12 نظرية الحزب الواحد عند الماركسية :

 تؤمن الماركسية وحسب مفهومها المادي للتاريخ ولعلاقات الإنتاج وللصراع الطبقي بضرورة وجود  الحزب الذي يمارس العمل سياسياً لتحقيق غرضه الفلسفي في امتلاك وسائل الإنتاج وحاكمية البروليتاريا باعتبارها القوى الحقيقة لامتلاك وسائل الإنتاج والمؤهلة نفسياً لقيادة المجتمع ولهذا رأت الماركسية من حيث المبدأ وعلى لسان زعمائها ضرورة تشكيل فصائل حزبية تكون قادرة على قيادة الطبقة العاملة لتحقيق غاياتها المنشودة ، ولهذا أوعزت الماركسية وصرح (لينين) بوجوب تنظيم الطلائع العمالية لكي يتسنى لها خوض غمار معارك القضاء على البرجوازية وتحويل السلطة إلى يد البروليتاريا بوسائل تخضع لضابط الميزان القدري للحكومة الواجب خوض الصراع تجاهها إلى مطاف الثورة واستخدام العنف لتحقيق الغاية .

وقد تم بمراحل هذا التطور وأصبحت قوى البروليتاريا فصائل حزبية منظمة سيطرت على جهازي الحزب والدولة وحولت كل الإمكانات إلى قيادة الحزب المجتمع إلى آلة تسخر لتكون طاقة في هذه الغاية مستخدمة في ذلك شتى الوسائل المتاحة والممكنة تارة بالعنف وطوراً بالمخاتلة والكسب الدعائي المحمول بالدفع السياسي مما يتيح للحزب السيطرة المطلقة على شؤون الدولة أي إلى دكتاتورية مقيتة وقد عبر (مشيلز) عن هذه الحالة قائلاً : إن الديكتاتورية إذا سادت فإنها تفرض نظام الحزب الواحد ، فنظام الحزب الواحد هو ظاهرة غريبة لأن الأصل في الحزبية أن تكون تعددية ، ولمن الديكتاتورية تحاول القضاء على هذه التعددية فتقضي كما قضى (فرنكو) في (اسبانيا) وهورتي) في (المجر) بأن يكون للطبقة العليا وحدها حزب يكون هو الحزب الوحيد او تقضي كما قضت الشيوعية في الأتحاد السوفيتي بأن يبقى حزب واحد هو حزب الطبقة العاملة (1)

وإذا كان انتصار الماركسية سنة 1917 إلا أنها عمدت لتطبيق برنامجها الحزبي بعد أن هيأت لوازم العمل في سبيل غاياتها . إن قرارات واجراءات (لينين) في تصفية المنشقين وحزبي المناشفة والإشتراكيين الديمقراطيين والملاحقات والإعدامات للتكتلات الحزبية والتجمعات النقابية إنما كانت عملاً موطئ لهدف تولي الحزب زمام السلطة في الدولة من دون السماح إلى معارضة إيجابية أو سلبية خارج وداخل الحزب ولو خرجت طائفة تريد تحقيق مطلب جماعي فإنها ستواجه بالعنف مع حملات دعائية من أجل حمل المجتمع لقبول ، أن فكرة الخروج إنما كانت بدوافع سياسية محضة تتعلق بمحاربة إيديولوجيا الماركسية لتحقيق مكاسب في تثبيت مركزية الحزب في السلطة وحمل الآخرين عن التنازل عن اهدافهم ونواياهم وقبولهم بفكرة الأمر الواقع بإيحاء دعائي بأن الخروج كان مخالفة صريحة لمبادئ الماركسية والقانون الدستوري للحزب الشيوعي وإذا كانت البلاشفة توطئ في اعمالها تلك فقد حقق خلفاء (لينين ) معجزة تثبيت حاكمية الحزب الواحد بقاعدة سلب الإختيار والإرادة من الجمهور  تحت ضغط الحرب النفسية والجسدية وتغليب مبدأ القوة في الحسم وتثبيت القانون فعلياً .

ولقد كان (ستالين ) من أبرع زعماء الشيوعية في هذا المجال ، ولكنه يظهر أن نوايا (ستالين) وإن كانت بدافع الخوف المعلن على الحزب لكنه واقعياً كان عملاً لتثبيت مركزية دور الفرد في السلطة وقيادة الفرد الواحد ومفردات حكم (ستالين) كشفت عن كثير من الغوامض في سياسية الحزب البروليتاري .

وقال (لينين) : نحن نعرف أن نظامنا لايحظى بتأييد كثير من المتذمرين بل اننا لا نسمح لهم بالتذمر فكل متذمر ضدنا هو في الواقع عدو لنا ونحن لا نرحم أعداءنا ولهذا لا نرحم المتذمرين (1) وهو لايحاول أن يكشف الغبار عن سبب التذمر بل لا يسمح بذلك ولأنه جرت العادة عندهم ان يهملوا شأن الضعفاء فالإهتمام كله مقصور على الأقوياء وحدهم والحزب ساحتهم فقط . مما يُسقط روح الفلسفة عندهم بين النظرية والتطبيق الفعلي لإرداة ومبادئ  المذهب الحزبي الماركسي .

