6 اضمحلال الدولة

يقول ( أنجلز) عن اضمحلال الدولة : تأخذ البروليتاريا سلطة الدولة وتحول وسائل الإنتاج في بادئ الأمر إلى ملك الدولة  (1) .

وهذا المفهوم الإشتراكي للثورة إذ يجعل السلطة بيد البروليتاريا باعتبارها تمثل دور العمل في المجتمع ولا غنى للمجتمع دونها بشرط أن تكون وسائل الإنتاج بيدها وهذا في واقعة  تمهيد للحاكمية المطلقة للحزب الشيوعي في المجتمع وبالتالي تحويل المجتمع إلى عامل داخل الحزب وبالقوة ، كما أنه يجب عليه أن يقبل بأي عمل يعهد به إليه في أي مكان وليس له أنْ يرفض ذلك (2) .

ولكن (أنجلز) أضاف لمقولته السابقة بأن البروليتاريا بذلك تقضي على نفسها بوصفها بروليتاريا ، وهذا الاستنتاج الانتزاعي نظرياً قائم على فكرة التولد السببي للمعلولات من داخلها كما أدعت الماركسية بذلك ، لأن البروليتاريا هنا لا تقضي على نفسها بل تثبت مركزية السلطة بيدها إذ تنتزع القدرة من الآخرين وتحولها إلى سلطة بروليتاية .

وأي قانون فعلي مارسته الماركسية قائل بانقضاء دور الحزب البروليتاري بعد تولي السلطة . ولكنه يرى مع ذلك ضرورة الدولة لحفظ وسائل الإنتاج ، بداهة إنه يرى تلك الضرورة من خلال السلطة البروليتارية في الدولة أي القوة الحزبية المنظمة التي تمثل آراء (ماركس ولينين ) : باستخدام نظام الطاعة الحديدية الصارم الذي يتصف بالقسوة والطغيان والاستبداد كما عن (ستالين) .

ويرى (أنجلز) في نهاية مطاف تنبؤاته فيقول :

وفي نهاية الأمر عندما تصبح الدولة حقاً ممثل المجتمع بأكمله عنئذ تجعل نفسها بنفسها أمراً لا لزوم له . وهذا القوا لم يعتقد (أنجلز( نفسه به لعدة أمور :

1 إنه لم يعط مدة يرى فيها تحقق هذه النبؤة .

2- إنه لم يعط كيف يكون عليه حال المجتمع من الناحية النفسية والإجتماعية والسياسية عند الوصول إلى تلك الحالة .

3 إنه لم يوفق بين نظريته والمشاعر الإنسانية ، إذ يفترض ويلح ، في مقولة سابقة التأكيد على اعتماد القمع والبطش بين صفوف المجتمع وهذا الواقع ما تصرح به الماركسية وعلى ألسن قادتها .

إذن فكيف لها أن توفق بين المشاعر الحزبية والإرادة الإنسانية ، طبعاً سيقولون إنَّ ذلك موكول للممارسة الحزبية في الدولة ، ولكن القول بالممارسة قول غامض ليس فيه دلالة على نوع ماهية الفعل الذي  تمارسه اللجان العمالية مع المجتمع .

ونظام الطاعة البوليسي ليس حلاً للإشكال بل هو تعقيد للمفهوم وكلمات القادة الشيوعيين ترسخ وتدعم مفهوم البطش والقوة وذلك يدل على أنَّ منهج النظرية ليس من واقع العقل الإجتماعي وغريب عليه فقبوله مرهون بصمته ومع انكاشاف خطته لأنه يمارس العنف استحال ان يطبق نظريته كما يريد .

4 إنه افتراض زوال المجتمع الطبقي وإحلال محله المجتمع الشيوعي ، وهذا الإفتراض لا ندري منشأه من أين أتى ؟ فهل جاء من تطور وسائل الإنتاج أم من تطور المجتمع أم من الأثنين معاً ؟ ولكن ما هو دور العلوم التكنتكية في المجال ؟ فهو أعطى الإفتراض دون أن ينشئ احتمالات مؤيدة ومخالفة وهذا بدوره توجيه ودعوة حزبية للقمع والبطش وسلب الحريات ، وعنده فلا قيمة للتنظير الفلسفي أو النبؤة السياسية ، فكل ذلك ومثله معه لم يجب ولم يتطرق إليهم (أنجلز) .

