3 القومية والماركسية

آمنت الماركسية بالطبقة البروليتارية كمبدأ من مبادئها التي استندت فلسفتها الديالكتيكية للحركة التطورية في التاريخ ولهذا فسرت الظاهرة القومية تفسيراً ينسجم مع نفس طموحها وبراهينها الفلسفية الناظرة إلى المجتمع كونه يتألف من طبقتين بارزتين البرجوازية والبروليترية .

واعتبرت الظاهرة القومية هي فكرة انتزاعية من العقلية البرجوازية في صنع العراقيل بوجه العمال كي لا يتحدوا فيما بينهم لمعالجة قضاياهم المصيرية المشتركة ، وشنت عبر كتاباتها ومفكريها سلسلة من الهجمات الداعية إلى تحطيم ركائز البنية القومية فهي تعتبر تحرر البروليتاريا من الإضطهاد البرجوازي سوف لا يكون له أدنى نصيب دون محاربة النوعة القومية التي تتفق ولا ريب مع مصالح البرجوازية الداعية إلى سيطرة علنية وعبر هدف تتحد الأمة في إنجازه ألا وهو الشعور القومي تجاه المصالح الخاصة بها كسلطة قادرة على إيجاد إتحاد مقدس يهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز النزعة القومية لتشمل كافة الطبقات ، واعتبرت الماركسية هذه الدعوة إيذاناً بتشجيع الطبقة البرجوازية وتعزيزها عبر نفس النزعة القومية والإتجاه المصلحي الخاص .

واعتقد جمع من المفكرين والفلاسفة الماركسيين بوجود صلة بين الوحدة القومية والبرجوازية التي تعتبر عاملاً رئيسياً في إظهار النزعة على أنها حاجة جماهيرية شعورية تتحسس بها جميع طبقات الأمة وتنجذب باتجاهها خاصة وعلاقات إستثنائية هي فوق الإعتبارات المتعلقة بأصل التفاوت الطبقي ، إذ إنه إزاء القومية هناك روح موحدّة تلتزم بالأصالة الإجتماعية التي تعدم ظاهرة التفاوت كعنصر من عناصر العكسية تجاه النزعة القومية .

إن نفس التصور الذي تذيعه الماركسية تجاه البرجوازية هو عمل تعزيزي اتصافي بالكسب الخاص والتوجيه الفلسفي المحمول لدفع المجموع الطبقي إلى انجرار عفوي باتجاه الماركسية لتعزيز موقفها الفلسفي الخاص بالوصع البروليتاري وما يتعلق به من مشاعر جمعية هادفة ولا شك إلى إبداء قدر لائق بالحالة البروليتارية طبقياً واجتماعياً ولا شك أن الفلسفة الماركسية ونظرتها المادية تجاه التطور التاريخي لوسائل الانتاج موقف فلسفي بحت يعني اتجاها ً حسب قوانين العلة والعلول ( بما هي كبرى وصغرى ..الخ ) ولكنه موقف فلسفي يدمج النظرية بالاطروحة تحقيقاً لمركب تجانسي من فصيلة خاصة ، تتبع الزوايا السيكولوجية اجتماعياً وسياسياً .

ولهذا بعد الإنفصال الطبيعي للنظريات من واقع الذهنية إلى مستوى التجربة اتضح بما لا يقبل الجدل أن ما ادّعي على انه تجانس كان تمايزاً وانفصالاً فعلى الصعيد التطبيقي لنفس مجال النظرية سياسياً كان اتجاه الزعماء التقليدين للماركسية أكثر إفصاحاً وتحديداً لذلك الجدل الدائر حول خاصية الإنفصال من الوجهة الماركسية .

ف (بولتيزر) وضمن الإشارة إلى الإتجاه الستاليني في التجربة السياسية هكذا قال عن النزعة القومية ( الأمة هي حقيقة موضوعية ولقد دفع الهتلريون ثمن عقيدتهم بأنه يمكنهم إزالة الأمم عن سطح الكرة غالياً وأدركوا أنَّ هذه الحقيقة موجودة وأنها تتمتع بقوة عظيمة للمقاومة ) (1)  .

ولا يغرب عن البال أن مفهومه عن الأمة كان المفهوم العام للقومية كوحدة اللغة والأرض والحالة الاقتصادية ، وهو بذلك شرخ واضح لنقض الأسس الفكرية للماركسية تجاه النزعة القومية ، ونظرة الماركسية إلى الطبقة البروليتارية باعتبارها طبقة المجتمع الطبيعي في حال شروطه التطبيقية وباعتبار الحالة الاقتصادية وتطور وسائل الإنتاج في مراحل التاريخ البشري .

إن نفس مجال تطبيق النظرية الديالكتيكية تاريخياً يوضح مدى الميل نحو النزعة القومية إذ إنَّ تحديد الأطر الستراتيدية للأمة بحساب الوحدة التكوينية ولا يعقل أن تكون الممارسة في النظرية هي التي جائت بفكرة وجود النزعة من خارج فالنظرية لم تؤسس قوانين لا يمكن الخروج عنها إنما جاءت بكليات إفتراضية استنتاجية إحتمالية ، ولذا فهي غير ثابتة ولا هناك ما يوحي في البيان الشيوعي أو نقد الإقتصاد  السياسي بأن فلسفة الإجتماع ودور البروليتاريا في الحصص الإنتاجية أو بالقيمة الفائضة هي تفصيل حقيقي للواقع بما هو ، إذ ذلك تعد صريح لقوانين العقل وإدراكه الحسي التجريبي والحدسي الفرضي ولو نسبياً ، فالأمة حينما تكون عامل دفاع وتأييد من قبل الزعماء الماركسيين فهي توكيد إلزامي يتعدى بأكثر من شرط أنَّ الإستقراء الماركسي حال النظرية لم يكن بمستوى الحدث البرهاني لنفس التعدي على الخارج فإذا كان ( ستالين ) يقول بأن ( الأمة وحدة مستقرة تكونت تاريخياً في اللغة والأرض والحياة الإقتصادية والتكوين النفسي تظهر في وحدة الثقافة ) (2) .

