10 الاستعمار والعقل الماركسي

 إنْ الفلسفة المادية الناظرة  إلى الوجود بما هو أمر ثبوت تحقق الشئ عبر قنوّاته الثابتة ، تقتضي بأن المتعلق السياسي والمفهوم الكوني لها هو جزء انجرار لمفهوم الفلسفة المادية للواقع وللكون ، لأنها إذ تفسر الكون بما فيه من حقائق بيولوجية وعضوية أخرى تبعاً لمبدأ الذي يُؤمن به الناظر إلى كون الكل الكوني عملية اتساقية مترابطة ، ومع اعتبار الماركسي طرفاً من الأطراف التابعة للفلسفة المادية ، ونعلم بالواقع أن الماركسية إنما هي فلسفة تطور وسائل الإنتاج وعلاقاتها الإجتماعية وأثرها في القوانين الإقتصادية المتبادلة بين المنتج والمستثمر ورأس المال وعلاقة ذلك كله بتطور المجتمع فإن نفس تلك القوانين عاملة سياسياً على توظيف صيغة التطور والتناسب الحاصل بين وسائل الإنتاج وإنتاج المجتمع هو تناسب على أساس كلية المفهوم الماركسي للمجتمع ولا يشذ عن هذا كله العلاقات الإنتاجية ، بصيغتها السلبية في الوضع السياسي السائد بين الطبقة الحاكمة والطبقة المضطهدة :

فالأولى تمثل البرجوازية التي تستهلك قوى الطبقة العاملة وتوظف كل طاقاتها إلى كسب المنفعة الخاصة بالبرجوازية ، وان البرجوازية بما هي طبقة ذات رأسمال واسع تلجاء من اجل استثمار أكبر حصص ممكنة في أزمنة مختلفة تحقيقاً لشرط توسيع رقعة الإستثمار الطبقي من خلال الشركات الإحتكارية او الحكومات البرجوازية لتمكين الرأسمالية من إيجاد أسواق أستهلاكية لمنتجاتها الخاصة وهذا ما يتطلب عنصراً فعالاً في سلب القدرة لدى أصحاب تلك الأسواق عن طريق وسائل سياسية ودعائية محمولة بدافع التوظيف المبرمج والاستثمار الإقتصادي ذي المنفعة العامة ، وذات الأمر سياسي فعلي يعمل على التوسعة والتجزئة وحق الإستخدام والممارسة في الدول الأخرى .

ومن خلال هذه النظرة رأى (ماركس) أنَّ الإستعمار مفهوم اقتصادي رأسمالي هادف إلى تقويض ركائز المجتمعات إلى أداة منتجة لرأس المال ،

وخصص (ماركس ) كل لون سياسي جامع بين المصطلح والنظرية إنما هو استعمار لوسائل الإنتاج الإجتماعية وتوظيف كل الرساميل إلى صيغة قبول إلزامي بواقع الإستعمار البرجوازي فهي إذ :

أ تسيطر سيطرة كاملة على وسائل الإنتاج تحول المجتمع اقتصادياً إلى عامل من أجل تمثيل الرأسمالية أي استثمار الإنسان وهو أمر تسعى لتحقيقه البرجوازية فالملكية الخاصة ووسائل الإنتاج والمعامل والماكينات كلها خاضعة بالضرورة إلى البرجوازية وبذلك تدحض مقولة الرأسمالية في العدالة والمساواة بوجه عام ، وهذا بحد ذاته غبن في تشكيل  المجتمع واسبابه التطورية .

من هنا قال (لينين) : (الرأسمالية تظلم البروليتاريا وتستعبد جماهير الشغيلة ، وفي الرأسمالية تكون الديمقراطية مقيدة ، مكبوسة ، بتراء يشوهها كامل ظروف عبودية العمل المأجور وفاقة الجماهير وبؤسها (1) .

إذن فالاستعمار كلمة دالة كما يوحي مفهومها الماركسي على تسلط البرجوازية على وسائل الإنتاج وجعل المجتمع واقعاً بالفعل والقوة تحت مطرقة ظلم البرجوازية وسلوكها الإنتهازي الداعي إلى سلب الحرية الإجتماعية وممارسة الجماعة لدور الإنتاج الاشتراكي .

ب يبدو أنَّ صيغة الإستعمار ليست حالة شكلية نفعية إذ إنها بالمحتوى السوسيولوجي تعتبر حاكمية سائدة لطبقة أو لفئة ذات دوافع وأهداف خاصة تبررها سياسياً مصلحة الطبقة الحاكمة ، وهذا التبرير إما يتعلق بالمستوى الاقتصادي للفرد وللجماعة ودور الطبقة الحاكمة في توظيف الرساميل البرجوازية ، من أجل كسب نفع معين يرتبط بالوسائل الانتاجية والاجتماعية ، أو انه يتعلق بالمستوى الإجتماعي السياسي الذي يربط بين الدوافع الذاتية والإجتماعية ويحاول تخصيص المنهجية بالسلوك الدعائي المحمول على دور الحاكم دعائياً في انتفاء شرطية الإستثمار الدال على الإستعمار الاقتصادي .

وهذا ما رآى (ماركس) في نقد الإقتصادي السياسي بطلانه (إذ إن الإستثمار والإستعمار مصطلحات سياسية يوحدها المعنى الدال عليهما اقتصادياً ، لعلاقة اللفظ بالحالة الاقتصادية ووسائل الإنتاج والشغيلة والأرض والملكيات وكل أدوات العمل الاقتصادي (1) إذ أنه لا يرى معنى كلياً أو حتى جزئياً يمكن من خلاله الحكم على أنَّ الاستعمار ليس حالة دالة على ثبوت حاكمية البرجوازية على وسائل الإنتاج .

ج الإستعمار في سياق التاريخ  بوصفه ضابطاً ــ كما ترى الماركسية ــ أصيلاً للعلاقات بين الناس وشكلاً خاصاً للإدراك الإجتماعي ، وعليه يبرز تقييم المجتمع للإسعتمار بصفته تقييم إجتماعي لواقع الفرد في ظل البرجوازية ، أي بصفة تقييم للظرف الاجتماعي .