ولعل (لينين) حاول أنَّ يوجه هذه التقولات بما يناسب الفكر اللينيني الثوري المطالب بالتغيير الإجتماعي لكنه وقع في إشكالات مختلفة منها :

1 وجه عبائر (أنجلز) إلى كون الذي الذي يعنيه هو كومونة باريس 1871 ، فانجلز يتحدث عن قضاء الثورة البروليتارية على البرجوازية ، ولكنه يدعي بأن الدولة ستضمحل ويعني به أن الذي سيضمحل هي البروليتاريا ، وهذا خلاف رأي (لينين) القائل : إنَّ جميع الناس يرون أن البلاشفة كانوا يستطيعون في الحكم لاأقول سنتين ونصف سنة بل شهرين ونصف شهر لولا نظام الطاعة الصارم ولولا نظام الطاعة الحديدي حقاً في حزبنا ( 1)

2 -     وقوله بأنَّ الدولة هي : قوة خاصة للقمع ، إنما يعني به قمع البرجوازية ، لأنه لا يرى حرية للناس إنما الحرية لحماية الدولة (1) . ولكن السؤال لا زال قائماً وهو : هل إن البرجوازية تعني جميع الشعب لكي يفترض له ظهور ديكتاتورية ؟ نعم يصدق قوله إذا كان المقصود بالقضاء  هو تحويل وسائل الإنتاج وكل ما يتعلق بالإقتصاد إلى يد حزب البروليتاريا فذلك هو الصحيح ، إذ لا يعقل الإستعاضة عن قوة خاصة برجوازية خاصة بقوة خاصة بروليتارية إلا من هذا الوجه وهي ليست بتمام المطلب إذ التصادم بين نظرية الإضمحلال وفكرة وجود القوة بيد البروليتاريا .

3 إن (لينين) لم يستطع تقرير مفهوم علمي للاضمحلال غير الثورة  الاشتراكية لأن هذا الرأي وجد تبريراً لحل نظرية الطبقة البرجوازية وليس من الوجه العام معالجة إيجابية للموضوع ، إذ الحال أن الثورة البروليتارية حينما تقوم تثبت مركزيتها وصلاحيتها وقدرتها بالضد مع الحرية العامة ، وكون الإضمحلال لازماً فالحرية العامة لازمة الزوال وهذا الاستنتاج الجدلي يؤمن (انجلز ولينين ) به .

فكلما أن موضوعة (أنجلز) قائمة على وضع خاطئ في التفكير فكذلك وقعت في خطأ في الممارسة عند (لينين) إذ لم يوضحا دور الديمقراطية في الثورة وما بعدها . فلينين يقول : نحن لسنا بخياليين ونحن لا نفكر أبداً إمكانية وحتمية وقوع مخالفات من أفراد كما لا ننكر ضرورة قمع هذه المخالفات ولكن هذا الأمر لا يحتاج أولاً إلى آلة خاصة للقمع ، إلى جهاز خاص للقمع فالشعب المسلح نفسه يقوم به ببساطة ويسر كما تقوم كل جماعة من الناس المتمدنين حتى في المجتمع الراهن بتفريق متشاجرين أو بالحيلولة دون الإعتداء على إمرأة (3) .

فالديمقراطية إذن تزول حسب الإرادة الكلية لقوة الحزب وهي المعجلة  بنهاية القوة المقابلة بالضد لإرادة الجماهير وليست هي معها وبذلك تنتفي بالقمع والقسوة .

قال ( كافالسون ) في ظل الشيوعية لن تكون ثمة دولة ، ولكن هذا لا يعني أن المجتمع الشيوعي لن يحتاج إلى تخطيط الإنتاج والإستهلاك وحساب الحاجات ولكن هذا التنظيم سيقوم به أفراد المجتمع على مبدأ المبادرة (1) .

