1 القومية والتاريخ

: إنَّ البحث حول القومية بأعتقادي أمر غاية في الدقة لأنه يرتب أحداث الماضي والحاضر ، ويفسر الحاضر بالماضي فيما يفسر الماضي أحداثه بنفسه . إنَّ شيئاً لا يمكن نكرانه هو الأجتهادات والآراء المتضاربة في موضوع القومية ، وهل هو لازم بذاته ؟ أم إلى كشف الحركة التاريخية والثقافية والطبيعة والأديان ؟

إن أولئك الذين تحمسوا لمظهر القومية أقاموا اجتهاداتهم على وقائع وتنبؤات تتعلق كما يذكر (شيفر) بعناوين رئيسية تسهيلاً للبحث والمناقشة منها :

1 ما فوق الطبيعة ؛

الله خلق الأمة ، الطبيعة خلقت الأمة ، قوى غامضة خلقت الأمة .

إن الا عتقاد السائد في فترة ما من فترات التاريخ بأن هناك عوامل ساهمت في إحداث وتكوين الواقع القومي والأممي وانتشاره على مستوى الأرض في دخول الواقع الخارج الذي يعتبر لازماً إذ إنَّ الإرداة التكوينية في التحديث قائمة على المرتكز الذي يعتبر واقعاً في التكوين الطبيعي ، ولا يخلّ عن البداهة أن جميع الناس أختلفوا في مفهوم القومية تاريخياً واختلفوا كذلك بالأسس التي نشأت بموجبها القومية . إن كثيراً من اللاهوتيين والمفكرين الأوروبين ربطوا وجود ظاهرة القومية كشعور طبيعي مرتبط بالإرادة الإلهية على نحو المباشرية في الارتباط .

    وإذا كان (بوسويه) ممن يرى في الكتب المقدسة تخطيطاً للحياة السياسية إلا أنه وقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه ( جان هس ) الذي يعتقد أن الإرادة الإلهية والمشاعر الطبيعية فرضت أن تكون بوهيميا للبوهيميين .

ونفس تلك الفكرة وضعها الفيلسوف الإنكليزي ( بولنجبروك ) الذي يعتقد اعتقاداً لا يداخله شك في أن الله خلق طوائف من الناس تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً .

أما ( فيختة) فيعتقد أن خلق الأمم تم وفقاً لمشيئة الله المقدسة ، وهو يرى ان الأمة مظهر حقيقي للإرادة الألهية المقدسة ( عندما تقوم كل أمة بعد أن تركت وشأنها بتكوين نفسها وتشكيلها طبقاً لطبيعتها الخاصة وعندما يقوم كل فرد في كل شعب بتكوين نفسه طبقاً لتلك الطبيعة المشتركة وطبيعته الخاصة به ، عندئذٍ فقط تتمثل القدسية الإلهية في مرآتها الحقيقة كما يجب ان تكون ) .

وهو ما اعتقد به ( موريس ) العالم الديني الذي ألقى موعظته بمناسبة وفاة ( ولنجتون ) بالإشارة إلى العهد القديم ليبين بأنَّ الأمة أكمل حالة من حالات المجتمع ، وقبله كتب ( جون آدامز ) : يبدو أنَّ العناية الإلهية شاءت ان تقطن أمة واحدة قارة أميركا الشمالية (1) وقال ( مازيني ) إنَّ الله قسَّم البشر إلى مجموعات أوخلايا فوضع بذلك أساس الجماعة القوية .

إنَّ جملة الآراء التي عرضنا قسماً منها تهدف إلى إيجاد حالة تناسب بين شكل القومية والعقل الطبيعي مبرهنة في ذلك على العناية القدسية لله . إن الإرادة السياسية للزعماء القوميين استفادت بنحو أو بأخر من كون وجود القومية حالة تابعة بالضرورة للإرادة الإلهية والواقع الطبيعي ، ومن هنا فقد فسر السياسيون هذه المواقف بنوع الإيجاب في تعزيز رؤيتهم تجاه نفس العلاقة السببية بين الروح القومية والمشاعر الدينية وبالتالي جعل القضية القومية ترتبط بالإرادة الإلهية من حيث التكوين والوجود ،

ولأجل هذه القضايا ومدى تأثيرها في الجو السياسي كان المفكرون يقولون للمواطنين أنتم شعب الله المختار ، وهو تبرير في استخدام حق المطالبة بالشعور القومي وإثارته عبر حقيقة دينية ، يقنع المجموع بصحتها . إذ كون تلك الواقعة صيغة مفترضة إلهياً فليس أقرب إلى الذهن من كونها أمراً غايته ترتبط بالذات البشرية بما هي استيجابة مطلقة وقابلة للإردة الإلهية . إنَّ تفسير التاريخ باعتباره أنعكاساً للإرادة الإلهية كما أظن قد خف نتيجة لتطور العلوم الفيزيائية والتجارب العلمية والتأكيد على المذهب العقلي والطبيعي مما يخفف حدة الالتزام بالصناعة التكوينية للحوادث والموجودات كونها امتداداً  مباشراً للإرادة الإلهية . إن ( روبرت بنكلي ) كتب يقول :

( إنَّ أبعد مفكري القرن الثامن عشر نظراً لم يستطيعوا أنْ يروا للأمم خصائص انتروبولوجية مركبة ولذلك جعلوها ــ أي الأمم ــــ شبيهة بتلك التعميمات التركيبية التي توصلت إليها العلوم الطبيعية كالجاذبية وبقاء الطاقة التي سادت عالم الطبيعة بقوة عظيمة وهيبة كبيرة ) (1) .