والبرجوازية تصنع الاستعمار وتحافظ عليه ، وهذه موضوعة علمية تتيح فصل موقف المادية التاريخية عن النظريات الدينية والمثالية بصدد الإستعمار .

إن الماركسية هي التي برهنت أن الاستعمار إنما هو صورة التناقض الطبقي في المجتمع ودور البرجوازية في ذلك وهو برهان قائم على أسس علمية تاريخية مصدرها نظرة المجتمع البرجوازي إلى أسس العلاقات الواجبة بين المنتج والمستثمر فبما أنْ بنية المجتمع بالمذهب الماركسي ومصالحه يشترطها النظام الاقتصادي للبناء التحتي فإن الاستعمار يحدده الاقتصاد في أول المطاف .

إنْ نظرة الماركسية نحو الاستعمار هي نظرتها الفلسفية القائمة على مفهوم البروليتاريا عن العالم ينشأ منه الصيغ الإنفكاكية بين التطور الإجتماعي المزعوم ودور وسائل الإنتاج وتغير البنى الإقتصادية .

إن الاستعمار ظاهرة ليست قائمة خارج حدود التاريخ . ونحن مع إنكارنا لهذه العلل والتحليلات لكننا لا ننفي جدلاً ان الفوارق الطبقية والمصالح الاقتصادية عوامل اولية لتثبيت فكرة الاستعمار من الناحية الفعلية ، إذ إن الايديولوجيا والعقائد والمبادئ والأفكار السياسية كان لها شأن علمي في مسألة ثبوت ومصداقية وجود الإستعمار من الناحية العملية .

ولهذا يبقى مفهوم الماركسية للإستعمار مفهوماً ضيقاً إذ يرتب كل نتائج وأسباب الوجود الإستعماري ، على الحالة الإقتصادية ومصادر الإنتاج !

11- تصنيع القعل الماركسي

دار نقاش طويل حول النظم السياسية والإدارية وعن صلاحيات الهيئات الحاكمة ، ودور الإيديولوجيا في صياغة القانون وإظهاره بمستوى القبول العام من الناحية الفعلية .

إنَّ معطيات النظرية المذهبية والأطروحة السياسية الماركسية أثبتت من حيث الواقع والدوافع المركزية في سلوك وهيئة النظرية على المستوى الاكاديمي وأثبتت أنَّ هناك فارقاً بين الفرضية الذهنية والواقع الحياتي ، إذ الصيغة الإعتبارية برهانية بالمذهب الماركسي حول العلاقة المبدئية بين الوسائل والنظرية السياسية ، ومن هنا استطاعت الماركسية أن تلغي دور عوامل البناء الذاتي وأكدت فلسفياً على دور القوى الإقتصادية في المجال السياسي والإجتماعي ، وانبثقت عدة هيئات كان لدور الحزب أثر فعال في الإعداد والتهيئة لها ولا يغرب عن البال أن مجرد التفكير بدور حزبي فإنه يجر تصورات تتعلق أحياناً بالهيكل والواقع السياسي وأخرى بدور الحزب في عملية إدارة الدولة على صعيد قوى الإنتخاب الديمقراطي والبرلمانات ولكنه يظل ذلك الإستغراب ساري المفعول في نوع القيم الخالقة والمكتشفة لدور القوى الداخلة في عملية الإدارة تلك .

إن التصور وحده لا يكفي طالما ونحن ندرس المادة العلمية لذلك التصور وعلاقتها بالعوامل والركائز التي تعتبر أبنية رئيسة في عملية الإدارة المنظمة ، لهذا اقتضى علم الاجتماع تنسيق أطُر المفاهيم الجوهرية لصناعة العقل الماركسي السياسي ، وهذا الاقتضاء داخل من حيث المبدأ طائلة النظر إلى مستوى القيادة ودورها ومصادرالقوة والثروة وما إلى ذلك من مؤثرات تعتبر إلزامية لتغيير البنى الإجتماعية إلى دوافع سياسية حزبية ومن هنا كان لزاماً أن ندرس ما يلي :

1 البناء التحتي والبناء الفوقي للماركسية .

2 الحزب ودوره في تنظيم الأفكار السياسية .

3 المعارضة وأثرها في القرار السياسي .

4 مدى تأثير الواقع الحزبي على تطبيق المذهب من الناحية الفعلية .

5 نشوء مبدأ الإنحسار السياسي داخل نظرية الحزب الواحد .

أ البناء التحتي والبناء الفوقي  : البناء التحتي يعني الركائز الإقتصادية للمجتمع . أي العلاقات في ميدان الإنتاج والتبادل والتوزيع .

إن هذا التفكير ناشئ من العلاقة الجدلية بين الوصف النظري للمواقع الإقتصادية والأطروحة الفلسفية للمادية الماركسية . إذ يعتقد (ماركس )  أنَّ برامج العمل بين دور الوسائل المنتجة والحالة الآقتصادية إشعار بانفصام طبقي تعزز البرجوازية وجودها من خلال ذلك التناسب وتطرح برنامج العمل الرأسمالي مما يولد في المجتمع شعوراً بدفع لا أختياري نحو كسب المنفعة وسحق القدرة العاملة وتوظيف الناتج لصالح البرجوازية .

من هنا رأت الماركسية أنَّ الإقتصاد هو في الواقع الهيكل العضوي للمجتمع وبه يستطيع المجتمع أن يقف ويتحرك ويتفاعل وينتج ، لأن الملازمة الرابطة للأعضاء هي ذلك الإنسجام السوسيولوجي القائم على تفكير مادي للمجتمع الذي ينبغي إدراك أنَّ واقعة إنما هو نتيجة لوضع إقتصادي سائد وهو بذلك مؤثر سياسياً على الوضع الإجتماعي إذ امتلاك وسائل الإنتاج يعني تسخير أكبر عدد للعمل ضمن هذه الوسائل التي لها القدرة على إيقاف وتحريك المجتمع تصاعدياً وتنازلياً ، وارتباط ذلك أرتباط جدلي يخضع لموضوع القيم الإجتماعية وأثر الوسائل الإنتاجية فيها .