إنما يثبت سياسياً أن حركة التاريخ كانت عاملاً مهماً في تأسيس الأمة على ركائز الائم نفس التكوين الإجتماعي لها على أساس اللغة والأرض والحياة الإقتصادية والتكوين النفسي مما تشكل وحدة إنسجامية ثقافية وهو بذلك إنما يضرب عرضاً المبدأ الديالكتيكي في حركة التاريخ الذي يربط القضية جدلاً بالطبقة البرجوازية وطبقة البروليتارية ، أما أن يكون التعزيز تكويني من قبل التاريخ لحاجات موجودة فعلاً فليس ذلك إلا نقضاً تبديه الماركسية سياسياً لفلسفتها نحو الحركة التاريخية طبقياً .

إن جماعة من المفكرين والساسة الجديرين أرادوا تفسيراً موضوعياً للعلاقة التي رسمها سياسيو المادية الماركسية تجاه النزعة القومية وطبقة البروليتاريا فهؤلاء أدعوا ( بأن المسألة القومية جزء من مسألة الثورة البروليتارية العامة وهي جزء من مسألة ديكتاتورية البروليتاريا ) (1) وهل هذا إلا تناقض بين الفلسفة الماركسية وماديتها التاريخية والسياسية الماركسية النفعية ؟

إن إمعان أدنى توجه لصيغة العلاقة يوضح أن جملة المفاهيم صيغت فلسفياً شاء أصحاب النفعية الماركسية إلى جعلها أداة في سبيل نفس النفعية سياسياً وبالإتجاه الذي يعزز موقف الساسة الماركسيين في الوصول إلى مصالحهم الخاصة المحمولة بدافع الهيمنة السياسية والإقتصادية ولكن الساسة الماركسيين حاولا بجهد من أجل حل جزء من الموقف المتناقض تجاه النظرية والتطبيق وأجابوا بالشكل التالي :

( ليس للثورة الإجتماعية وهي هدف البروليتاريا طابع قومي في الأساس فمحتواها محتوى طبقي غير أننا رأينا أن الرأسمالية قد تمت في الأطار القومي ولهذا يرتدي نضال البروليتاريا الصوري ضد البرجوازية طابعاً قومياً ) (2)

ولا ريب أنَّ نفس الإجابة دليل ضعف عمليَّ للواقع الماركسي كفكر عقائدي خلاق فهي إذ تدّعي ومن باب محاربة البرجوازية من نفس الأشياء التي تلتزم البرجوازية بها فإنه بلا شك حجة ناقصة سالبة أن تكون الماركسية عاجزة إلى هذا الحد في تبرير موقفها من القومية لا بالصورة الإنهزامية الدالة بوضوح عن عجز إيديولوجي في تبني الفلسفة المادية ، وعجز في ممارسة المادية التاريخية كتوجيه إجتماعي ثوري فهي بين الرضوخ للضغط البرجوازي وبين مبدأ الثورة الإجتماعية تقف عاجزة تماماً عن الماهية الجوهرية من الإلتزام بالنزعة القومية حال كونها نزعة تناقض الإيديولوجيا الماركسية المتبناة كفلسفة للتاريخ وللطبيعة والإجتماع وللوجود التكويني والغنصولوجي إن شيئاً كهذا لا تستطيع حله الماركسية بسهولة فهي تقول إن (حجر الزاوية في النزعة العالمية البروليتارية هو تعلق جميع البروليتارين غير المشروط بالدولة الإشتراكية ) (1) في حين تعلق بقوة (إن الذين يقولون للعمال ــ قضية الأمة ليست قضيتكم بل قضيتكم هي الثورة ــ كل هؤلاء يعملون ضد مصلحة البروليتاريا الثورية وهم ينكرون واقع الأمة لأنهم مثاليون ....

لأنها تحفظ تعاليم (لينين) ومن بين هذه الشروط الحقيقة القومية وهي وحدة أرض ولغة واقتصاد وثقافة ، ولهذا لا تسلم قيادة الجماهير لمن يجهل هذه الحقيقة التاريخية ) (2) .   

إن حاجة الفرد وأصالته الخاصة تنفي الصورة التي عرضتها الماركسية في سياستها تجاه مسألة القومية وتعزيزها في المشاعر الإجتماعية ، ولذا تصبح القضية بكل مفرداتها موضع اهتمام خاص ، إذ إن الأسس الماركسية لم تستطع أن تجيب عن شكل القضية جوهرياً ومالت حسب الرغبة الجامحة لسياسي الماركسية تجاه النزعة القومية وتوطيدها في نفوس الجماعة المعينة وإبداء الحجج التبريرية التي تعطي للإتجاه هذا كامل التوفيق بين الأسس النظرية والحاجة السياسية وهو توفيق بنائي ينسجم مع الطموح الخاص للساسة الماركسيين .

ولهذا فإبداء كثير من التساؤل حول النوع والموضوع في الحاجة باتجاه النزعة يبقى مدار بحث وتحقيق ، ولعل هذا البحث يصرفنا عن هدف الكتاب أجلنا ذلك التحقيق إلى مجال آخر أوسع واشمل في التحقيق والبحث .