وقد برر (هوبز ) الحكومة القومية القوية المطلقة استناداً لطبيعة الإنسان ــ الضعيفة والوحشية والقصيرة ــ وإلى القوانين الطبيعية التي تحكم المجتمع (2) . إن أحداً لا يشك أن الفكر القومي هو نشؤ خلقته إرادة الإنسان ومصالحه الذاتية إذ إنها على سبيل الفرض الواقعي موجودة طبيعياً ولكننا نفاجأ بأن الوجود الطبيعي ما هي علاقته بالإنسان ؟ وما الذي صاغ مشاعره الخاصة ؟

إن قوانين الطبيعة تسير بشكل إرادي إنتظامي ، ونقل تلك القوانين وتوظيفها لإرادة الإنسان عملية يقوم الإنسان تبعاً لمصالحة ولظروفه الخاصة تجاه الطبيعة ، إن الإنسان ليس رهناً بالإرادة إلى واقع الطبيعة بل إنَّ الطبيعة وقوانينها تتحكم فيه أرادة الإنسان وتحركه باتجاه مصالحها المعينة ولا أدل على ذلك من نفس ظاهرة القومية فهي حالة انتزاعية لأفكار خاصة استفيد لتعزيز اتجاه النزعة القومية إلى قوانين من الطبيعة تثبيت تلك الأفكار من الناحية الفعلية .

إن ( روسو ) كان لا يرى وجوداً للقوانين الطبيعية وخالفه في ذلك أصحاب النظرة الإبداعية ( كآدم سميث ) الذي استخلص الكثير من فرضياته الواهية عن الطبيعة فهو يقول بأن الدولة التي ولد الناس وتعلموا في ظلها تلائمهم ملائمة متينة من الوجهة الطبيعية لأنها تشتمل على كل ما يثير أدق عواطفهم وأجملهم ، ولذلك فهي عزيزة عليهم طبيعياً ، وقال : إن تلك الحكمة التي أبدعت نظام العواطف الإنسانية وضعت كل جزء من أجزاء الطبيعة وارتأت كما يبدو ، أن خدمة مصلحة المجتمع الإنسان الأكبر تتحقق على أحسن ما يرام عن طريق توجيه كل فرد اهتمامه الأول لذلك المجتمع الخاص الذي يقع ضمن قابلياته وإدراكه (3) .

إن هذا الإعتقاد كما هو دال على حالة طبيعية مفترضة تتحكم فيها نفس الإرداة التي هي في الواقع أمتداد لنفس التعلق بالحالة المؤدية إلى استمرار الكل الطبيعي وقوانينه التي تعتبر من الناحية العملية المبرر الأساسي لوجود الأمة في الواقع الحسابي ، فلهذه القوانين خاصية الإعتقاد عند العامة في الوجود الأممي الطبيعي إلذي يرفض الإعتقاد المضاد ، إنَّ نفس هذا الإعتقاد كان جارياً عند الفلاسفة النفعيين وعند أنصار مذهب الذرائع ، وعند كثير من علماء الانثروبولجيا والعلوم الإجتماعية الخاصة بدراسة الأجناس .

وإذا كان البعض يظن بأن القوانين الطبيعية ذات أثر إيجابي في ذات الوجود الأممي فإنه ولا ريب ظن قياسي تطبيقي لحالات معينة ربما تشكل عندهم قناعة في مجرى القانون الطبيعي . ولعل تلك القناعات الظنية ساهمت إلى حد بعيد في نشوء مفهوم القومية عند الألمان .

إن التفريق في العقل على مستوى الجماعة والإنسانية هو تفريق سياسي أحدثته علاقات معينة ترتبط من حيث الجوهر بالواقع المميز والأحداث الاجتماعية وشروط الجماعية ، وتركيز قوة القانون واعتباره مصدراً من مصادر الإمتلاك الفعلي للعقل إنما هو في حد ذاته غموض وتصوف للقومية باعتبارها ذلك العقل في مستوى الجماعة ، إن التناقضات الحاصلة في موقف الناس تجاه الإنقلابات والأحداث والحروب ينشأ من نفس النزعة القائلة بالتركيز على الجانب الخاص والحركة الخاصة وبتغذية مركزّة من قبل الفلاسفة والمفكرين الذين شنّوا في فترات معينة سلسلة من الإنتقادات والتميز ( فبيرك) الذي هاجم الثورة الفرنسية اعتبر الثورة الأمريكية أمتداداً طبيعياً للأمة الإنكليزية نشأت وتطورت عبر التاريخ مع سعة في المساحة والسكان وهو اتحاد أوجدته العناية الإلهية بين الأجيال الماضية والحاضرة والمقبلة (1)