فاستنتاجات (كافالسون) وأقطاب المادية الماركسية فيها كثير من  التجاوز على أسس التفكير المنطقي السليم فهو يعطي وبناء على مذهب تناقض الديالكتيك بنهاية حتمية للدولة ولكنه لم يكن دقيقاً حينما عهد بحل إشكالات الناس بعد اضمحلال الدولة إلى المبادرة فهذا الايكال جعله بمستوى الحاجة الالزامية في شرط تحقق التخطيط الذي تقوم عليه المبادرة ، ولكن نفس المبادرة عائدة إلى أفراد وهؤلاء غير متساويين في الكفاءة والقدرة والرغبة والعلم ، ولو صح ثبوتاً وجود مبادرة من أحدهم فإن مبادرات أخرى ستكون في الطريق معها او فيها إلى الطرح ، ولو سلمنا جدلاً بمبدأ المبادرة فلمن تقدم هذه المبادرة ؟ ومن المسؤول عن تنفيذها ؟

إنَّ جزء تناقض وجد في نفس الأطروحة القائلة بمبدأ المبادرة ، لأن جميع الناس لهم مشاعر وعواطف ونزعات مختلفة وإذا كان هذا فإنه يبقى التفضيل حسب الإنتماء الحزبي غير ذي دليل ، إنَّ جملة حقائق ستظل تراوح مكانها بين آراء أقطاب الماركسية وستظل إجاباتهم عاجزة ولو نسبياً في الإستدلال برهانياً على صحة جدلية الاضمحلال .

ويقول (لينين) : إنَّ الجهاز الخاص للآلة الخاصة بالقمع وهو الدولة أمر ضروري ولكنها تغدو دولة انتقالية تكف عن ان تكون الدولة بمعنى الكلمة الخاصة دولة في سبيل الفناء (2) .

ويعلق (دوفرجيه) على ذلك بالقول : إنَّ هذه النظريات العتيقة المستوحاة من المسيحية المزعومة مسيحية عصر التفتيش قد رجع إليها الفاشستيون الذين يرون كما يرى (السيد مونترلان) أن ركل الأدبار بالأرجل هو الذي يصنع أخلاقية الشعوب ، وكثير من المحافظين المعتدلين في الظاهر يرون هذا الرأي أيضاً لكنهم لايجرؤون أن يعلنوه .

وبالتالي فهذا تناقض إذ كيف يحدث الإضمحلال بالقوة والعنف فهو ليس ثورة وإنما هو انتقال ديناميكي إلى روح الشيوعية وهذا الإنتقال لا يحتاج إلى ركل الأدبار بالأرجل إنما يحتاج إلى شيوع روح الأخوة والتساوي وذلك محال إذ فيه انتفاء للطبقية وهذا تأكيد عليها .

وتبقى نظرية إضمحلال الدولة مدار بحث عند العلماء فقد قال الشهيد (الصدر) في رده عليها قائلاً من حقنا أن نتسارل عن هذا التحول الذي ينقل التاريخ من مجتمع الدولة إلى مجتمع متحرر منها كيف يتم هذا التحول الإجتماعي ؟ وهل يحصل بطريقة ثورية وانقلابية ؟ أو أنَّ التحول يحصل بطريقة تدريجية فتذبل الدولة وتتقلص حتى تضمحل وتتلاشى ؟ فإذا كان التحول ثورياً فمن هي الطبقة الثائرة التي سيتم على يدها هذا التحول ؟

 وقد علمتنا الماركسية أنَّ الثورة الإجتماعية على حكومة إنما تنبثق دائماً من الطبقة التي لا تمثلها الحكومة . وإذا كان التحول تدريجياً فهذا يناقض قبل كل شئ قوانين الديالكتيك التي ترتكز عليها الماركسية فإن قانون الكمية والكيفية في الديالكتيك يؤكد : أن التغييرات الكيفية ليست تدريجية بل تحصل بصورة فجائية وتحدث بفقزة من حالة إلى أخرى وعلى أساس هذا القانون آمنت الماركسية بضرورة الثورة في مطلع كل مرحلة تأريخية .

والتحول التدريجي السلبي كذلك يناقض طبيعة الأشياء ، إذ كيف يمكن أن نتصور أن الحكومة في المجتمع الاشتراكي تتنازل في التدريج عن السلطة وتقلص ظلها ، حتى تقضي بنفسها بينما كانت كل حكومة أخرى على وجه الأرض تتمسك بمركزها (1) .