ب -  القومية :

كان (بويد شفير )  من المهتمين بدراسة القومية ومفرداتها ومضامينها السياسية والإجتماعية والنفسية ، وكان تعريف (باسكال) للقومية في (تورين) من التعاريف المنوطة باهتمام خاص إذ يقول :

بأنها مجتمع طبيعي من الناس والوحدة الإقليمية والأصل والعادات واللغة يربط بين أفرادة تشابه عام في الحياة والضمير الاجتماعي (1)

إن هذا التعريف من التعاريف الجامعة لمداليل ترتبط بأصل اللفظ ومطابقته للمعنى واقعياً ، وإن كان هذا التعريف في سنة 1815 إلا أنه أشار ضمناً إلى روح التألف المكون للوحدة بين الناس إقليمياً ، ومن هنا تشعر بأن الإقليمية منشأ صاغته عقول بني البشر لتركيبة سيولوجية تتعلق بعلم اجتماعي معين الذي يعتبر صاحب التصنيف النظري للواقع ومفرداته السياسية ، ولكننا نخالف القائلين بأن مبدأ القومية فكرة وليدة القرن الثامن عشر بأحداث الثورة الفرنسية (1769 ــ 1770) وإن كنا نقول باستخدامه في القاموس السياسي ومفرداته في ذلك التاريخ ، لأن هذا الشعور استحساني لا موضوعي ، إذ إن فكرة الانتماء الطبقي أو القبلي هي في الواقع فكرة  تعتمد بالدرجة الأولى على أسس وحدودية جامعة كالأرض واللغة والمعتقد ، ولكن مفهوم القومية ــ أكاديمياً ــ صيغ بمفردات توافق روح التسمية على أساس طابع الولاء الدائر مدارها ، ولو حاولنا على أساس فلسفي أنْ نجد للقومية مصداقاً عقلياً فإننا سنواجه حتماً بالدور الإنساني المطلق الذي يعتلي فوق كل ترجمة أو فلسفة حادثة تعبر عن جزء الإنسان وعمومية الجزء في امتلاك كلية المطلق إذ ذاك تعارض موضوعي بين الواقع الفلسفي والبحث الأكاديمي العلمي ، ونحن لا نؤمن بالحتمية التأريخية ولا المصالح القادمة بالقهر ، لأن ذلك نظر على أساس ذاتي محدود الهدفية ، ولأجله فالتعامل تابع بالضرورة إلى نفس الطريقة أو الحاجة ذات المصلحة المعينة .

إن القومية شعورية تلهبه عوامل التحرر ونشوب الحروب والأخطار الخارجية التي تهدد الكيان العقائدي للأمة ، ولو اعتبر الأساس الفلسفي لها هذا الاعتقاد لكانت إيجابية المنهج ، ولكن الشعور القومي نزعة نحو غربة الذات البشرية .

ويقول شيفر : لعل القومية تعني في الوقت الحاضر ما يأتي :

1 حب الأرض المشتركة أو العنصر المشترك أو اللغة المشتركة أو الثقافة المشتركة . وفلسفياً أنَّ الاعتبار نسبي في الهدف القومي ، ودخول النسبية في الهدف الكلي مصداق لانحلال الهدف من رأس .

2 أو رغبة في الاستقلال السياسي للأمة وسلامتها وهيبتها .

3 أو إخلاص غامض لكائن اجتماعي مبهم يعلو على الطبيعة يعرف احياناً بالأمة أو الشعب هو أكثر من مجموع أجزائه كلها .

(والأمة مجتمع محلي وليست مجتمعاً ، وكلمة الأمة مشتقة من الكلمة اللاتينية المأخوذة من فكرة الولادة ، ولكن الأمة ليست شيئاً بيولوجياً مثل الأجناس بل إنها شئ اجتماعي أخلاقي ؛ أي أنها مجتمع بشري محلي يقوم حقاً على الولادة والنسب بكل ما في هذين المصطلحين من مدلولات معنوية ، ما تلده الحياة العقلية والنشاط الحضاري والنسب في تقاليد الأسرة والتكوين الاجتماعي والقضائي والتراث الثقافي والمفاهيم والمعتقدات والعادات المشتركة والذكريات التاريخية والآلام والمطالب والآمال والميول والمضايقات ) .

وهذا الارتباط تصريح تكويني لمنشأ القوة والفعل في أسس البناء الأممي ، إذ الأمة نتاج طبيعي لتوالد في الحياة العقلية ضمن قانونها الطبيعي مع امتلاك حضاري لأسس القانون في الانتفاء والنفس والحضارة .

