14 - المسألة الحزبية في الإسلام :

لايخفى على كثير ممن أحاطوا بالعقيدة الإسلامية ومفرداتها بأنَّ صيغة النظرية السياسية هي جزء من المذهب السياسي العام الذي يشتمل على نظرة كلية تجاه الكون والحياة والحضارة والتراث والتقاليد مما يعطي للباحث تجربة كبيرة ترتبط بالعناصر الثلاث للوجود الطبيعي للبشرية وما يتبع ذلك ضمن الإطار العام للاختيارين العاملين بقوة في أثر التكوين للمذهب .

إن المنهج المنطقي للحركة السياسية في الإسلام يقوم بالدرجة الأولى على فهم سيكولوجي ورومانسي للطبيعة البشرية التي هي جزء لاينفصل عن نظرة الإسلام للإنسان ككائن سياسي مدني يقيم علاقاته حسب الحاجات الفطرية والعملية الحياتية القائمة على نسق مشترك واحد .. تعززه التجربة وتثبته المبادئ ذات القيم الخالدة ! .. وبعد  ما تقدم نقوم بالتنبيه  على رأي الإسلام بالمسألة الحزبية  في النظرية وفي التطبيق . ويلزم في البدء التفصيل بين الحزب في الجهاد والنضال السلبي . والحزب في الدولة والحكومة .

فمن الوجهة الأولى ؛ تثبت تصاريح العلماء وممارساتهم إلى ضرورة وجود العمل التنظيمي في كفاحة ضد الطاغوت أستناداً إلى عدة روايات وأحاديث دالة على ممارسة الكفاح المنظم في إطار الإسلام ، فالجهاد الشعبي في مراحل الإعداد لتشكيل الحكومة يحتاج إلى موجهات ونظم سياسية ذات قدرة في الفعل داخل المجتمع من أجل توجيهه باتجاه قضاياه المصيرية ، ومن هنا أفتى كثير من علمائنا أصحاب التجربة السياسية إلى دور الحزب في عملية المساهمة الجادة في إسقاط الحاكم الظالم مستندين في فتياهم إلى حجج عقلية تقتضي في ممارسة الحق المشروع في رفع الحيف عن الجماهير ، وحجج نقلية جاءت تصريحاً أو تقريراً أو فحوى خطاب للمجتمع من أجل استخدام الوسائل المتاحة والممكنة لتغيير البنية الهيكلية للنظام الدكتاتوري ، وذلك بلا ريب يحتاج إلى دور وفلسفة وممارسة تستخدم الوسائل السيسولوجوية والسيكولوجية في توظيف الطاقات الجمعية من أجل الهدف المنشود ، وبالتالي فلا أحد يشك بأن الحزب ضرورة سياسية في فترة الإعداد لتشكيل الحكومة العادلة لأن عملاً إيجابياً ليس منظماً ومبرمجاً أقرب إلى مفهوم الفوضوية منه إلى الإعتباط .

ولأن الدين الإسلامي دين الحياة فلهذا يؤكد التزامه الدائم بفكرة المناهضة المطلقة للظلم وعبر كل الوسائل والقنوات الثورية الإعلامية والعسكرية والسياسية ، وهذه بطبعها تعزز الموقف الرسالي للأمة وتبعث في المجتمع زخمه الكامن المتحرك ، ومن هنا فالأصالة الاجتماعية ليست غاية بقدر ما هي اندكاك معلن وصريح بالأصالة الفردية القائمة على توافق انسجامي طبيعي لتحقيق الهدف الكلي والأصالة المطلقة في الإيجابية العملية داخل البناء السياسي .

وحسب تلك الحدود فالمسألة ليست خلافية ولا قائل بدعوى الترديد ، لكن الأمر ــ جدلاً ــ يخضع بالضرورة إلى الظروف الموضوعية الواجب توفرها لوجود تشكيلات حزبية ، والتي تلزمها الصيغة العلمائية كحد اعتباري حقيقي يرسم له خطوطه العريضة في المواجهة . وموضوعياً أن الصيغة تدل على تجمع الفصائل المؤمنة بحركة العقيدة  والتشريع بين المجتمع ، والإعداد الأصولي للوقوف بوجه كل انحراف أو تصور قائم على فرضية خاطئة يراد لها أن تكون ذات مصداق منطقي اجتماعياً .ولأن الخير العام لا ينتشر إلا من خلال المجابهة واستخدام فن المهارة السياسية المستخدم بيد الأعداء ، واللازم له قدرة دعائية ذات أثر إيجابي تجاه المجتمع ، وسلبي تجاه الأعداء .

فحينما تؤمن الأمة ــ على قدر ما ــ بالعدالة والمساواة فإن تحقيق ما تؤمن به الأمة أمر له مقدماته وأطره المبرمجة القائمة على الصعيد الثقافي والصعيد السياسي . وليس ذلك أمراً تحققه الرغبة دون العمل والممارسة ، وليس العمل صيغة تدلل على قدرات فردية ومؤهلات عقلية خاصة ، بل هو تجمع جماهيري منظم تقوم الأمة من خلاله بأداء دورها تجاه الهدف وتجاه القضية مما يشكل للعموم وضوحاً في نفس المطلب وتأكيداً إلزامياً على تحقيقه ، مما يولد فلسفياً نظرة تجاه مبدأ العدالة وأنه جزء لازم التحقيق في ظروف تحقيق مبدأ الحرية ، وهذا ولاريب مرتبط بصيغة النظام ونوعه ، ولا قائل بالتحقيق دون حكومة عادلة . وكما أنه من الضروريات أنَّ مبدأ العدالة اجتماعي يرتبط بالوظائف والعادات والقيم والقوانين والأحكام التشريعية والدستورية ، وكل ذلك دال بالطبع على لزوم الحاجة التغييرية في الواقع الاجتماعي الذي يلزمه القضاء على الطبقية والسيادة الفردية والحزبية الدكتاتورية .

