9 الدين والعقل الماركسي

يبدو أن للماركسية رأيين في الدّين أحدهما فلسفي والآخر سياسي ولا ريب أن الاثنين معاً يكونان رأياً واحداً كتب فيه (ماركس ) رأيه حول المسألة اليهودية قائلاً :

إن التحرر السياسي لليهودي وللمسيحي وبتعبير موجز للإنسان الديني إنما هو تحرير الدولة من اليهودية ومن المسيحية ومن الدين بصورة عامة ، والدولة تتحرر من الدين بتحررها من دين الدولة ، يعني بعدم اعترافها بأي دين .

وهذا الرأي له مردود حول علاقة الفرد الماركسي بالدين ، لأن العلاقة للدين من البشر علاقة فطرية أثبتها علماء الإجتماع والطبيعة نابعة من وجود الفرد على الأرض فليس هو إنكار مقابل فلسفة خاصة في شرط واقع موضوعي من الناحية الفعلية وذلك ما يدركه العقل بنطاق المعلوم الخارجي والواقع الفطري فهو يركز العلاقة كلياً بمبدأ الوجود ونظرية ثبوت القوانين بمستوى الطبيعة فالواقع حسب المنطق الطبيعي يرتب المتعلق بالقدرة الأزلية بالبعد الواقعي للإنسان وطريقة وجوده الطبيعي وعليه فهي ناظرة إلى مستوى الجمع الكلي الذي ينتفي للمعارض ويوقع الأثر ضمن الذاتية الطبيعية ، وبها فالثبوت شرط لتحيقق علة الوجود في الذات من الوجود المطلق سواء على مستوى الطبيعة البيولوجية أو السيكولوجية وليس هو خروج من الناقص جدلاً لثبوت علته الكبرى في الحقيقة ولذا هو بمستوى البرهان على قول علماء الحكمة فيما يخرج من الناقص إلا ناقص وهذا خلف للواقع الذي هو ارتباط الماهية بالجوهر ارتباط الوجود بالطبيعة على هيئة الأمر الكلي الثابت .

والرسوخ متعلق بالعقل الطبيعي والفطري وذلك لا يكتسب المفاهيم من التربية السوسيولوجية ولا هي قادمة بتأثير عامل الانتربولوجيا في حياة الإنسانية إذ الثابت أن نظرية الاكتساب تأتي بالدرجة الثانية في مستوى الوجود وعلى الطبيعة فالواقع المنطقي هو عقل الإنسان الفطري وذلك مجبول بحكم وجوده على تعلق بالقبض المطلق ، والتعلق علة ثبوتية للنظرية والمصداق ، فالموضوع والمحمول قضية واحدة في الفرد المتعلق بالفطرة بفكرة الوجود المطلق ، وليس هو تطور في مستوى الواقع الداخلي وإنما ثبوت للواقع على مستوى النفس والروح ومتعلق بثبوت الحكم العقلي على طول وعرض ثلاثية ــ الروح ــ العقل ــ الطبيعة .

ولقد أُثْبِتَ فلسفياً وعقلياً وجود الواحد بوجود الآخر ، ولا ضد بل العكس هو الثبوت والإثبات عقلاً وشرعاً وإن كان هذا متأخراً برتبته ولكنه داخل في نظرية الاكتساب الطبيعي للمعلومات من الواقع الموضوعي .

إذا تم هذا فنقول : النظرية الماركسية بنت أفكارها على إنكار الله والنزعة الدينية وقد جاء على لسان (ستالين ) قوله : يجب أن يكون مفهوماً أنَّ الدين خرافة  ، وأن فكرة الله خرافة ، وأن الإلحاد  هو مذهبنا (1) . وهذه الفكرة  بما تحمل قائمة على إنكار مفهوم الله وجوداً وعدماً وإنكار وجود الدين الذي هو امتداد لفكرة الوجود المطلق لله سبحانة  وهذه الفكرة تجر إلى إنكار للواقع الموضوعي الإجتماعي إذ هو قائم  على درجة التلبية ومقام الواقع الإقتصادي  .

ولهذا فالإنكار يصحبه عدمية ثبوت الشئ في وجوده ومن هنا كان عندهم أنه : ليس صحيحاً أنَّ الله هو الذي ينظم   الأكوان ، وإنما الصحيح هو أنَّ الله فكرة خرافية اختلقها الإنسان ليبرّر عجزهُ ولهذا فإن  كل شخص يدافع عن فكرة الله إنما هو شخص جاهل عاجز (2) .