فلو تسنى للماركسية أن تبني نظامها السياسي الموحد فهي كحاجة أولى تلتزم بتطبيق نظريتها الخاصة بالبناء التحتي للمجتمع ولوسائل الانتاج ، وبذلك تحقق شرط اللزوم الحركي في مجال صناعة القرار السياسي لأنها بذلك تمتلك مصدر القوة الذي يحرك الاجتماع بأهداف البناء الإشتراكي ولكن هذا وحده كما ترى الماركسية لا يكفي إنما المهم هنا ديالكتيكية الأطر التنظيمية والإيديولوجية للحركة الماركسية ومن هنا كان البناء الفوقي دالاً ماركسياً على :

الركائز العقائدية والفكرية للمجتمع وهنا لا بد من عودة موجزة إلى الفلسفة المادية والنسبية الماركسية وعلاقتها بالأفكار والعقائد الماركسية .

أن يكون (فولباخ) حَتم القول بالمادية الفلسفية في الحركة التطورية للمجتمع فقد أعلن (هيغل) الأسس العلمية للمادية الفلسفية واعتبر جزء الوجود لا يعبر عن الكل إذ الإحساس تجريبي إثباتي لما هو فعل الثبوت وأثره في الحركة وقياس مدى الإستجابة منطقياً لذلك الجزء الذي اعتبر موجوداً بحكم ثبوت البرهان العقلي التجريبي على صدق حيازته على مكان الثبوت .

هذا الرأي شكل لدى (ماركس) مفهوم النسبية في ثبوت الأشياء مادياً وعلاقة الثبوت تاريخياً بالحركة الإجتماعية وبالتالي صاغ عنصر النظرية المرتبطة بوجود عامل الإنتظام والحركة وفعل التأثير بالمجتمع من خلال النظرة إلى الواقع الإجتماعي والطبقية البرجوازية فاعتبر الواقع الطبقي صراعاً بين البرجوازية والبروليتاريا وبين وسائل الانتاج والمستثمر والقيمة والتبادل والربح والخسارة ، وربط الموضوع على نفس علاقة الواقع الطبقي فالخسارة تصيب البروليتاريا والربح يصيب البرجوازية ، فيما أحدث هذا الوضع تصادماً على أساس ذهاب الجهد مع الملكية إلى الطبقة المالكة ، والذهاب معناه خرق للعادة التاريخية واستغلال لمفهوم الإشتراك الفعلي بين المنتج والمستثمر .

وعلى هذا الأساس كان هناك تضاد معلن بين الواقع الإجتماعي والواقع العلمي الذي لا بد له من انطباق اتجاهي ومنطلقي بين القاعدة الإجتماعية العضوية والقاعدة العقائدية العلمية ، وهذا الانطباق هو تفسير موضوعي للواقع الإجتماعي بنائياً تحتياً وفوقياً ، أي أنَّ الماركسية تنظر إلى أنَّ وضع الطبقية والتمايز الإجتماعي أثر لواقع الإمتلاك لوسائل الإنتاج وهذا الإمتلاك ليس احترازياً وإنما قهرياً إضطهادياً يولد منفعة ذات خصوصية على حساب هلاك جماعي .

وهذا المفهوم هو فلسفة الواقع البرجوازي ومتى تحول كل الوضع إلى عنوان إلزامي فتسقط القابلية والنوعية ضمن الكيفية القهرية وعلى اعتبار منشأ الإلزام يعتبر ظاهرة تعلق السبب بالعلة الكلية فذلك إرجاع قانوني لمنشأ الحركة والاعتبار في البرنامج الذي يوفق بين القاعدة الإجتماعية والقاعدة العقائدية ، وهذا التوفيق ليس من باب النظرية المحضة بل على أساس تكامل قانون الإنتاج وعلاقته بالمجتمع في هدف خاص من دواعي ثبوت فكرة الهدف الموفق لنفس تلك الدواعي في باب الحقيقة الموضوعية الإجتماعية ،

ولهذا عللت الماركسية ذلك باختصار بما يأتي :

1 إن نفس الإنتاج هو عملية تبادلية بين صاحب العمل والبروليتر ، وهذا التبادل أنعكاس لفهم البروليتر للملكية وكونها لم تخضع للخاصة بل هي ملكية عامة ولأن نفس صاحب العمل هو البروليتر فيقتضي هناك نوع من التنظيم المبرمج للواقع العملي الخاص بالتوافق الانطباقي بين العمل والعامل .

2 -  البناء الفوقي هو بمثابة العقل المدبر للحركة الجمعية البروليتارية ، الذي يخطط ويضع البرامج الخاصة بالنظم والعلاقات والإدارة وصيغ التفكير داخل مجال التطوير التطوري الخاص بالعملية الإنتاجية ، وهو بذلك موجب لثبوت محمول القضية التي توفق بين الشعار السياسي والنظرية المذهبية .

3 -     البناء التحتي  هو مجمل وسائل الإنتاج أي الحركة ضمن الحالة الاقتصادية المعبرة عن الوضع الانتاجي والوضع الإجتماعي ، وأثر قوة سيادة المجتمع على وسائل الانتاج في تمامية القوة والتصميم والإرادة بين العمل مع القيمة والعمل مع الانتاج وهذه علاقة جمع لكل تحت مظلة  تحريك ركائز التغيير الإجتماعي والسيكولوجي .

4 الإنطباق بين القاعدة  الإجتماعية والقاعدة العقائدية والعملية انطباق في الإتجاه وفي المنطلق داخل المجتمع نحو سيرورة ثابتة لتحقيق مجتمع التكامل الاشتراكي الذي يسعى لجعل الحركة عامة لتحقيق هدف حاكمية البروليتاريا ومن ثم سيادة المجتمع الشيوعي .