ولقد ولدت أفكار (لينين وستالين) مشاكل كبيرة جاءت على أصل الماركسية وأثبتت بما لا يقبل الجدل أنّ ظاهرة الإنحسار والتخلف والإستبداد وألوان شتىَّ تعبر عن مدى عجز الماركسية في حكم الدول والحكومات فالإنشقاقات والتخلفات الكثيرة في دول المعسكر الشرقي مصداق عملي لانحسار ظاهرة نظرية الحزب الواحد ، فأحداث (هنغاريا وتشوسلوفاكيا وبولونيا ) تثبت العجز الذي تواجهه الماركسية في أصولها البنائية العقيدية مما يدفع بجماهير الشعب إلى رفض الماركسية من رأس ونظريتها السياسية في حاكمية الحزب الواحد .

 

 

13 نقد المبدأ الالزامي لنظرية الحزب الواحد :  أظهر (دونالد ماكراي ) شكه في الإفتراض الضمني الذي ظن أنه قد افترضه وهو ( أن الدول والمجتمعات والأحزاب الموحدة كانت ثورية ذلك بأنها أصبحت في نظرة راكدة وينشأ عن طبيعة الموضوع أن كل علم إجتماع ذي طبيعة جادة وعادة يجب أن يعني بما هو سياسي لأن السياسة كانت عادة أقوى من المجتمع ، وكان الحزب أداة السياسة الرئيسة وتاريخ الأحزاب الطبيعي ينبغي أن يعتمد على المبادئ البسيطة ) (2)  . هذا الإظهار دأب على تسليحه ساسة قديرون ومفكرون مارسوا عملية النظر إلى زوايا الحزب الثلاثة ، ولكنه إظهار يمتلك نصاباً من الإيجابية وشيئاً من السلبية .

ففي ما يتعلق بالناحية الإيجابية أظهر مسلمَّة تاريخية علمية بأن الوحدة والإنسجام بين المجتمعات والدول تؤدي إلى إنجازات ضخمة وكبيرة . ولكنه عاد ونقض الفكرة من رأس إذ اعتبر ذلك جزء أوهام الوحدة الثورية للمجتمعات لا تولد إلا ركوداً عملياً وليس هذا التعبير إلا تشاؤمية ناظرة إلى فحوى أمر جزئي لقضية في واقعة خاصة . لأنه ليس بالضرورة أنْ يكون علم الاجتماع بما هو علم ذي موضوع معين يعني بالمسائل السياسية ويكون حاكماً عليها فذلك توفيق استحساني راجع إلى عقيدة فردية فحوادث التاريخ تتحدث بإسهاب عن الدور المبدئي والعقائدي في تكييف علم الإجتماع إليها ضمن تصورات خاصة وقيم تملى إما من العالم الآخر أو الواقع الطبيعي يكون أثرها فاعلاً في القابلية الإلزامية ولكن شرطه وضوح نفس هذه التصورات لدى المجتمع ، ونفس الوضوح مبدأ قائم على الإدراك الفطري البشري الموجه . فلو صح ما اعتبرته الماركسية بالعامل  الحيوي في الحياة ، البشرية فإنها كحزب ملزمة أن توجه مجموع الآراء لقضية واحدة في حقل الإقتصاديات الواسعة وتعميم جميع التراتيب الإدراية والموازين الوظيفية تبعاً لموقف الجماعة أو الفرد  من القضية الإقتصادية في حقل البيولوجيا مثلاً أو الغنصولوجيا أو السيكيولوجيا فهي ترتب أثراً إقتصادياً بقرار حزبي يكون ملزم التطبيق في حقل المعرفة أو الإجتماع أو فلسفة العلم وما شابه وذات الحزب يضع مفاييس لقياس الانجازات والأعمال في شتى الحقول توظيفاً ديناميكياً لمبدأ الحركة داخل حدود المقررات الحزبية .

لكن هل إنّ الخلل والعجز سيدخل في نفس دور الإدارة ؟  أم إنه يعمم حتى على أولئك الخارجين عن الدور المقرر (أي طبقة المنفذين) ؟

يبدو ومن خلال تتبعي لدراسات وأبحاث مفكري الحزب الشيوعي يعلقون جميع الإنحسارات إلى طبقة المنفذين والمجرمين للقوانين الحزبية ويعتبرون الخلل إنما يقع بسبب سوء فهم تنفيذي ولكنهم لا يعطون جواباً عن كيفية نشوء سوء هذا ؟ إن أحداً لا ينكر أن نظرية الحزب الواحد هي استبداد معلن ودكتاتورية ظالمة توجه الإرداة الجماعية تبعاً لرأي زعيم الحزب ، ولكن سبيقى السؤال على حاله ، متى تعلن الدول ذات الحزب الواحد قرارالعفو عن حريات وحقوق الإنسان التي تضطهد بسبب موقف دال على معارضة خفية ؟ إنه مجرد سؤال ّ