إنَّ (ماريتان) هنا أوضح فلسفة الوجود الطبيعي لظاهرة الأمة من خلال ذات الوجود العقلي والعمليات النسبية الدالة بالفعل على التوالد في هيئة التكوين الاجتماعي ، وهو بذلك يعزز بذلك النظرة القائلة بأن الأمة نتاج طبيعي لفكرة التوالد الحر في مصدر الوجود الذاتي الطبيعي . وأما فكرة الشعب ذاتها فإني أقول إن المفهوم الحديث عن الشعب له تاريخ طويل وأصول متفرعة عن معان فريدة في تعددها تجمعت كلها في معنى واحد ) غير أننا عندما نأخذ المدلول السياسي للكلمة يكفينا أن نقول إنَّ الشعب هو عبارة : عن حشد من الناس متحدين تحت راية قوانين خاصة وتربطهم روابط متبادلة ويعملون من أجل المصلحة العامة لوجودهم البشري ليكونوا المجتمع السياسي (1) .

4 أو عقيدة خلاصتها أن الفرد لا يعشق إلا من أجل الأمة مع ما يتبع ذلك من أنَّ الأمة غاية في نفسها .

( وهذه العقيدة انجرار لفظي سبق من مداليل العلاقة التكوينية لأصل الأمة وهو استنتاج يلغي دور المفهوم الخاص للعقيدة التشريعية المتعلقة بالبناء الايديولوجي للفرد وللأمة . وهو أصل وجود مبدأ ذات العقيدة في الفكر الإنساني ، ولا يعقل  ارتباط في مندوحة أصل العقيدة الجامعة بين الأمة كغاية في نفسها والفرد كجزء مكون للأمة واحتياجه الضروري لها إذ لايعقل وجود الجزء وانتفاء مصدره ، وفي اعتقادي فإن المشكلة تتركز في أصل تلك العقيدة والأفكار الزائفة المتعلقة بمفهوم الأثر التابع والمتبوع ، إذ ليس الاعتقاد إلا إصلاح الأحوال الاجتماعية الواجبة في تشكيل المنتظم الجمعي للفرد والأمة ، ونظراً للخلط الغريب بين المصطلحات أعتيد على تسمية الكل بأسم الجزء وإن كانت التسمية إضراراً معنوياً للمدلول السياسي في العقيدة الفكرية اجتماعياً .

ولذا فإنني أستطيع القول بأنه ليس هناك من ربط متعلق بقانون عقيدة في نظر الفلسفة السياسية يمكن اعتباره خلاصة عقيدية لغاية الأمة ولوجود الفرد ، أي أنه لا يوجد حق طبيعي يمكن تسميته بتغليب مبدأ وجود الأمة كحاجة تعميم مبدأ وجود الفرد المرتبط بذات الحاجة إلى نفس غاية الأمة . فالحق الطبيعي ليس ملك الفرد أو الأمة وإنما هو حق الله الذي يعلو الاعتبارات جميعها ) .

5 أو أن يعتقد القومي ، بأن أمته يجب أن تسيطر على الأمم الأخرى سيطرة كاملة . أو أن تكون لها   الكلمة العليا على الأقل ، بل وأن لأمته أن تتخذ الخطوات الحاسمة الكفيلة بتحقيق ذلك .

( وهذا الاعتقاد نزعة خاصة نحو الذاتية والإيمان بالجنس الخاص وتغليب مفهوم السيادة القومية ذات الجنس المعين على باقي الأجناس التي لا تمتلك نفس مؤهلات ومزايا ذلك الجنس . والتغليب جاء لاعتبارات ترتبط بنفس التفكير المادي للقومية أو المفكرين القوميين الذين أشادوا بدور البيولوجيا واعتباراها مصدراً فعلياً مهماً في عملية الاختلاف التصنيفي في الجنس البشري .

إن المبدأ الدارويني (بقاء الأصلح) الذي أسيء استعماله يرتبط بهذا الأمر في غالب الأحيان وقد وصف (جميس برايس) تزايد الشعور بالعزة القومية الذي أدى إلى الكفاح من أجل الحياة ، إنما هو فكر تعززه مبادئ ايديولوجية وقوى تكنيكية قادرة على ممارسة نفس الحق الطبيعي في كسب القدرة والهيمنة داخل نظرية الانظمام التي تعتبر إفرازات طبيعية في القانون الوضعي لنظرة القوميين تجاه العلاقات الاجتماعية والسياسية والنفسية ، والقصور الإرادي أو القوة التي تؤثر سلباً وإيجاباً في تعزيز نفس مبدأ الغلبة القومية الذي تمليه قوانين العلاقات الذاتية بمصادر الاستغلال الاجتماعي لأقوام بني البشر .)