وهنا لا بد  من القول  ـ إنَّ الإنطباق هو نظرية افتراضية تحتمل صدق التحقيق وكذبة ولكنه على أساس دراسة المذهب الماركسي واقعياً ثبت أن جزء الإنطباق بين القاعدة الإجتماعية والعقائدية لم يتحقق على صعيد الواقع الحياتي وذلك يوحي أن نقد المذهب الماركسي قائم من داخل الأطروحة النظرية والعملية الماركسية ، فهي إذ لم تعط من الناحية جواباً عن متى وكيف يتم الانطباق ؟

وثانياً ؛ كيف أدعت الماركسية صدق بنائها الفوقي لكي تجزم بانطباقه مع البناء التحتي ؟

إننا نشعر بأن الماركسية تحس الآن بخيبة أمل وفقدان ثقة من داخل كوادرها الحزبية نتيجة لكثرة مفاسد الإستبداد الديكتاتوري ، والتخلف الاجتماعي والتقني ، مما أوحى للباحثين صدق نقدهم ونقضهم لأسس الماركسية وعمليات التحديث والتبديل في المنهج الماركسي .

إنَّ الحركة التي يقوم بها الزعماء السوفيت الجدد  دليل لا بأس به على نظرية النقد الموضوعي القائلين بها . والماركسية عاجزة عن إبداء كثير من الإجابات عن تساؤلات موضوعية تتعلق بأصل النظام والبناء الفوقي والتحتي ، وستبقى مقولة الإنطباق مقولة دالة على هدف ودافع سياسي محض  يتعلق بالسيطرة على السلطة وتحويل المجتمع كل المجتمع إلى طبقة مضطهدة محرومة تمزقها آراء (ستالين وخرشوف وبريجينيف ) وعلى شكاكلتهم كثير ، وسنبقى ندقق بإمعان على أن تهئ لنا الماركسية ولو جواباً واحداً عن مدى الإنطباق بين القاعدتين في ظل حرمان المجتمع حرياته العامة .

ب الحزب ودوره في تنظيم الأفكار السياسية : كان الصراع الإجتماعي وحالات التذمر الجماهيري  نحو السلطة المستغلة عاملاً مساهماً في بلورة روح التحزب والتنظيم  الهادف للخلاص من روح الإستغلال والسيطرة والقهر .

وكان (ماركس وأنجلز) على درجة كبيرة من التشبّع بالأفكار والتناقضات والصور الملكية البشعة التي زادتهم يقيناً أن هناك ملحة لتأثير العمل المضاد للوضع الإجتماعي القائم ، وهذا الإطار لا بد له أن يكون على درجة عالية من التفسير الموضوعي لحاجات المجتمع ، ولا حظوا أن مجمل حالات الإضطهاد قائمة بالدرجة الأولى لسوء التوزيع والإنتاج الإقتصادي واعتبروا أنَّ غالبية المشاكل الإجتماعية نتيجة طبيعية للوضع الإقتصادي وطبقة البرجوازية المالكة لوسائل الإنتاج .

إنَّ صياغة النظرية الماركسية كانت في الواقع عملاً سياسياً تنظيمياً هادفاً إلى استرتيجية موفقة لواقع ولسلوك المجتمع وتناقضاته ، من هذه النظرة اتجه المفهوم الفلسفي الماركسي إلى تمثيل فكري لمقتضى الحاجة الإجتماعية ومصدر نتاج المجتمع وانبثقت من ذلك تصورات أعزي جميع مخلفاتها وأسبابها إلى روح التناقض بين الطبقات وبالخصوص بين البروليتاريا والبرجوازية .

في البداية إنَّ كانت الأفكار مشاعة إجتماعياً فليس بالميسور العمل بالمشاع نحو توحيد وتحريك الجو السياسي تبعاً للأفكار ، إذ ينبغي تجمع هذه الأفكار وصبها بشكل منظم يهدف إلى غايات سياسية تتعلق بالميدان الذي تعالج فيه الأفكار قضايا إجتماعية مختلفة ترتبط بنوع الغاية ومصدر وجودها والنظم المحتملة في ترتيب هيئة من كل تكون بمستوى تطبيق أمر الجمع الهادف بالدرجة الأولى إلى انصباب وسلب كل عائق تحركي يمكن انَّ يؤخر او يوقف نفس الحركة في شرطية الأمر الجمعي . .

 (لينين) كان يعتقد أن فكرة جمع البروليتاريا في حزب منظم يولد نتائج إيجابية على المستوى السياسي والإجتماعي لأنه :

أ يعطيها حرية الحركة مع وعي مركزي للشعار والأطروحة وللنفوذ وللدعاية .

ب يجعلها بمستوى الإعلام القادر على الوقوف بوجه التيارات السياسية الأخرى لأنها ستكون على درجة لائقة من الثقافة الحزبية والارتباط الموحي للضد (عين الاعتبار ) .

ج تستطيع التحرك نحو اماكن العمل وقاعات الصناعة لتأكيد مبدئيتها وطرح ممثليتها وبرنامجها السياسي للعمال لكسب أكبر عدد منهم .

د جعلها بمستوى سد منبع ضد كل أساليب الإستخدام الفني لروح النضال المضاد لحركة البروليتاريا .

وهذا الاعتقاد اللينيني شكل بمستوى الحد العام ترتيب أثر في نفس التعلق السياسي والصراع الاجتماعي  إلى بلورة مجموع تلك التصورات فيما يخص الحركة الشرطية المتعلقة بالهدف السيادي .    

وهذا الأمر ليس غالباً من النظرية السياسية ولكنه اعتقاد شخصي مرده للأمر القائم في السلوك العام وضمن الأطر الاجتماعية وإلا على اعتبار وجود ذلك داخل الحس النظري إلا انه ليس فعلياً أي أنَّ نفس تحقق ذات النظرية على مستوى الفرض أو البرهان هو انتزاع من ذات الشخص حال كونه يمارس دور تحقيق الهدف من خلال النظرية ، وهذا الشكل تولد صيغته ذات الإعتبار الموزعة بين الأطروحة والفرد إذ لابد من فاعل وقابل يولد تناسباً طردياً يحقق ذات الفرض فإن ذلك استنتاج دخول النظرية حيز الممارسة ، وهذا الدور يبرمج الصيغة الفردية :

1 بماهي دستور فعلي يعتبر شرط تحقيقه ثبوت الدستور من الناحية العلمية .

