7 نقد العقل الماركسي

إن نقد العقل الماركسي يجب أن يمر عبر هذا المفهوم القائل : بأن الماركسية تعتبر الطبقية ظاهرة اقتصادية وتحاول القضاء عليها عبر الإعلان عن دكتاتورية البروليتاريا وتأميم وسائل الإنتاج . ولعل فلسفة الوجود ونظرية الديالكتيك من حيث المفهوم قيمة معلقة بين الاتجاهين الفكري الإجتماعي ، والعقلي السياسي لأن الكل فرع المعرفة الموضوعية للاتجاه العام حياتياً ، ولأن المعرفة تقوم على أسس فلسفية وعقائدية خاصة اقتضى أن يكون المذهب الإيديولوجي ، وبها يكون العقل دائراً مدار الإعتقاد المنبثق من الموضوعي لفلسفة الوجود .

فالثبوتية مرحلة متقدمة في مصدر العلاقة التجريبية بين الواقع الموضوعي والإعتقاد وهو أثر إيجابي من الواقع الاجتماعي ، والماركسية لا ترى بأن العقل هو مصدر كل التأثيرات الفلسفية والنظرية في الواقع الموضوعي إذ إنها تعتبره جزئياً والجزئية هنا باعتبار صناعة النظرية هي ليست تمام العقل ، إذ الحالة ليست توقيفية على فئة أو طائفة خاصة ، إنما هي كلية تناسبية بين السلوك النظري والصعيد الموضوعي ، وهذا ليس إلا سلباً للعقل كأداة مدركة وصاحبة قرار ونظرية لأن جزء المعرفة موضوعات يساهم العقل في ادراكها حسياً وعملياً إلى واقع الفكر عقلياً ، ولهذا قال (لينين) بالتبعية القهرية إذ يقتضي تمويل الأمر مادياً من جيل لآخر دون ممارسة إيجابية في الواقع ، بالمفهوم الإنشائي والجعلي ، ويعتبر القهرية على أساس المنطق المتبوع وهو منطق القوة المفروضة التي تفوض باتخاذ القرارات وتنفيذها ترتيباً في الداخل والحواجز خارجياً ، وبالموضوع الذي يفترضه تصبح القيم السياسية تابعة للقيم الشرطية صاحبة القرار والتنفيذ إذ يحتمل أنَّ الموضوع  للقيم أمرٌ أخلاقي أو ديني وهذا يحتاج إلى تنظيم بالقيم تبعاً للمذهب الفكري الماركسي أي سلب روح الإختيار من العقل الطبيعي ، والسلب معناه التوجيه المقصود دون مبالاة بالرآي  والرأي الآخر ، وهكذا توجيه نوع من الطوعية الاصطلاحية القائلة : بالانقياد بدون تصريف واقعي ودون أن يكون لها فيه وجه حق (1) وهذا التوجيه هو صيغة القضاء على الرأي المعارض وهو برهان يدل على السلب الإقتضائي دستورياً .

فقد جاء : بأن النظام الشيوعي يجبر المواطنين على العمل فليس لهم الحق في تركه وعللوا ذلك بأن نجاح حركة الإنشاء الإشتراكية لا يمكن ضمانها على الأسس الإختيارية ويجب أن يحل محلها برنامج مرسوم لتوزيع العاملين في الحياة الصناعية على سبيل الإرغام (2) .

ويقول (لينين) في رده على حرية العامل ورفع الحالة ورفع الجبرية التي تؤدي إلى السلب القهري للإرادة قائلاً : نحن لا نستخدم العمال باعتبارهم أحرار اً يعملون أو لا يعملون وإنما نستخدمهم باعتبارهم مكلفين بالعمل ولهذا فإنهم لا يملكون حق ترك العمل المحدد لهم (1) وبالتالي فهم يمارسون العمل حسب المقتضى السياسي الذي يمثل العقل الحزبي  لا إنَّ العمل قائم على درجة من الكفاءة والقدرة بحيث يتسنى للمجموع مجالات الإبداع والمهارة .

ولأن الإعتبار تكليفي يجب تنفيذه وليس هو تخصيصي يمارس الفرد فيه ما يستطيع أن يقدم من جهد وكفاءة لازمة في زيادة الإنتاج وجودته ، إذ المحفز هنا الخوف ولذا قال (بفرج) : إن الأحرى والأكثر لياقة هو أن يكون الباعث للناس في مجال الإبداع والنشاط الطموح والرغبة في القيام بشئ هو الأمل لا الخوف وإذا كانت البهائم مساقة بعامل الخوف فالناس مقادون أو يجب أن يقادوا بالأمل لا بالخوف (2) .

وفرض (روسيا) العقوبات الصارمة على تارك العمل أو المتهاون فيه فقد صدر مرسوم في 24 سبتمبر 1930 م نص على انه ليس للعامل أنْ يتخلى عن أي عمل أسند إليه وإلا فإنه يُعد هارباً ويحكم عليه بأن يقضي عشرة أعوام في معسكرات العمل الإجباري كما أنه صدر عين هذا المرسوم في 10 اغسطس 1940م .