وهذا القول هو في الواقع ما كانت تثيره الماركسية على أنَّ الدين نشأ نتيجة لعجز الإنسان القديم وإحساسه بالضعف بين يدي الطبيعة وقواها المرعبة .

ولكن ذات التفسير وجدته الماركسية عاجزاً عن القيام بتصورات الماركسية الفلسفية وأنه شذوذ عن أفكارها حول الواقع الاقتصادي الذي ترتبط به تفسيرات الواقع الإجتماعي والسياسي ولهذا عبر ( كونستانيون ) بقوله : ولكن الماركسية اللينينية قد حاربت دائماً مثل هذا المسخ  للمادية التاريخية وأثبتت أنه ينبغي البحث عن منبع الأفكار الإجتماعية والسياسية والحقوقية والدينية في الإقتصاد قبل كل شئ (1) .

وبذلك رأت أن الواقع التفسيري لظاهرة الدين يجب أن يرتبط بالواقع الذي تتصوره الماركسية مادياً فهي إذ ترى أن التناقض ودور القوى الحاكمة كان صاحب الأثر في عملية نشوء الظاهرة الدينية وبذلك قال (ماركس ) : إن البؤس الديني هو التعبير عن البؤس الواقعي والإحتجاج على هذا البؤس الواقعي في وقت معاً ، فالدين زفرة الكائن المثقل بالألم وروح عالم لم تبق فيه روح وفكر عالم لم يبق فيه فكر أنه أفيون الشعب ، إذن فنقد الدين هو الخطوة الأولى لنقد هذا الوادي الغارق في الدموع حيث يركز الدين هو الله (2)

وبذلك يكون (ماركس) قد اعتبر ظاهرة الدين حركة جعلية قامت بها القوى الحاكمة لتصبيت سلطانها وهوعمل تحذيري لسلب روح الانتفاصة والرفض للواقع البائس الذي تقوم به القوى المستغلة التي يهمها ان تبقى على مصالحها الاقتصادية ورساميلها ثابتة تزداد بفضل روح التذويب القائمة على سلب الفقراء روح الرد على الأغنياء .

ولكن (ماركس) فاته أن الواقع التاريخي والإجتماعي لظاهرة الدين لم يكن عملية اختراع يقوم بها الأغنياء لتسكين ثورة الفقراء ، بل الثابت لدينا أن الأديان هي روح عالم كلي قام الفقراء  بدور المبلغين والدعاة فيه ، فالمسيحية قامت وترعرت وامتدت في الأفاق بفضل جهود وعمل الفقراء وفي ذلك براهين وأدلة أثبتها التاريخ وهو لم يكن في يوم نصير المستكبرين بل هو روح ضد عالم يستكين للظلم وللفقر والبؤس ، وإذا كان المسيح (ع) يقول :

من أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً وأنه أيسر ان يدخل الجمل في ثقب إبرة من أن يدخل غني إلى ملكوت الله .

وبذلك  تكون الفكرة العامة للدين ليست وليدة أفكار الأغنياء فالفقرة السابقة نقيض لمفهوم فكرة النشوء المادي الماركسي وليس هو علاقة الفقير بالغني فالواقع الإجتماعي وتاريخ المجتمعات البدائية يحكي قصة نشوء وتطور الأفكار الدينية وأنها لا  ترتبط بظاهرتي الغنى والفقر لما هما ذاتيّي اللفظ فالمسألة لا تتعلق بالهيكلية التنظيمية لعلاقة السادة بالعبيد ، وبذلك تصبح نظرية النشوء على أساس المذهب الاستغلالي غير دالة على حسن التعبير وأنها بعيدة سيكولوجياً واجتماعياً عن الظاهرة نشوءاً من حيث الواقع .

وفلسفة عصر وجود الأديان هي قصة النفي للمقولة الماركسية وحججها التبريرية ، أما هل الدين هو أفيون الشعوب ؟

أصبحت مقولة (ماركس ولينين) عقيمة إلى حد في تصوراتها للعمل الثوري وأداة المجتمع فالثورات الإجتماعية السياسية التي حدثت في عصر النهضة وفي انشقاق الكنيسة وظهور موجة الإصلاح الديني البروتستاني ما هي إلا فلسفة عملية لثبوت مقولة الدين والحكومة والقابلية على صنع التغييرات في المجتمع ، وإن كانت آراء الفلاسفة والمفكرين عجزت عن مجاراة الظاهرة على أنها نشوء وارتقاء في الواقع الموضوعي للحركة والتطور من حركة الذات الجوهرية ينبثق منه ذات الشعور القائم على فلسفة الثورة والإنبعاث من الدين ، وبذلك تعتبر المقولة ساقطة من الاعتبار ويصبح تأكيد (لينين) على أن : من أهداف حزب العمال الديمقراطي الإشتراكي في (روسيا) هو أن يحارب وبلا هوادة كل نزعة دينية في أفئدة العمال إن منهاجنا يتضمن بالتالي الدعوة للإلحاد على أوسع نطاق ممكن .