2 بما هي حق ممارس ينتفي فيه شرط المقابلة (الضد) وذلك سنخ متعلق بذات النظرية بما هي داخلة ضمن الفرض الفردي .

إذن فالحزب طريقة سياسية تجمع بنائياً بين الهدف والعقيدة وتحقيق شرط ثبوت وحركية ذلك الهدف .

فحزب البلاشفة هو الصورة السرية التي ابتدعت نمطاً اجتماعياً يتميز بالمركزية القوية التي تتعارض مع نصف اللامركزية التي تقول بها الأحزاب الإشتراكية ونظام العلاقات العمودية يفرض انفصالاً دقيقاً بين عناصر القاعدة التي تحمي الحزب من كل انشقاق أو انقسام ، ويؤمن انضباطاً أدق ، أما الإدارة فترتكز على طرق اوتوقراطية ( تعيين من قبل القيادة أو اختيار من قبل الأعضاء القدامى ) ينعدم معها كل أثر للبرلمانية ، وهو لا يعير إلا أهمية ثانوية للخصومات الانتخابية  فعمله الحقيقي ينصب على مكان آخر ، على صعيد الدعاية واثارة الاضطرابات المستمرة  ، ويطبق أساليب فظة واحياناً عنيفة كالإضطرابات والتخريب والهجوم المفاجئ تبعاً لموقف الدولة وما تتخذه من أجراءات كالحظر او القمع ويرتكز على مذهب صارم جماعي خاص ، حيث لا يطلب انتساباً سياسياً فقط التزاماً مطلقاً شاملاً لا يفرق بين الحياة العامة والحياة الخاصة ، بل يدعي الوصاية على هذه وتلك .

فالحزب الشيوعي ينمي لدى اتباعه تعلقاً غير عقلاني مبنياً على أساطير ومعتقدات ذات طبيعة خاصة جامعة بين الإيمان بالمذهب والإنضباط العسكري ، فهو يعتمد في تركيبه على نظام الخلايا ، أما فيما يخص تركيبه الإجتماعي فإنه يقدم نفسه على أنه التعبير السياسي للطبقة العاملة والطليعة المتقدمة للبروليتاريا المناضلة من أجل تحررها ، أما في مجال العقائد والفلسفات العميقة فالشيوعية تؤمن بالجماهير الكادحة وترتكز على ما ورائية متفائلة واعتقاد بالرقي العلمي والتطور المادي للتاريخ والواقع الديالكتيكي لتطور المجتمع . (1)

وعليه اتضح أن الحزب الشيوعي نظام صارم دقيق يوجه الأفكار باتجاه يحقق المصلحة الحزبية مستخدماً بذلك وسائل شتى وطرقاً مختلفة ، فهو يعلق كل أداة نحو هدف الحزب السياسي ومن ذلك اعتبار المعارضة له حرباً موجهة للأفكار والعقائد التي يدافع الحزب من اجل تحقيقها على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي . فالعنف ضد المنشقين والمعارضين في الداخل ، والحملات الإعلامية والدعائية للتنديد بالمناوئين والمنتقدين في الخارج ، واستخدام فن المهارة السياسي لتوكيد مصداقية أهداف الثورة والحزب . وتوضيح نوايا القيادة الدعائية في لون حاكمية الدولة ومدى الإهتمام بدور الطبقة المستغلة (بفتح الغين) .

ج المعارضة وأثرها في القرار السياسي : يقول (ل ـ شابيرو) في ص41 : ( تسلم البلاشفة الحكم في سنة 1917 م من دون أن يكونوا قد وضعوا (كما في مسائل أخرى كثيرة حيوية) نظرية معينة لسياستهم في معالجة الذين يخالفونهم كان هناك قبول عام للحاجة إلى (معاملة الأعداء) بقسوة .

والواقع أن هذه الفقرة معنونة بعنوان كلي إذ إنَّ استنتاجات (شابيرو) كانت قائمة بالفعل على أسس علمية داخل النظرية التي افتقدت دور العموم في تتميم صيغة العلاج أو الممارسة الإيجابية تجاه الخصوم السياسين الذين يحملون نوعاً من الإستياء المدفوع بأهداف تتعلق بالأسس التنظيمية الداخلية في الإطار الحزبي أو على مسائل تتعلق بإدراة الدولة .

فالأولى اعتبرها (لينين) انشقاقاً داخلياً يجب مواجهته بالعنف الثوري الذي لا يسمح بأي مجال لتبني دور المناهض أو الإيديولوج  المصحح لمنهج التطبيق في أصيل النظرية السياسية ، واعتبر (لينين) كل محاولة في هذا المجال إنما تعبر عن إيذان ببدء مرحلة العدّ التنازلي لهدم البنية الثورية لحزب البلشفيين ، ولكن اجراءات الوقوف أمام موجة المعارضة تتطلب صرامة مركزية دالة عن قرار سياسي من اللجنة المركزية ، وقد أنيطت مهمة ملاحقة وتتبع المعارضين إلى جهاز السر الحزبي .

(لا بد من الإشارة إلى عدة نقاط تتعلق بقصة المؤتمر الحزبي العاشر من اجل دراستنا للإنشقاق فالمعارضة ، إن ما أدين في الظاهر قبل كل شئ آخر هو النشاطات الانقسامية والإيديولوجية المنحرفة عن الطريق القويم ولوكانت الإتهامات صحيحة لاعتبر أن كلاً من هذين الأمرين يتعدى حدود الإنشقاق بيْد أنه يشك كثيراً في أن تكون الإتهامات قائمة على أية حقائق واعقية إذ لم يكن هناك نشاط إنقسامي إلا ما ادعت مكيدة (زينوفييف) وجوده أما مبدأ المعارضة العمالية إذا أمكن ان تدعي بهذا الإسم فقد كانت في الواقع قائمة على برنامج الحزب الذي جرى تبنية في سنة 1919 ) (1) .

