2 القومية والأسس المنطقية .

 إنَّ الفلاسفة يختلفون في تفسير ظاهرة القومية تبعاً لاختلافهم  في البحث الفلسفي تجاه تلك الظاهرة ، وكيف يمكن تقييمها وما هي العوامل التي شاركت في أنشائها ، ولعل طبيعة البحث الفلسفي ترتبط بنوع الفلسفة سواء منها المادية أو المثالية وحاجات لازمة تعتبر أولية في إبداء الحكم الفلسفي على الظاهرة القومية ، فالماديون امثال (بولتيزر) الذي قال :

( إن قصر الأمة على أحد جوانبها موقف ميتافيزيقي كموقف (ارنيست رينان) مثلاً الذي كان يقول ( الأمة نفس) فكان يجهل الأسس المادية التي بدونها تخلو الأمة من الحياة الروحية ، وهذا أيضاً موقف النظريين الاشتراكيين الديمقراطيين ( أوتوبور) و (سبرنجر) الذي حاربه (ستالين) فهما يدعيان بأن الأمة تنحصر في وحدة الثقافة ، فيتكون وحدة الأرض واللغة )

ولا ريب اختاروا المذهب الذي يثبت حقيقة وجود المادية  من الناحية الطبيعية وأوردوا أمثلة  استمدوا الغلب الاعظم منها  من قوانين الطبيعة والتاريخ وبرهنوا على ثبوت النظرية من خلال علاقة نفس القضية بمصدر الحكم واعتبروا نتائج تطور العملية التاريخية دالة من حيث المبدأ على أصل ثبوت القومية اجتماعياً وعلى مستوى الواقع الانتربولوجي في عملية أدامت تلك السلالات في واقع الأصل إذ كون وجود النظرية بجزئه الثابت بمستوى العقل الطبيعي تحديداً لازماً لحاجة ثابتة ترمز إلى وجود محسوس يتمثل بعدة حقائق تشترك في أصل الوجود ، وليس من العقل ثبوت الوجود إلا إذا كان دالاً بالحقيقة على صدق الوجود عقلياً وثابتاً بالتجربة والبرهان .

فالثورة الفرنسية تعبير عن واقع قومي لمشاعر وأحاسيس شعبية مجتمعة تدل على وجود هدف جماعي تشترك الأمة في التعبير عنه ومعاناته وأصل الاشتراك عملية اجتماعية دالة على ترابط معنوي في الكائن الأممي وما دون ذلك يعني روح تلك الثورة فحاجة لا تعرف بالقياس الإجتماعي إلا إذا دلت مصداقية الثلاثة في التجربة على نفس الروح .

إن الفلاسفة الماديين ربطوا الظاهرة القومية بنفس الشعار المادي وبنفس الوجود المادي وإذا كان (بنكلي) يضع خطواطاً عريضة تجاه الثورة الامريكية فهو يربط على المستوى الحقيقي ، ولقد عزز  اتجاه المادية آراء المفكرين اللاهوتيين فأبدو اهتمام الصنعة في ثبوت النشأة عبر العالم الآخر لظاهرة القومية مستفيدين من ربط تصوري حادث وذهني في العقل لوجود نفس الظاهرة على الواقع الاعتباري وللمثاليون رأي يشابه في نصفه الأول رأي الماديين في إثبات الظاهرة القومية ميتافزيقياً أمثال ( رينان) الذي فسر الظاهرة القومية فوق الحقيقة التاريخية فكانت الأمة عنده ( روحاً أو مبدأ روحياً نشأ لا من الذكريات والتضحيات والأمجاد والعواطف والآلام المشتركة فقط بل ومن الرغبة التي حددها التاريخ في العيش جنباً وتحمّل أعباء التراث )

ولقد مرّ أن التفسيرات الميتافيزيقية والبيئية والإنسانية تنقصها الأدلة اللازمة في أثبات الظاهرة واعتبارها أمراً مسّلماً وحاجة تخص الفرد والجماعة شعوراً ومشاعروالنظرية المثالية في إثبات الظاهرة بمنتهى الإيجاز وربطها بالواقع الحقيقي تحمل في طياتها الكثير من التجاوز والنقيض فهي تتأرجح بين قطبين المثالية العارضة والميتافيزية الطلقة أي أنه تناقض يبرهن إثبات المعول بدون علته وعرضاً لسجل تكون فيه القومية سراً ومعجزة ، إن شيئاً كهذا من الوضوح لم يتم حسب المذهب المثالي تجاه القومية أو قل إنْ هناك تجاوزاً حصل في مفهوم الظاهرة كلياً ، ولعل جزاً كبيراً أسىء فهمه وعُبّر عنه بتبرير الظاهرة من حيث علاقتها بالوجود الإنساني الجمعي ، وإن التبرير أتخذ كمنهج في التفسير النفسي للظاهرة كما فعل ( القديس بولس ) (والذي لم يفصل في مستوى العقل بين المطلق القائم زائد بذاته والحاجات العرضية المترشحة إما من خلاله أوبسبب خارجي قد يكون الإنسان مشاركاً في فعله )

ولا نريد للعقل أن يكون جاحداً تجاه مجمل الظواهر ومنها نفس الظاهرة القومية إذ لا يعقل إعزاء كل حادثة إلى فلسفة الوجود الخارقة إن تعبيراً كهذا استخدم مجازاً وليس من النافع جعله بمثابة الردّ والردّ الآخر في نفس الكبرى والصغرى والمحمول فهذا ما يحتاج إلى بحث في الطبيعة والمادة والروح وتلك تثبيت من المباشرية أو غير المباشرية صحة الظاهرة على ضوء الحقائق الموضوعية .

وفي بحثنا عن القومية والدين سنتطرق بشئ من التفاصيل لذلك .