إذن فالحزب في الجهاد السياسي ـــ قبل نشوء الدولة والحكومة ـــ أمر لازم وضروري وتعتبر ضرورته قائمة بدرجة القيم الإنسانية الكبيرة الواجب تحكيمها عقلاً وشرعاً في المجتمع ، وقد دلت كثير من المدونات على لزوم وجود الظاهرة الحزبية في سبيل إيجاد وتشكيل حكومة الإنسان والمواطنة العادلة .

أما من الناحية الثانية : الحزب في الدولة والحكومة . هنا لابد من الأعتراف بتضارب الأقوال والآراء عند جمع من المفكرين والفلاسفة المسلمين ، مما يوضح بالنهاية رجحان كفة أولئك الذين قالوا بإنتفاء ظاهرة الحزب في الحكومة ، مستندين في ذلك على طائفة من الوقائع العلمية والعملية الموجبة ، والقائلة بأن الحزب في الحكومة سيادياً هو قهر لعموم الحريات وممارسة سلبية للقوة ، لأنه يلزم قبول قهري بمقررات الحزب وأفكاره السياسية والاقتصادية والعسكرية ، مما يجعل الحرية رهناً معلقاً قيده الانتماء للحزب الحاكم وبذلك تنتفي حاكمية الشعب والأمة ، وهذا الرأي تكاد تكون فكرته علمية من الوجهة التطبيقية ولكنه نظرياً قابل للرد .

ولأنه يفترض شرط ثبوت الحكومة الارتكاز على الجماهير والتي تشكل العمق الإستراتيجي في إدارة وتنظيم الدولة ، والإسلام كنظام يعبر عن النظرية الإلهية في الحكم القائلة بالتناسب بين طموح العقيدة وتوجهات الأمة . وهو تناسب طردي كما تشهد بذلك آراء أهل الميزان .

لأن الحكومة في الإسلام هي حكومة كل الشعب والعبرة عن آماله وطموحاته . وبالتالي فلا ضرورة لازمة تقيد الحكومة بهيئة اعلى منها لأنه سيولد تنافساً سلبياً الصعيد على الفطري ــ (كل حزب بما لديهم فرحون) ــ مما يولد صراعاً يسجل انتكاسات أعظم تجاه القرار الحكومي ويعطل التنفيذ والإجراء الشعبي في الدولة ، وبالتالي ينتزع من الحكومة صفتها الشرعية ، إذ يصبح الصراع داخل الحكومة ولغايات وأهداف خاصة وذاتية . ولكن كيف تعالج المسألة الحزبية في الدولة ؟ وأين ستذهب الأحزاب بعد تشكيل هيئة الحكومة ؟

هناك جوابان من الناحية الفعلية ، الأول يقول بتجميد كل الفعاليات الحزبية . وهذا الرأي له ما يؤيده وما ينفيه من الناحية الواقعية إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار مبدأ الحرية العام وشرط الاعتبار السلمي داخل المؤسسة الحكومية .

الثاني : يقول بأن الأحزاب أداة عمل إيجابي لتحقيق كامل الأهداف الإسلامية ، ووضع برامج ومسودات لنوع السياسات الخارجية والداخلية والإعلام والحركة داخل المجتمع ، والأمن والأنضباط ، وفي الحقول الأقتصادية  والثقافية بحيث تصبح شرائح متحركة بين الحكومة والجماهير ، وهذا الرأي له ما يبرره وله ما ينفيه خاصة إذا اعتبر مجال عمله كلياً داخل المؤسسة الحكومية مما يولد على الصعيد القطري والإقليمي توجهاً عبر ما يمكن تسميته وراء الرأي الخاص وذلك ممتنع حسب قوانين الحكومة الإسلامية دستورياً .

إذن فالمسألة الحزبية في الدولة يمكن ان تتخذ اتجاهين هما القبول والرفض حسب الواقع الموضوعي للدولة ..  ولكن تظل الحالة الدراماتيكية قائمة إذا ما أصبحت الظاهرة الحزبية معطلة لعمل الهيئة الحكومية . فالاقتضاء تحدده المصلحة الجمعية وتبرره القوانين العقلية والنقلية التي تصون الحق العام وتلغي الدور الحزبي او تجمده وهذا الواقع إما أنْ تقوم به الكوادر والأعضاء الحزبيون ،

 ومن هنا فالخريطة السياسية للدولة تحددها في الدول الديمقراطية الإنتخابات وإختيارات الشعب  ، وهذا بإعتقادنا
 هو العمل الإيجابي في السعي لتشكيل حكومة نزيهة 
وإن تم هذا فلا يقع التزاحم والتضاد الذي يربك عمل الحكومة وإدارة الدولة  ، وسعيها لتحقيق
 كامل الأهداف المختصة بها الدولة والحكومة معاً  ،  والاعتقاد هذا تعضده
 التجربة وتعززه الممارسات اليومية للدول ذات النظم الديمقراطية  ، ولكن في حال الحكومة الدينية والشيعية بالذات والتي تقوم أساساً على مبدأ ولاية الفقيه الذي هو بمثابة ولاية قامت على أساس أخبار أحادية وتطويع قهري لبعض النصوص ، كما يجب التذكير بان غاية الأحزاب الإسلامية هي
 الوصول إلى السلطة عبر شعارات الإستقلال والحرية والعدالة الإجتماعية  ، وهي شعارات مُضللة في الغالب لمن لا يعرف نمط وتشكل الأحزاب الإسلامية ،