وهذا التصريح قائم بحد ذاته على المعالجة أو الانتقاد الموجه للمعارضة فهو انتقاد لم يتخذ من الحقيقة الواقعية أي مصدر اعتباري يناسب بيان الأتهام أو الحالة المؤدية إلى الانشاق . إنَّ جملة اتهامات تعكس فيما يدل عليه القرار السياسي الصراع على الزعامة الحزبية التي هي بمثابة قمة الهرم والتي تعتبر بحد ذاتها قاعدة للتشريع والتنفيذ والقرار ، فالمعارضة تعتبر حالة تمثل تياراً يناهض فكرة الزعامة في قضايا ومسائل مصيرية ترتبط أحياناً ببرنامج الحزب السياسي وقرارات مؤتمراته وأحياناً تتعلق بالمعالجات النظرية للواقع الأقتصادي وسوء التقنية ، ومن هنا كان قرار الرفض يعني بحد ذاته انفصالاً عن ماهيات التزامية يقررها الحزب وزعماؤه المسؤولون ويقضي بالضرورة إلى قبول إلزامي بصيغة القرار حرفياً مما يجرّ في الاعتبارات التنظيمية حالة انزجار بين واقع الطموح البروليتاري وبين الإجراءات النظرية التي تعتبر فوق الإعتبارات الجارية في خلايا الحزب والدولة .

كان أول أثر ملموس لفرض الحظر على المعارضة هدم كل الأسس المنطقية التي يقوم عليها تقرير السياسية إذا كان التعبير الحر عن الإنشقاق ممنوعاً ، مخافة إفساد الوحدة الخارجية لسياسة الحزب التي جرى التقليد على اعتبارها ضرورية عندها يستطيع رجل واحد في النهاية ان يتخذ القرارات وأن يتخذها  قسراً طالما تردد خلال الفترة التي كان فيها (خروتشوف) على رأس الحكومة الرأي القائل إنَّ السياسة تقرر الان بالمناقشة المنطقية أكثر منها بإرادة رجل واحد وإن اللجنة المركزية أصبحت مجلس نقاش حقيقي وأجهزة الحزب تظهر مبادرة حقيقة وما إلى ذلك من تصريحات معلنة ، ومنذ سقوطه سنة 1964 م تبين أنَّ ذلك كان أمراً دالاً على نطاق ضيق وعلى حدود معينة ، وللتأكيد في مجال إثبات الواقع أنَّ سياساته التي كانت مثيرة للجدل كمشروع الأراضي البكر وسياسة زراعة الذرة على نطاق واسع والقضاء على المراعي وتقسيم منظمات الحزب إلى زراعية وصناعية وما شاكلها كثير دلت من حيث الواقع أنها تعبر عن إرادة رجل واحد فوق سلطة ونقاش اللجنة المركزية .

إن حالة من التذمر والفقدان تنشأ لدى العموم حينما يرون أن الحالة لم تكن إلا دالة على إجماع محقق لتثبيت مبدأ عدم المعارضة والإنشقاق إذ إنَّ أولئك الذين انتقدوا بعنف سياسات خروتشوف كانوا قد وافقوا عليها وابدوا تمام الرضى بقوانينه وإجراءاته .

إنَّ جملة من الحقائق توجه كمشاكل عظام نحو مصداقية الحزب الشيوعي الذي ما فتئت تمارس الزيف السياسي المتعلق بالقرار السياسي .

إنَّ الحالة التي يمر بها الحزب الشيوعي دالة من حيث الواقع على جملة انحرافات تتعلق بالقرار والتنفيذ والمشاركة وصاحب القرار ومجربه .

إن ما تدعيه حول الجماعية يثبت أن ذلك ما هو إلا ادعاء محض وخروج غير لائق عن الأدب الدبلوماسي المتعارف واتنكاسة مركزية تتعلق بأصل المبدأ الحزبي وشعاراته المعلنة .

إنَّ الرأي والرأي الآخر حالة تحتاج إلى كياسة وضبط نفس وموضوعية ومتى تمت مقدمات القبول في الرأي يجب أن يكون موضوعياً وعلى درجة كبيرة من الاتزان المراعي لقواعد وأصول النظم الدستورية والحزبية . ان العقيدة الحرة والفكرة الحرة تساهم في بعث كثير من غوامض يعتقد أنها أصبحت مسلمات في طريق الانتعاش الإجتماعي .

إن الحزبية ذات المركزية الخاصة حالة متخلفة تولد قبولاً إلزامياً برأي زعيم الحزب وقبولاً قهرياً بمقررارته ، فيما يخالف ذلك مبدأ الحرية وأصوله الإنسانية في الحياة .

د مدى تأثير الواقع على تطبيق المذهب من الناحية الفعلية :  إنَّ المعارضة أصبحت مقيدة في ظل نظام حكم الإستبداد الحزبي وتحت مظلة القبول القهري بشرطية القانون السياسي المتخذ من السلطة العليا ، إنّ شيئاً لا يمكن إنكاره أبدأ هو دور الواقع في تحريك الجو السياسي أو جموده لأن ذلك مشروط بدرجة الحرارة السياسية التي تؤثر في صنع القرار وإنجازه  وليس بالميسور التغاضي عن مرحلة الإنتقال أو صناعة القرار من الناحية المبدئية . إذ الواقع حالة قادرة على نوع التحرك والتحريك في الصياغة السياسية ومن خلال اللجنة المركزية .

فالحزب الشيوعي ممثلاً بزعامته يخضع مجمل قراراته للواقع السياسي فقرارات المقاطعة أو التصويب للانشقاق الحزبي كانت ولا زالت أمراً نسبياً يخضع لنوع الواقع وتأثيره على إنشاء حكم أو إبداء تصور يعتقد أنه يمارس دور الضغط في القبول أو الرفض تجاه مجمل أو بعض القوانين الدستورية الخاصة بالنظم السياسية الإدارية .