فالاعتبار منشأه من القيمة الواقعية التي يتصورها الدين في علاجه للمجتمع والنظرية الشيوعية التي هي ضد لا يجتمع مع الدين فإذا ولج أحدهما خرج  الآخر  من النافذة كما يقول (شكسبير) فهي نظرية قائمة على تحديد منهج الدين سلوكاً وعملاً واعتقاداً والتحديد هو القول بعدمية الدين في نظرته تجاه المجتمع وسلب هذه النظرة باعتبارها علاقة بين الفاعل والمفعول في لحركة والسكون تجاه الوجود والعدم .

فالاعتبار بالواقع النشط لحركة البرجوازية ليست بمستوى قيام أثر تابع له بالحركة ، والتطور الإقتصادي والسياسي الذي احرزته خلال ثورات متعددة منذ عام 1215م جعلها في موضع لا تصل إلى مستواه البلدان الأخرى ومعنى ذلك أنه لم يظهر (لوثر) في (انكلتره) استجابة للوعي البرجوازي فيها .

إنَّ نفس ظاهرة الوجود كانت لدى (هيغل) موضع تأمل حتى طرحها (أنجلز) من الذهن بقوله : إن الوجود قبل الأرض للفكرة المطلقة التي قال بها (هيغل) إنْ هو إلا بقايا وهمية الإيمان بخالق فوق الأرض وأنَّ العالم المادي الذي تدركه حواسنا والذي ننتمي إليه نحن أنفسنا هو الحقيقة الوحيدة (1)

وهذا الواقع جميعاً صورة الدين عند المسيحية الذي أثبتنا فيه ومن خلال الفعل النظرية الواقعية في فلسفة الوجود وأعتبر أن الدين ظاهرة ناشئة لا من علاقات الإنتاج والتناقض الطبقي وليس هو صيحة المجتمع البرجوازي لإغراق العالم الفقير بكابوس الرعب الذي ينحني للإرادة البرجوازية وليس غير وأما الاعتبارات الأخرى فهي فلسفة التناقض الذاتي الذي يعبر عن القوة المركبة من الفعل والإرادة وجوداً وعدماً في الهيئتين .

وبذلك تنعدم مقولة (لينين) : كلما تحررنا من نفوذ الدين أزددنا اقتراباً من الواقع الإشتراكي ولهذا يجب علينا أنْ نحرر عقولنا من خرافة الدين (2) .

والفكرة الماركسية لم تقيد بالمحاربة للأديان ونبذها بخصوص المسيحية واليهودية إذ إنهم أثبتوا أن عموم فكرة الدين هي نتاج حاصل من نظريتهم المادية للأقتصاد والعلاقات الإجتماعية القائمة ، ومن هنا كانت نظرتهم تجاه الإسلام قائمة على رد دعواه واعتباره جزءاً من النظرية الكلية لظاهرة الدين ، ولأن الإسلام جاء بفكر أكثر عمقاً وشمولاً في مناحي الحياة والكون وعلاج الظواهر الإجتماعية بكثير من  الاستراتيجية والنظرة الكلية والجزئية فالقانون الاقتصادي في الإسلام يعلق العلاقة بين الأوجه الثلاث في الملكية للفرد وللجماعة وللدولة ويقيم من خلال ذلك أستدلالا علمياً على فكرة الأصالة المطلقة وتعيين الكل بضابط الواقع الموضوعي في العلاقة الإنتاجية للمجتمع وللإقتصاد والنظرة عامة بمستوى الطموح .

ولهذا كان رأي الشهيد (الصدر) قائماً على فرضية إبطال قانون النشوء الديني في المذهب الماركسي ورد دعوى القول بالعلاقة الخاصة التي يصنعها الدين طبقياً ، مؤكداً على أنْ فكرة الدين ليست وليدة ممارسة تقوم بها طبقة بفعل رومنطيقي لتحقيق فائدة حسابياً وعلى المستوى الجمعي فقال :

(وإذا أخذنا فكرة الماركسية عن التطور التاريخي للأديان لتطبقها على الإسلام الدين العالمي ، لوجدنا مدى التناقض الفاضح بين الفكرة والواقع فلئن كانت أوروبا دولة عالمية تتطلب ديناً عالمياً فلم تكن في جزيرة العرب دولة عالمية كذلك بل لم توجد دولة قومية تضم الشعب العربي وإنما كان العرب موزعين فئات متعددة وكان لكل قبيلة إلهها الذي تؤمن به وتتذلل إليه وتصنعه من الحجر ثم تدين له بالطاعة والعبودية فهل كانت هذه الظروف المادية والسياسية تدعو إلى انبثاق دين عالمي واحد من قلب تلك الجزيرة المبضعة وهي بعد لم تعرف كيف تدرك وجودها كقوم وشعب فضلاً عن أن تعي وحدة من نمط أرقى تتمثل في دين يوحد العالم برمته .