وهذا ما تريده وتفكر به الماركسية أن يظل الإنسان مقيداً بالوسائل التي تستخدم من أجل تثبيت النظام الشيوعي ولذا فالعقوبات لم تستثن حتى المرضى : إذ إنَّ التغيب عن العمل أيام المرض يجعل العامل عرضة للمحاكمة (3) .

وتبقى العلاقة الإنتاجية التي هي ملاك عقل النظام الماركسي عاجزة عن الأداء والممارسة وعاجزة عن الخلق والإبداع ، ولقد نصت فقرات من الدستور على أنه يجب على العامل أن يقبل بأي عمل يعهد إليه في أي بلد وفي أي مكان كان وليس له أنْ يرفض ذلك بلا فرق في ذلك بين الرجال والنساء ، فقد فرضت على المرأة قوانين ليس لها حق التخلي عنها (4) .

وبالتاي يجب أن تكون جميع الطاقات عاملة ومتحركة بالضرورة لإرادة العقل الماركسي وحزبه الذي هو مالك كل شئ في مقابل لا شئ أي أنه يجب أن يكون مفهوماً أن الذي يعمل في معمل لا يملك نفسه فالمعمل هو الذي يملكه (1) .

8 ديناميكية العقل الماركسي

لقد فعل (ماركس ) عكس الماورائية تماماً ، فالمفكر الذي دارت آراؤه حول العمل لم يفكر قط في التاريخ بمعزل عن الطبيعة وقد قال (لفيورباخ ) لا طبيعة بلا عمل ، ولكنه يُذكر الماركسيين بأنه لا عمل بلا طبيعة ، وذكر في (رأس المال ) أن العمل أبو الثروة والأرض أمها مستعيراً عبارة (وليم بيني ) وتشويه الرسالة من قبل الفكر الإشتراكي فقد استطاع (ماركس ) رؤيتة في حياته وبذل المستحيل لإصلاحه بطريق البريد إلى جانب غيره من الطرق ، وكان الإخفاق المعروف لمؤتمر غوتا عام 1875 م ، وفي رأس البرنامج الإشتراكي هذا الإعلان الأساسي : (العمل مصدر كل ثروة وكل ثقافة) .

وينقض (ماركس) على قلمه ، الطبيعة مصدر القيم المتداولة وهذا هو ما تتمثل فيه الثروة المادية تماماً كالعمل الذي ليس هو نفسه سوى مظهر لقوة مادية قوة العمل البشري ، ولكن في الواقع ، ماذا يكون مصير عامل بلا وحدات حرارية وصناعة بلا مصادر طاقة وتحول من دون اولية ؟

ولم تمنع هذه الملاحظة الجاحدة ولكنها نابعة عن حسن الإدراك من أن يرى نقد برنامج (غوتا) في أحد الأدراج ، بعد أن أخضعه زعماء حزب العمل الألماني للمراقبة بحيث تبنى المؤتمر العبارة المجرمة من غير تعديلات وقد عادت تلك الجملة بالنفع لأنها حولت في الرؤوس أبطال العمل الصناعي إلى مالكي مفاتيح الثروة والثقافة في العالم المتمدن ولم تكن إستبدادية الإنتاج قد سقطت مع ذلك من السماء فأي استيهام عنيد كان قد استطاع إذن أن يوقظ عند مناصريها منطق ماركس ؟ أم أن الاستيهام كان موجوداً من قبل في منطقة ؟ وكيف أمكن الوصول إلى هذا اللامعقول ؟ .

لايمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من دون العثور على الخيط المَّوجه لتفكير (ماركس) ، فالعلاقة التنقاضية طبيعة ــ تاريخ تملك كعنصر وسيط العمل الذي يسلك هذه المقولات بعضها في بعض بينما تفكك المادية النظرية ما بينها من روابط وبالعمل الذي يستطيل صناعة يصبح الذاتي موضوعياً والعكس بالعكس .

وتتساوى الطبيعة مع التاريخ والتاريخ الإجتماعي جزء حقيقي من التاريخ الطبيعي أم من تحول الطبيعة إلى إنسان وهذا الإنتاج زمامه الإنتاج الماديّ ، فالإنسان هو المخلوق الطبيعي الوحيد الذي لم يمُنح الطبيعة بدءاًً بطبيعته هو ، وذلكم هو ما فات (فيورباخ) الذي كان يريد بخلاف (هيغل) أنَّ يعيد الحقوق إلى الإنسان الواقعي بكل ما يملك من ثروة محسوسة .

وغني عن البيان أنه لم يدرك المحسوس إلا في شكل شئ لا في شكل نشاط وهذا ما جعل ماديته  تكون نظرية ف(فيورباخ) يتأمل الجوهر البشري كما يتأمل الأشجار في بستانه ... وبالإجمال فإن (فيورباخ) يذيب التاريخ في الطبيعة لأنه يذيب الممارسة الإجتماعية في الشئ المحسوس فالممارسة أساساً تعني العمل ، والعمل المادي يعني تحول العالم في آنٍ معاً والإنسان بوجه عام يُفعل الشروط المادية التاريخية للعمل المنتج .