إن جماعات الضغط المحلي أمر له ما يبرره وهو صنيع الواقع السياسي ومنسجم معه ، فلا يعقل التنكر لأصل الوجود المتعلق بفكرة التغيير والأنتخاب على المستوى العام وبإتجاه القرار المصنوع داخل كانتونات اللجنة المركزية .

إن عهد (ستالين) شاهد عن كثير من التجاوزات القانونية الداخلة في أصل النظام ولكنه مع ذلك لم تكن تلك التجاوزات وليدة عهد (ستالين) ذاته ، فهو نتاج لنوايا وطغيان (لينين) في ما يتعلق بالإجازة المعنونة بالقبول او الرفض ، ولا شك أن الطريقة التي استعملها (ستالين) ومن جاء بعده هي ذات الإجراءات التي وضعها (لينين) في ممارسة زعيم الحزب للحكومة ، فمثلاً مهمة ومراقبة الإنشاق الحزبي قد عهد بها إلى أمانة سر الحزب ، وأصبح (ستالين) مسؤولاً عن هذا الجهاز الحيوي أمما سير الحوادث منذ ذلك التاريخ فمعروف ولا يتطلب مراجعة مفصلة في دراستنا . إن الفترة ما بين 1923 ، 1936 كانت فترة تمكن فيها (ستالين ) بصعوده البطئ إلى الحكم المطلق وتلاعبه بجهاز الحزب والدولة ، من أن يسيطر مبدئياً على كل إنشاق وإخماده ، إن الناقدين الذين وجهوا انتقادات موضوعية تتعلق بالبناء الهيكلي للإدارة الحزبية وتحولوا من ناقدين إلى معارضين سياسين شاهد حيوي في علاقة الحزب والأهمية بالقرار وصنعه إن مجزرة 1936 ــ 1938 م مكنت (ستالين ) ان يجعل نفسه حاكماً اوتوقراطياً بحيث أصبح حتى التفكير في أي تغيير غير ممكن ما لم يبدأ بالإطاحة به . إن قمع المنشقين وأصحاب النظر المؤمنين بالإيديولوجيا الماركسية كان الدليل على حاكمية الاستبداد الحزبي وحكومة الفرد داخل الحزب إن مرحلة (ستالين) جاءت بمثيرات على الصعيد الإجتماعي السياسي والإجتماعي النفسي تحكي قصة غموض عن فترات محاكمات التشهير والمطاردة والتطهير .

إن حوادث (بوخارين) ، والموقف من (تروتسكي) أرغمت بما لا يقبل الجدل الباحثين إلى قول واحد هو أنَّ (ستالين) عمل ما بوسعه لتحويل المنشقين إلى معارضة ليسهل عليه إرغامهم جميعاً وقتلهم تحت طائل الوقوف بوجه الثورة البروليتارية ، إن لهجة التعميم الحزبي شاملة على ما يبدو قطاعات الإدراة الإجتماعية ونافذة إلى عمق الهدف الخاص بالحركة الحزبية . يكفي أن صناعة القرار تتم ضمن حلقات خاصة توزع بعد إتمامه من الناحية الفعلية على هيئات مختصة تضطلع بدراستة لكن بشرط عدم التغيير والتبديل . إن المركزية الإستبدادية شعور نفسي يولد ازدراء بالمقابل ويلزمه بقبول الفكر المصاغ كحالة ثابتة وقابلة للتعميم وليس ذلك خلافاً كما ترى لعقيدة الحزب فتفسير فقرات البيان او الفلسفة الماكسية ليس حكراًعلى زعيم دون آخر ولذا جاءت تفسيراتهم متفاوتة مختلفة تبعاًً لتفاوت نظرة كل واحد إلى النظرية المذهبية ، وأصبحت عملية الانتقاد لأسلوب التفسير الخاص معارضة لإيديولوجيا الحزب القاضية بمحاكمات واعدامات مجازر  توحي للآخرين القبول القهري الإلزامي . إن هذا الواقع الغامض وظروف العمل الحزبي ودور الخلايا السرية ساهمت إلى حد بعيد بانفصام بين النظرية والواقع وولدت نفسياً حالة من التضاد في جوهرية الإلتزام القائل بقوانين حركة الحزب ونظمه الداخلية مما يولد حالتين من الضعف :

الأولى : تتعلق  بشرط ثبوت المحمول وموضوعه والتزام إيجابي لدى العموم عند ثبوت انطباق بنائي (في النظرية والتطبيق ) .

الثاني : تتعلق بوجود المحمول نظرياً وأساليبه بانتقاد الموضوع (شرط كون المتعلق بإتخاذ القرار والتنفيذ ) يولد انكاكاً في ثبوت الإنطباق وتصبح النظرية جزء المذهب الفرضي والتطبيق خاصية لعلاقة الواقع بالإجتماع .

ه نشوء مبدأ الانحسار السياسي داخل نظرية الحزب الواحد : إن كثيراً  من الأحكام تنشأ من دوافع اجتماعية ونفسية وفطرية المساهمة أحياناً في أصل الحكم وانشائه ، ولذا اعتبرت المفاهيم العرفية جزءاً من أحكام ترتب الأثر في المتبوع والتابع وأصبحت عملية ثبوتها فعلياً أمراً متعلقاً بصلاحيات أصحاب القانون والمشرعين في الأحكام الإجتماعية والنفسية .