إنَّ الجدل حول مفهوم القومية سيظل رازحاً تحت تصورات خيالية أوجدتها عقول لم تعتقد هي في صحتها وإذا كان موقف الفلاسفة والمفكرين غامضاً وباتجاهات متعددة فإنه بداهة كانت النظرية الديالكتيكية عاجزة عن توضيح المفهوم القومي لدى الأمم وإذا كان ( هيجل ) وضع قاعدة فلسفية عن تمازج بين روح العلم والعقل والطبيعة والتاريخ لتؤلف شيئاً واحداً ، فإنه بلا شك لم يوضح في كتابه فلسفة الحق وفلسفة التاريخ الواقع الانتزاعي لفكرة الروح القومية والمشاعر الإنسانية فلا حقائق التطور التاريخي ولا نفس الإبداع الإنساني أوضح جوهر الصلة بين القومية والقانون ولا يصح اعتبار القومية أعلى صيغة مقدسة قانونياً فذلك هو تحطيم تدريجي للعقل الإنساني الذي يمتد مع العرض النوعي لبني البشر ولو فسر الأمر القومي على صيغة القوة العقلية وإدراكها فإنه يقتضي خروج إلزامي على مبدأ تطور التاريخ وفلسفته وهو خروج نحو المبدأ الميتافيزيقي لتبرير المنهج القومي كشعور ومشاعر وهذا المبدأ يرفع المفهوم من الصورة العرضية لاعتبارات اللغة والعنصر إلى نفس الروح المبدئية صاحبة تحقيق مطلق القدرة القومية ، ولهذا فعجز تحقيق المفهوم القومي بالطريقة الميتافيزيقية هو في الواقع جواب على أنَّ الأمة ليست روحاً ميتافيزيقياً أو نفسية سيكيولوجية تسمو على الأفراد وتعلو عليهم لأن الأفراد هم الذين يكونون الأمة ويمتلكون بصورة مشتركة تقاليد ومؤسسات عضوية جماعية وهذا لا يعني تحولهم إلى ذاتية حية أي إلى كيان جماعي (1)

وهذا الاحتمال نظري إذ يجعل الأمة حالة دائرة مدار قوة الأفراد في تكوين الأمة وعبر إراددة  أيديولوجية وفلسفية خاصة تلتقي لدى السياسيين القبول الإلزامي لفكرة ثبوت الرأي الخاص في الإثارة الدعائية والكسب السياسي تجاه حالة من حالات الأمة الخارجية والداخلية والإستفادة من خلالها في جعل نفس القبول قانونياً له شروط ثبوتية الإرداة الجماعية إلى خضوع وعدمية للإرادة الفردية وهذا هو عين التناقض إذا كان المقصود إخراج الأمة من دورها العضوي .

2 الظروف الطبيعية المادية : أي أن الذي يحدد الأمة هو التربة والمناخ والحدود الطبيعية وقد ثبت بطلان هذا الرأي عند أصحاب النظرية الميتافيزيقية الناظرة إلى الروح لدى الأمة واعتبارها فوق كل اعتبار يتعلق بالعلاقات المادية المعينة .

3 طبيعة الإنسان المادية والروحية : أي أن جذور القومية بدأت بالحنس والقبيلة والدم والغريزة ، وهذه النظرية أيضاً اعتبرت باطلة إذ الواقع كان إنسانياً وليس فئوياً وما العلاقات القومية إلا صورة سياسية هادفة للسيطرة وتحكيم القوى حسب المبدأ الانتزاعي المحمول بدوافع الأمر في الإثارة المعكوسة تجاه الناس الأخرين .

4 المؤسسات والحاجات الأقتصادية : أي أم الأمة نتاج للبرجوازية وحاجاتها إلى الأسواق والمكانة ، وهذا مالت إليه الماركسية الفلسفية في نظرتها للقومية والصراع من أجلها وسيأتي التفصيل .

5 الأمان والهيبة السياسية : أي أن نشأة الأمة نتيجة للكفاح من أجل البقاء والرغبة في السلطة ، وهذا حال الفاشستية الإيطالية بعهد (موسوليني ) والمانيا في عهد الرايخ (هتلر) وحزبه النازي .

6 اللغة : أي أن اللغة توحد الأمة داخلياً وتميزها وتفضلها عن غيرها من الأمم .

7 الحاجة الاجتماعية : أي أن الأمة تكونت نتيجة لحاجة الإنسان للحياة الاجتماعية ، وهذا الرأي مذهب الرومانسيين وأصحاب الخيال ، وعلماء الإجتماع القائلين بأنَّ الإنسان كائن اجتماعي بالطبع .

8 التاريخ : أي أن الأمة نتاج لتاريخها المشترك .