفة العقلية لفهم الحياة ، في الحريات العامة والأمور المتعلقة بين الفرد والدولة ، على ان تكون الديموقراطية نتاجاً طبيعياً للحكومة التي هي صاحبة الدستور الإجرائي والتشريعي وهنا لا بد من ملاحظتين :

الملاحظة الأولى :

إنَّ الديمقراطية ليست هي حل التناقض السلطوي في إبداء قدر من التسامح والإعتدال والجرأة ، فإن الموضع ليس واحداً من جهة ، ومن جهة أخرى الديمقراطية نتاج لفعل الدولة وليس بالضرورة ان تكون الدولة قائمة على أسس عقائدية فكرية ، بل ربما تكون الديمقراطية ممارسة حرة داخل النظام  بغير ضوابط عقلية وفلسفية مما ينتج نسفاً للنظام من الداخل وإذا حددت أصبحت الديمقراطية حاجة تابعة للحاكم يهبها لمن يشاطره الرأي ، ويمنعها عن المعارضين وتلك هي حال جميع الدول  .

إن هدم حرية الإنسان وتحطيم ضميره بما يشيعه ذلك من الخوف وعدم الإستقرار في كل مكان إنما هو نوع من التحطيم الذاتي في الكيان السياسي وهذا ما لم تستطع الديمقراطية استيعابه والإجابة عليه .

الملاحظة الثانية :

(الديمقراطية هي شكل من الأشكال الحكومية التي يتعذر بلوغها بلوغاً كاملاً ) (1) ولذلك فهي أصعب من أن تهب للأخرين مبادئ في الإنسانية والقيم الخالدة ، لأعتبارات داخلة في مجال عمل الديمقراطية أثناء صياغتها قانونياً وممارستها سياسياً فهي بين الصياغة والممارسة تفتقد الكثير من روحها نتيجة لطبيعة المجتمعات وأنضمتها الدستورية ، ولذا تحتاج إلى فترة انتقالية في عملها تكون بمثابة المقدمة لأسس توطيد الديمقراطية ، وهنا لابد من انقلاب تمارسه تجاه نفس الطبيعة الإجتماعية وهذا يولد نوعاً من الخشية وعدم الأكتراث بشعار القومية وبذلك يتحول الغالب إلى مواجهة العمل بالديمقراطية التي هي بمثابة رقابة الشعب على الحكومة ، في حين هي نفسها تحتاج إلى قبول شعبي تجاهها .

إن كثيراً من الفلاسفة وأصحاب الرأي لم يوردوا موقفاً معيناً تجاه الديمقراطية فهم بين إيجاب معلن ومخالفة معلنة .  

اتضح أن الديمقراطية هي الحل الذي أرتآه (مرتيان) لمواجهة النزعة الميكافيلية ، إن الديمقراطية حق فرد حاكم أو حكومة إنما هي علاقة الإنسان بالطبيعة وهذه العلاقة ليست اكتسابية بل هي من صميم الضمير ويعني بداهة انها تتعلق بالوضع الإجتماعي السائد ونظمه الدستورية إن شيئاً من الحقيقة تجاه مسألة الديمقراطية يبدو غامضاً في المجال السياسي فمثلاً : لم يعرف على وجه الضبط ان الحضارات كانت تمارس الديمقراطية أو انها تمارس حاكمية تنتزع من مفاهيم نسبية للديمقراطية وعلى قوانين دستورية تشريعية معينة .

إنَّ الإتجاه في الفلسفة نحو الديمقراطية إنما تحدده الحاجة إلى الحرية وإلى كسر الجمود الفكري تجاه مسائل وقضايا اجتماعية خطرة ، ولا نقول إنَّ ذلك أمر حددته مواضيع فلسفية خاصة إذ إنَّ هكذا قول ينزع الإعتراف من البراهين الميتافيزيقية والمادية الحدسية في حين أنها تثبت أن نفس الإتجاه الفلسفي كان تشاؤمياً على الديمقراطية ، ولقد ربطت الديمقراطية بالمشاعر القومية لتبرير نفس الربط لوعي الوحدة الشعبية ثم اتضح ان الربط جاء لمصلحة خاصة في زمان سياسي وعسكري معين ، لأن القول بالربط يرتب علاقة سببية بين الديمقراطية والقومية ولأن الحاجة إلى امتلاك الإرداة وتسخيرها بالإتجاه الذي تحدده المشاعر الأنتسابية سيجعل من الديمقراطية شعاراً للقومية ، وهذا ما لا تحققه القومية ولا تستطيع إنجازه أولاً : لأنها ذات مدى محدد ، وثانياً : لأنها لا تمتلك أيديولوجا راسخة تستطيع أن تجعل من الديمقراطية صلباً أيديولوجيا داخلاً فيها ، ثالثاً : تحديدها للمشاعر بما هو انتساب معلن للقومية . وهذا يضفي طابع الفردية في نظرية الكل الجمعي ، أي أن التحديد يحتاج  إلى فلسفة ثبوتية لنفس مبدأ التحديد يكون قادراً في إرضاء نظرية الكل الجمعي ، التي تتعلق مفرداتها بالإنسانية ، ولا يحتمل ان ننقل مفهوم الإنسانية وربطه بجزء أصطناعي ذا هدف مصلحي سلطوي ،  ولو تم فرضاً هكذا نقل فإننا سنسخر على المدى البعيد ما يلي :

1 تحديد مبدأ الديمقراطية مما يجعله شعوراً شاذاً اتصافياً فئوياً . 2 جعل الديمقراطية تدور بمدار الحدود الضيقة والمحمولة بدوافع سياسية خاصة ، مما ينتج تضاداً بين العقل والضمير وهذا التضاد لا تخلفه الإيديواوجيا إنما تعمقه المشاعر الضيقة ــ لأن تحقق شئ وولادته من وهم إصطناعي مشروط بمنطق القوة سوف لا يحقق موضوعاً لأنتفاء ذات الشئ موضوعياً ومع انتفاء شرط الوجود ينتفي وجود المشروط جدلاً .

ومن هنا فالقومية لا تنتج الديمقراطية ولا تتفرع منها لإختلافهم بالمحمول واستندوا من هذه الآية ان الإسلام قد منح الناس الحرية فيما يعتقدون ويؤمنون به الاجتماع والسياسة أن العقل لا يستطيع جمع حالتين لموضوع مختلف في آن واحد وجعل أحداهما شرطاً لتحقيق الآخرى مع انتفاء الشرائط الموضوعية فيه .

وبالتالي يستطيع العقل إيجاد نسبة تجمع بين الديمقراطية والقومية وهذه النسبة تحددها قيادة الدولة القومية وممارستها للسلطة على الصعيد الإجتماعي والسياسي فإذا ما تحقق نفس الإنبعاث من ذات السلطة فإنها لا ريب قامت بعمل ديمقراطي ومتى عجزت عن تحقيق الإنبعاث ذاتياً فإنه يصبح للعملية شرطين : الأول : القدرة بما هي امتلاك لمصدر القوة ينفي بالجدل وجود انبعاث للديمقراطية . الثاني : الرغبة الجامحة في السلطان مع ظروف الإجتماع تحول دون الإنبعاث الديمقراطي .

وإذا شكلت هذه بالنسبة لكل أجزاء غير متسقة فيحكم بأن القومية ليست مصدراً للديمقراطية ويثبت أن الحاجة الإنسانية في العقل والضمير هي التي تتطلب الجهد الديمقراطي داخل الكيان السياسي ومع المجتمع .