3 النظام بين النظرية والتطبيق

يعتقد أكثر المفكرين والفلاسفة السياسين ، أن النظام السياسي متعلق بالمذهب السياسي ، وعلية فقابليته على ممارسة دوره في الواقع ما تقتضيه النظرية نفوذياً في الواقع الإجتماعي ،  وأما كون النظرية قادرة في العطاء دون مرحلة الترتيب الممّهد فليس هو الواقع الموضوعي الذي يشير إليه ( بورلاتسكي) إذ يفترض قابلية النظرية بما هي علة ومعلول على أحداث واقع أجتماعي معين تتمكن النظرية فيه من ممارسة دور الموجه للواقع الفعلي ، وهذا الافتراض كما يرى ( دوبريه ) إفتراض ديالكتيكي محض ، إذ ليس من قانون تبرهنه العملية الفعلية للنظرية إلا بالإطار المذهبي للنظام ، وعلى هذا يحتاج إلى تحديد الأطر العملية لوجود فكرة المذهب على النظام الذي يحتاج بدوره إلى علة تبين العلاقة بينه وبين الواقع الإجتماعي العام ، ولو قلتم بأنَّ العلاقة قائمة من باب التأثير والتأثر ، فيحتاج إلى معرفة صيغ العناوين الوضعية له موضوعاً ، ولكي ننبه إلى أسس النظام الماركسي من خلال النظرية وتطبيقها نحتاج إلى توضيح التالي :

1 ماهي حاكمية البروليتاريا ؟

2 ما معنى اضمحلال الدولة ؟

 

4 دكتاتورية البروليتاريا

يعتبر مصطلح كلمة ( بورليتاريا ) اجنبياً دالاً على معنى الطبقة العاملة في المجتمع وهي ذات الطبقة المستغلة (بفتح الغين) من قبل البرجوازية والرأسمالية وصراعها معها صراع للواقع الموضوعي .

فإذا كان ينبغي للبروليتاريا قبل كل شئ أنْ تأخذ بيدها مقاليد السلطة كما صرح بذلك (لينين) فالسلطة هي المسألة الرئيسية في النضال الطبقي ، طبيعي أن (ماركس) ادعى بأن البروليتاريا تتسلم السلطة من الرأسمالية ، ولقد جاء نجاح الأقلية البلشفية باستلام الحكم إيذاناً بأن (روسيا) ستكون أول دولة في العالم تنتصر فيها الماركسية وإحرازها أول انتصار لها في ( روسيا ) هو مفارقة من أغرب المفارقات التأريخية ، لأن دعوة (ماركس) هي دعوة لتسلم البروليتاريا للسلطة من الرأسمالية وكان يتوقع لها الابتداء في مجتمع حقق درجة عالية من الرأسمالية وأصبحت فيه البروليتاريا قوة كبيرة ، ولم يكن حال (روسيا) حينما انتصرت فيها الثورة البلشفية وكل ما جرى بعد ذل للدكتاتورية السوفياتية يمكن أن يفهم على ضوء هذه المفارقة بين ما توقعه (ماركس) وبين ما حدث ومنطلق هذه الدكتاتورية هو منطلق ثوري عقائدي ماركسي.

ولكن ماذا تعني الماركسية بالدكتاتورية ؟ 

إنها تعني ؛ المفهوم العلمي للدكتاتورية ليس شيئاً آخر غير السلطة التي لا تحدها قيود شرعية ولا تعترضها مبادئ والتي تقوم مباشرة على العنف (1) .  ولكن العنف لا ينشأ من عدم إنما هو وليد نظام الحزب البلشفي الذي يتطلب نظام الطاعة الحديدي الذي تكون فيه ديكتاتورية البروليتاريا هي الحزب الأكثر كما يصفها (لينين) والأشد قسوة التي تخوضها الطبقة الجديدة ضد عدو أقوى ، ضد البرجوازية التي تتضاعف مقاومتها من جراء سقوطها بالضبط ولذا فديكتاتورية البروليتاريا لاغنى عنها وأنه لمن المستحيل التغلب على البرجوازية دون حرب دويلة عنيدة مستميتة وهي القادرة على القضاء على كل صور البرجوازية الصغيرة .

 إنَّ حزب البروليتاريا السياسي هو صاحب الدور القائد والموجه في نضالها الطبقي وبدون الحزب المصلح بالنظرية العلمية والمرتبطة أرتباطاً وثيقاً بالجماهير كما يرى (بوليتزر) ، لا يمكن للبروليتاريا أن تحقق النجاح في نضالها ضد  اعدائها الطبقيين (1) .

ولهذا اعتبر (لينين) أقوال من يرون قيام ديكتاتورية البروليتاريا  بدون حزب ذي مركزية قوية ونظام وطاعة حديدية بأنهم فوضويون وقال : دع اليساريين يمتحنون أنفسهم في العمل داخل النطاق الوطني والدولي دعهم يحاولون التمهيد لديكتاتورية البروليتاريا ثم تحقيقها بدون حزب .

وأعتقد أنَّ (لينين) وأقطاب المعسكر اتخذوا العملية توطئة في مقام الحكم وهي قاعدة حديدية من الأوامر والنواهي المحمولة بدفع العمال والمجتمع إلى قبول نظام الطاعة اللامشروط ، بل الشرط هو تمام الطاعة وليسي هو اختيار العامل إنما هو دستور معالجة تتبعه الممارسة في النظام لجعل ذات الطاعة عملية إلزامية شرطها الممارسة اليومية اللامشروطة من قبل المجتمع ، وقد صرح (لينين) بذلك قائلاً : إن جميع الناس يرون أنَّ البلاشفة كانوا يستطيعون الحكم لا أقول سنتين ونصف سنة بل شهرين ونصف لولا نظام الطاعة الصارم ولولا نظام الطاعة الحديدي حقاً في حزبنا (2) .

وهذه الديكتاتورية البغيضة هي إعجاز يفتخر به (ستالين) على أنه أداة لتثبيت إرادة الحزب قائلاً :

لن نفلح في تدعيم النظام الشيوعي إلا إذا اتصفنا بالصرامة والقسوة والطغيان والأستبداد (3) .

وهذا التصور هو العمل السياسي اللازم في النظام الشيوعي ولذا اعتبرت صحفية (البرافدا ) الصادرة في 19 نوفممبر 1927 م أنه يمكن تحت ديكتاتورية البروليتاريا أن توجد ثلاث أو حتى أربع ملكيات لكنها مشروطة إذ واحدة فقط في السلطة والآخرون في السجن ومن لم يفهم هذا لم يفهم ذرة من جوهر ديكتاتورية البروليتاريا عن جوهر ديكتاتورية الحزب البلشفي .

والبروليتاريا فيها هي المنظمة في طبقة سائدة ، ويرى (ماركس) أنَّ السيادة هنا سيادة الحزب وهذا ما يعنيه قول (كوفالسون) القاضي بوجود التناقض الطبقي الذي يعزز نظرية الحزب في الدول ، ولهذا فإن البروليتاريا بحاجة إلى الدولة لا من أجل الحرية بل من أجل قمع خصومها وذلك ما يراه (لينين) إذ إنَّ للبروليتارين في جميع بلاد العالم نفس المصالح التي تجعلهم يتألبون على الطبقة المستغلة لأنهم أعضاء في نفس الطبقة المستغلة .