ويبدو عملياً أن تجربة دول الحزب الواحد خاضت سياسياً معطيات ومؤشرات تتعلق أحياناً بالأصعدة الإيجابية والسلبية صعوداً ونزولاً في الحركة الجمعية للمجتمع ، ومع أننا منذ البداية لا نرى صواباً في حكومة الحزب الواحد فعلياً لاعتبارات عقائدية وفكرية واقعية على الصعيدين الإجتماعي والفردي ، ورأي الأمة جميعاً ومجموعاً بفكرة الحاكمية للحزب الواحد ، لكننا مع ذلك نعتبر الأمر التنظيمي والحركة التنظيمية في ظروف المواجهة السلبية غاية في الأهمية والاحتياج وأمراً مطلوباً لتحرير المجتمع ونهاية عهود الظالمين بشرط توافق تلك الحركة إيجابياً مع مبادئنا وقيمنا السماوية . وهذا ما صرح به الأستاذ الشيخ مد ظله العالي (يقصد الشيخ المنتظري رحمه الله تعالى ) إذ قال :

ولعلة لايتيسر أيضاً في بعض الأحيان الا بالتكتل والتشكل ولو خفية ولا محالة يتوقف ذلك على أن يؤمروا على أنفسهم رجلاً عالماً عادلاً بصيراً بالأمور ويلتزم بأطاعته حتى ينصرهم الله بتأييدة ونصره كما اتفق ذلك في أكثر الثورات الناجحة في العالم (1)

وفي البداية لا بد من معرفة ما هية دولة الحزب الواحد : يقول (ريمون آرون) متسائلاً ما إذا كان مفهوم دولة الحزب الواحد لا يزال مقيداً في تصنيف الأنظمة السياسية ، ونبه إلى خطر التركيز على ناحية واحدة من نظام ما وإهمال النواحي الأخرى ففي الكلام عن دول الحزب الواحد مثلاً ، على المرء ألا يقصر عن النظر في تركيب الحزب الواحد المقصود ، إن تركيب الحزب الشيوعي نفسه في الاتحاد السوفيتي قد تغير بطرق كثيرة منذ موت (ستالين) يضاف إلى هذا أنه كان هناك دون الحزب الأوحد تعدد أجتماعي ، وإن طبيعة هذا التعدد كانت عاملاً مهماً في تعريف النظام السياسي ثم إن قوات إجتماعية كثيرة قد تقيد الإشراف على سلطة الحزب او تقيد ضبطها على الرغم من هذه العوائق لا يزال لمفهوم دولة الحزب الواحد بعض القيمة في التصنيف المجرد للأنظمة السياسية ، وإذا كان المجتمع الحديث قد جلب معه نوعاً من الفلسفة الديمقراطية فإنه يبدوا أن هناك ثلاث طرائق لتطبيق هذه الفلسفية في النظام الإجتماعي كانت إحدى الطرائق نقل الفكرة الديمقراطية إلى المؤسسات المنافسة في الانتخابات بين عدة أحزاب .

أما الطريقة الثانية التي لاتنتمي إلى الصنف نفسه فقد كانت الحزب الأوحد الذي برر وجوده بضرورة تحقيق مهمة تأرحية ما .

وهناك نظرياً طريقة ثالثة هي عدم وجود حزب بالمرة (1) .

يلزم الأنتباه أن ما استنتجه (آرون) كان مبتنياً أساساً على القاعدة الأصولية السياسية الكلية في حالات النشوء المتعلق بالهدف والغاية التامتين إذ هناك تفاوت من حيث المبدأ الإنجازي الذي يُمارس حينما ينتفي الدافع اللازم للحركة الجماهيرية وهذا الإعتراف سَجَّلهُ  (روسو) في أصل التفاوت وفي عقده الإجتماعي ،وأيضاً يلمس أن ذلك ما مال إليه (ماكيفر) في تأسيس الدولة الذي أعترف قائلاً :إن  الحزب الحاكم حريص على أن يبقى في الحكم ولا يستطيع أن يبقى إلا إذا عرف كيف يحافظ على تأييد الأكثرية له فيدفعه الحرص على هذا التأييد إلى تجاوز المصلحة الطبقية الخاصة إلى المصالح الوطنية العامة ، ويزعم (روبرتومشلز) في دراسته عن الأحزاب ؛ إن القادة الديمقراطيين يخونون الديمقراطية حين يتولون الحكم لأن السلطة دائماً محافظة وما إنْ يتولاها الإنسان حتى تطغى طبيعتها المحافظة على نزعته الديمقراطية (2) .  

ولكننا مهما أثبتنا بالدراسة الموضوعية جانباً من الهدفية داخل أطار الشكل المتعارف للحزب ونظمه الداخلية مع ذلك نؤكد إن الدور السياسي ناشئ جدلاً من النظرية وبالتالي من روح المذهب الإيديولوجي ،

وانها بانشطارها إلى كتلتي المفاوضة والقبول إنما تعزز من حيث المبدأ فكرة النظرية وأثرها في المصداق والنتيجة إذ لا يعقل تركيب تجانسي في نقطة معينة ولتكن (أ) فهي كترابط مؤثر من حيث الصيغة على (ب) إذا كان التجانس  داخلاً في صياغة النظرية وهنا لزوم اعتبار الدخولية أما مضمون الشرط أو الشرط التام ولا يكفي مجرد كون الصياغة حسب المفردات السياسية الإجتماعية فهذه تولد رضوخاً للتقاليد وللقيم حال كون ذات القيم اصطناعاً اجتماعياً .

وبداهة إن تعلق المسألة فكرياً بذات إجتماعية خاصة يعكس الإتجاه السلبي لمضمون مفردات النظرية سياسياً فلو حولنا المثال السابق إلى ما يلي :

متعلق الكل يدخل نفس المفهوم الذاتي ل (أ و ب ) ينتج علاقة عكسية بين (ب 2) وكل المتعلق ولو حدث جزء انخفاض بمستوى جمع الجمع يقتضي سالبية التجانس مع (أ2) إذ نقل متعلق الكل إلى مفهوم الذات ، أما أن يكون النقل على أساس النظرية وتصوراتها بالطرح أو أن النقل سيكون على أساس النظرية بجعل مفهوم الذات انشطارياً سياسياً إجتماعياً وسياسياً نفسياً ، والآخر حاكماً من حيث الصياغة ، ولكنه داخل بالأول ككون وجود الآخر متعلقاً مصدرياً بالأول ولا يعقل وجود  الجزء دون وجود الكل ، أي أن أمر النسبية ليس هو الحاكم الفعلي ولكنه شرط تحقق بالثبوت ونتيجته ما يلي :

ن 1

ـــــــ   وهذه هي النسبية النظرية في كلي المتعلق لتحقيق شرط الثبوت (1) أنظر نظرية دارون

أ + ب