ومما لا ريب فيه أن الإنسان مستمد من الوجود الطبيعي ولكن هذه الطبيعة نقطة إنطلاق لا قاعدة فعلية إنها إفتراض منطقي مسبق لا حقيقة راهنة وهكذا يتميز علم التاريخ الواقعي الخاص بالإنسان بشكل جذري عن العلوم الطبيعية بأن طبيعة الإنسان لا تعدو أن تكون شيئاً واحداً هو نمو الإنتاج الإجتماعي والبشرية من أولها إلى آخرها تاريخية بما هي من أولها إلى آخرها منتجة للعالم ولذتها والميزة الخاصة بالإنسان داخل الأنواع الحيوانية هي أنه لا يملك ميزات طبيعية بل أدوات تقنية والناس يبدأون بالتميز من الحيوانات بمجرد أن يبدأوا بإنتاج وسائل وجودهم بشكل مباشر ينتج الناس بشكل غير مباشر حياتهم المادية نفسها إو بأن إنتاج الحياة سواء في ذلك إنتاج الإنسان حياته الخاصة بالعمل وانتاجه حياة الآخرين بالأنسان .

يبدو لنا إذن منذ الآن وكأنه غلة  مزدوجة تعود بالخير على علاقة طبيعية من جهة وعلى علاقة اجتماعية من جهة أخرى ، وفعل العلاقتين المشترك يجعل التعارض والإنسجام يتعايشان ولكن الطبيعة البشرية هي الجانب اللإنساني في الإنسان وما ينبغي على  الإنسان الحد منه ليتمكن من إنتاج ذاته بشكل كامل وهذا مالا يقره العقل الماركسي ، ولكن حين يستجيب حدّان كل لتحكم الآخر ، فمعنى ذلك دائماً أن أحدهما أكثر استجابة من الآخر والمحدد عند (ماركس ) هو بالتأكيد العمل والتاريخ والإنسان .

وتمثل الطبيعة القاعدة الجامدة بوصفها شرطاً مسبقاً للانتاج .

وهي إقتصادياً   المادة الأولية الواجب تحويلها .

وهي سياسياً الأصل العرفي الموغل في البعد الذي ينبغي دائماً الإنفصال عنه أكثر فأكثر المتمكن من العثور عليه يوماً في صورة كاملة .

ومما لاريب فيه أننا سوف نعود إلى نقطة انطلاقنا في نهاية المطاف تماماً في عملية لم الشمل الشيوعية إذ إنّ تاريخ البشرية الماركسي منذ البداية يعلم أنه سوف يتيه في آلامه وأنه سوف ينتهي بالعودة إلى منشئه ، وفي انتظار ذلك يبقى أن الحدّ الأول في الزوجي طبيعة ، تاريخ يحتل المرتبة الرديئة التي تذكر بمرتبة الأمتداد في وجه الفكرة عند (سبينوزا) أو بشكل أبسط مرتبة الفلاح في وجه العامل في المجتمع الصناعي والفلاح الذي يزرع الطبيعة مدين للعالم الذي يصنع التاريخ بأكثر مما هو مدين له هذا الأخير .

والطبيعة هي مكان الماضي أو  مكان التجزئة أو مكان اللاعقلاني أو مكان الحاجة الطارئة أوحتى مكان الإنسان المنزوع المالكية والتاريخ هو مكان التحول أومكان التوحيد أو مكان التخطيط أو مكان الإسقلال الواعي أو حتى مكان الإنسان السَّاعي إلى استعادة جوهره الضائع في الخارج الطبيعي وليس هناك ما هو مصنوع وكل شئ يصنع نفسه بحركة تبادل إنتاج مزدوج ودائم تجمع المفعول إلى الفاعل عدا أنْ (ماركس ) استبدل الفاعل الأصلي التركيبي بالنشاط الإجتماعي المنتج ، او الوعي الفرد (لديكارت ) بالممارسة الجماعية من غير أن يثور الجهاز المنطقي الخاص بالعلاقة المثلية وانعدام التساوق واضح في العلاقة وليس من مصالحه  نهائية بين الطبيعة والتاريخ إلا في ظل الواقع الموضوعي للحركة الجادة بتطبيع الإنسان على القيم الموضوعية الممارسة في طريقة المشاهدة والإنتاج والتفاعل بين الأثر القابل والمقبول في الصياغة الإنتاجية وتلك  تتحقق حينما يجعل العالم الطبيعي أداة للسير إلى الواقع الموضوعي صاحب النظرة العقيدية المستقاة من مفهوم الأتساق بين الفطرة البشرية والحاجات الطبيعية .وتلك هي موضوعية الهدف الواقعي للإنسان في الجعل الطبيعي للعالم وهذا هو التناسب الأزلي بين التبادل الوجودي للطبيعة والتاريخ والإنسان بما هو محتوى للمفاهيم ترتبط بالعقل الطبيعي اللإنسان المستهدف بالحركة الجوهرية للتغيير الموضوعي للعالم .