إن المؤثرات التاريخية التي عملت في تكوين الأمة والقومية عديدة ومعقدة غاية التعقيد ، ولقد عُبَّر عن بعض الحقيقة فيما كتب في عام (1836م) .

بأن الأمم (تكونت تدريجياً نتيجة عوامل متعددة مثل تنظيمها الأول ومناخ بلادها وتربتها وقوانينها وعاداتها وآداب سلوكها والأحداث والمصادفات غير الاعتيادية في تاريخها والخصائص الفردية التي تميز بها عظماؤها ) (1) .

ولكن هذا في الواقع كان فرضية ذهنية ليس لها دليل موضوعي على الخارج إذ هناك مؤثرات وعوامل سياسية واقتصادية وسيكولوجية ساهمت في إحداث عملية صنع الأمم ، ولهذا فالدولة القومية أو التنظيم السياسي الخاص بالأمة ظهر إلى الوجود وتغلب إلى حد ما لأسباب عديدة أحدها أنه يلائم التنظيم الاقتصادي .

( إن آراء ــ ستالين وماركس ـــ التي تؤكد على الناحية الاقتصادية وحدها تشبه رأي ــ دزرائيلي ــ من حيث بساطتها الشديدة ، وتعريف ــ ستالين ـــ للأمة هو : جماعة مستقرة تكونت تاريخياً من لغة وإقليم وحياة اقتصادية ومزاج نفسي تمثل في ثقافة مشتركة ) (2) وهذا التفسير من الوجهة الاقتصادية البحتة مما يولد انتزاع مفهومي نسبي عن تشكيل الآمة وهو انتزاع مبني على قاعدة تفرق الكل حسب أجزائه العضوية . وهو ناظر حال كون الصيغة التكوينية لنتاج نفس التجربة في الامة الدور الاقتصادي الحيوي والفعال ، ولكن تعليل انطباق التكوين على أنه حالة تتبع الضرورة في التأثير المكون وعوامله فيقتضي عدم ركون إطلاقي لمحتوى كون الانتزاع إنما هو تجسيد للعامل الفعل في التكوين الأممي .

إنَّ أحد دعاة القومية المشرع الفرنسي (جان جاك روسو) الذي يدَّعي بأنَّ الإنسان فقد إنسانيته بتبنيه (العالمية) ويقول متشكياً من العالمية الشاملة التي كانت مبادئها سائدة آنذاك :

(إذا أسبغت صفة أخرى على عواطف البولنديين تكون قد منحت أرواحهم وجهاً قومياً يميزهم عن الشعوب الأخرى ويمكنهم من الذوبان فيها ، وهم إذ ذاك يتخلون عن الأفكار وينبرون للإبداع  والخلق كالأمم الأخرى ) (3)

إن روح التشاؤم واللاجمع في الكل الإنساني ربطت القوة بتيار الضعف ونفس الاستنتاج ببراهين التجربة ، وإذا كان (روسو) يعتقد أنَّ الإنسانية العالمية لا تحقق هدف الأمة فيما يتعلق بالحاجات الضرورية والمبادئ الإيديولوجية فإنه بلا ريب كان ينظر بزاوية خاصة وحرجة وليست فكرية تعتمد صيغة الأسس والمبادئ التي ترتكز الإنسانية عليها .

ولعل (غوته ) كان يعتقد بأن الإنسانية أسمى من الأمم فلأنه كان وثيق صلة بالفلسفة التي تعتمد في تحديد الأطر العلمية نفس قوانين العلية ، التي تثبت المعلول من علته .

صحيح أن ( روسو) كان قد احتكر كل داينميكية القانون من أجل منفعة الجماعة القومية وحدها ، لكنه وفي أصل التفاوت مال حيث المبدأ إلى قوانين الطبيعة البشرية واعتمد في نقده على نفس الأسس الإنسانية الكبيرة ، وهو بذلك يخالف ما ذهب إليه (هوبز) بأن الإنسان شرير بطبعه .

ومع اعتقادنا بأن آراء (روسو) كانت حرجة في مجال الاستدلال كانت ضيقة في مجال الأمثلة وحجية المصداق ، إذ إن براهين التجربة العقلية تثبت أنَّ مصدر كل الاعتقادات هو الإنسان ومنه ينطلق إلى العالم الأكبر فهو يضم مجموعة نظم أخلاقية وفكرية واجتماعية وسياسية ونفسية واقتصادية ، وهو ذاته يدلل على صدق النظرية في المعتقد تجاه المقيد .