وإذا كانت الآلهة الدينية تتطور من آلهة قوية إلى إله عالمي تبعاً للحاجات المادية والأوضاع السياسية فكيف طفر العرب من آلهة قبلية يصنعونها بأيديهم إلى إله عالمي دانوا له بأعلى درجات التجريد ) (1) .

وبذلك يكون الإسلام ديناً لم يولد من التناقضات الطبقية أو الواقع الأقتصادي ، وقد حاولت الماركسية أن تضع أجوبة لأسئلة قد تراود الباحثين في المطلب وأنه يلزم أن يحارب بالطرق التي تكون ذات أثر وفاعلية كبيرة ليمكن بها تهديد قانونه النشط في الحياة وبنائها جرياً بالأعتبار : أنَّ الحاجة الماسَّة إلى تبصّر سياسي كبير وفهم معمق للعمليات الإجتماعية المعاصرة وذلك من أجل الكفاح ضد الإسلام كفاحاً سليماً ، أي يكون بمستوى قدرات الإسلام الفكرية والعقلية بحيث يستوعب نظريات الإسلام وأطروحاته في حل المسائل الإقتصادية والإجتماعية بما يحقق توازن بين الإرادة والطلب ، وتبرير العملية على انها ممارسة كيفية ذات منفعة خاصة .

وقد جهد الشيوعيون في محاربة الإسلام ، وبذلوا قصارى جهودهم في إقصائه عن حياة المسلمين القاطنين هناك ، وقد بلغوا ما أرادوا ؛ فقد حالوا بين المسلمين وبين دينهم فقد ذكروا أن القوانين الإسلامية القائمة على الشريعة قد استؤصلت من الاتحاد السوفياتي (1) وقد حاولوا قلب حقائقه على أنه دين يدعوا للتخلف والرجعية وأنه لايمثل عنصراً من الكمال الذي يقدر على التوفيق بين الطموح البشري في التطور الإجتماعي .

وقد ثبت لدى علماء النفس والإجتماع  أنَّ نظرية الخلاف على الإسلام تحمل عنصر فشلها وعدم احتوائها على طاقة الأطر التي تستطيع أن تكون مقنعة على مستوى الرأي الاكاديمي والعرفي ، بل إنْ ذات التهم قائمة على عدم فيزيولوجي مما يربك ذهنياً وبمستوى قانون العقل العام حاسة القبول بالخلاف على أنه حجة عقلية قابلة للقبول وللنقض من طرف المقابل :

فالإسلام اعتبر تحصيل العلم حاجة قائمة بذاتها على مصدر وجودها وضرورتها فهو يقول :

{ يرفع الله الذين آمنوا  منكم والذين أوتوا العلم درجات } وقوله تعالى : { وما يعقلها إلا العالمون } (2) . ثم يطرح نظرية التناسب والاضطراد على قاعدة العلم فيوجه العقل إلى العلم بإعتباره ميزان التحمل العام في قوى المضادة نظرياً وبرهانياً ويقول تعالى :

{ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } (3) .

وإلى غير ذلك من قوانين الحياة المرتبطة بالعقل والروح والطبيعة وتحفيز العقل وظرفه النفسي إلى استيعاب كل حاجات الوجود بما يناسب ذات التطور في الوجود طبيعياً أو بقوانين الإعجاز التي يرى فيها أكثر علمائنا أنها قوانين للطبيعة العامة ودور العقل المفكر (4) وبالتالي فالعقل الماركسي إنما لا يستجيب لنظرية الدين لأنه يعتقد أن الحاجة إلى عمليات التطور الإجتماعي هي واقع إقتصادي محض بحيث يعلق التناقض الإجتماعي والحركات التبريرية إلى ذات الإعتقاد في حين يعبر الدين مجمل الوجودات واقعاً موضوعياً واحداً يختلف منهجاً باختلاف ظروف التعامل الإجتماعي وهذا لا يمس النظرية الكلية بل الفرعيات والهوامش وذلك موكل للإنسان ليستخدم العقل في حله واستنباطه .