2- المادية التأرخية والديالكتيك

يعرف (لينين) المادة ديالكتيكياً : بأنه مقولة فلسفية تدل على الواقع الموضوعي المعطى الإنسان في أحاسيسة والذي ينتج بتصور في أحساسيسنا مع أنه موجود بصورة مستقلة عنها  (1) ولعل التعبير الأشمل يرى : بأن قوانين الديالكتيك هي القوانين التي تفسر كل تطور وصيرورة ، بالصراع بين الأضداد ، في المحتوى الداخل للأشياء ، فكل شئ يحمل في صميمه جرثومة نقيضه ، ويخوض المعركة مع النقيض ويتطور طبقاً لظروف الصراع (1) وهذا الرأي دال من حيث الواقع الموضوعي على أنْ فكرة القانون الديالكتيكي قائمة على روح التناقض في المادة ، وهو تناقض داخلي محكوم بقوانين العلية في حركة المادة ، ويعني ديناميكي ذاتي وليس ميكانيكي متأثر بتحرك أو بتحريك قوى أخرى في المادة من صلبها أو أعلى منها ، وهذا التفسير يجر نحو التفسير الفلسفي لحركة المادة ، وقد أشرنا في ما تقدم على أن الماركسية ربطت المفهوم الفلسفي للعالم بالناحية الاقتصادية وعممت من ناحية الموضوع القوانين الأقتصادية على الواقع الأجتماعي وقالت بالتلازم الطبيعي بين الحركة الانتاجية وتطور وسائلها وبين الحركة الإجتماعية وتطورها تأريخياً ، طبيعي أن القول يوضح من حيث المبدأ الحكم الفلسفي الشامل للنظرة الحياتية من الناحية السياسية بالخصوص التي ترتكز عليها واقعية التطبيق الفكري للمذهب الماركسي ، فمن حيث السيادة ادعت الماركسية للنظرية الدكتاتورية في الحكم لفظاً واصطلاحاً إنسجاماً مع مفهومها العرفي العام ، هذه الدعوة تحمل مبدأ التملك الجماعي شرطه الوجوبي قوة حزبية منظمة لها قدرتي التحرك والتنفيذ ، والقانون إنما هو صياغة للنظرية في التطبيق باتجاه حاكمية البروليتاريا ، وعليه تصبح السلطة خاضعة بالضرورة لإرادة البروليتاريا ونظرتها للواقع الإجتماعي والإقتصادي ، وهي تضع خطوطاً غامضة لتصوراتها السياسية تدعي انها تمام المفهوم الواقعي لتغيير الموقع الإجتماعي وسلطة البرجوازية في حين تطرح برنامج سيادة البروليتاريا عملياً والسيادة كما تراها الماركسية لا تاتي طوعاً إنما تمارس البروليتاريا العنف والدعاية المحمولة بالضغط على القوى الرافضة لنظريتهم في المجتمع ــ يعني على أولئك الذين لا يرون مبرراً علمياً واقعياً في سيادة البروليتاريا تحت طائلة العنف ــ مما يستدعي مهارة عالمية في إدارة الفن السياسي الهادف إلى توطئة من باب السلب القهري لإرادة المجموع وتبني فكرة البروليتاريا في السلطة .

ولقد راوحت نظرياً بين الحاكمية البروليتارية  ومفهوم إضمحلال الدولة مما عزز بالنهاية الأولى على حساب الثانية ، ولكن هل يا ترى أنه الحل الواقعي لقضايا المجتمع ؟

إن الماركسية ترى في تقرير الواقع الموضوعي مراحل تسميها بالنظرية من اجل الوصول للمبدأ الثاني ويقول ( ماركس ) : ( ولكن الإنتاج الرأسمالي ينسل هو ذاته ، نفيه بالحتمية ذاتها ، التي تخضع لها تطورات الطبيعة ، إنه نفي النفي ) (1) .

تأريخياً لا تستطيع قوانين الديالكتيك أن تعطي جواباً واقعياً للتناقض الطبقي إذ التصور المحض لا يعضده الديالكتيك ، إذ لا انطباق كما في النظرية بل تعليل نسبي ومن هنا قالوا بالنسبية التطورية ونفوا وجود الإطلاق العام في القانون الديالكتيكي تجاه المادة إذ الظواهر كاشفة نسبياً عن التطور بالشكل الخاص ، هذا المفهوم يبدو غريباً إلى حدّ ما  فهو إذ يعطي التناقض صفة كلية في حين لا يجيب عن ماهية النتيجة أكثر ما يراه أن النتائج قد تختلف عن الفرض إذا كان الفرض غير قائم على استيعاب التطور الإقتصادي في حين النتيجة ديالكتيكياً  تنطبق بالواقع على الفرض إلا في حالة كون الفرض علة ناقصة ، أما كونه افرازاً داخلياً يتولد منه أثر خاص فمفروضيته ليست برهانية ، وفي المنطق الشكلي يرون أن الإفراز الداخلي امر يخص المعلول والعلة من باب سببية الإثنين والنتيجة ، وتصور انتزاعي لمفهوم العلة السببية لا بدله من معلول سببي خاص خارج نطاق العلة السببية يحتاج إلى تناسق بين النظرية بالمفهوم الديالكتيكي المجرد والديالكتيكي الفيزيولوجي ، وهذا التناسق يجب أن يكون حاصلاً من باب المقدمية ولكن افتراض المقدمية يأتي على ما يلي :

1 هل التناسق داخل أيضاً في السببية النسبية ؟

2 وهل التناسق خارج عن التركيب النسبي ؟

طبيعي أنه من خلال الفرض النظري يمكن الإجابة عن السؤالين ؛ بإيجاب وسلب ولكن يرد إشكال على الإيجابية وهل هي دالة بذاتها على تحقيق صدق النظرية  ؟ وهذا ما حاول ( لينين) تسليط الأضواء عليه لكنه وقع بجدل لفظي تسلسلي أخرج برهانه من الاعتبار الإيجابي وظلت النظرية عاجزة عن التصديق بالفعل وبالقوة ، ولكن على الواقع الإجتماعي ثابت ام متغير ؟

هنا لا بد من القول إنه ليس قائل بالثبوت ولقد أثبتت نظرية (صدر المتألهين )

 في الحركة الجوهرية بأن التغيير لا يحس الواقع الموضوعي العقيدي ، لأنه يخرج الواقع الموضوعي للعقيدة تخصيصاً من التغيير ، وهذه حاكمة من باب اللزوم ، وقالوا يجب أنْ يكون الواقع مشروطاً بتابعيته للمنهج الفكري الميتافيزيقي من واقع الفلسفة الإجتماعية ، وهذا القول يبقى كشرط  لازم لأنه يبين : الثابتية في الواقع والأصل القابل للتغيير فما يتعلق منه بالحالة الإجتماعية المعاشة فهي حتمية التغيير طبقاً لمفهوم التطور الجدلي ، ولكن ما يتعلق بالجوهر الفكري إجتماعياً فهنا يمكن القول بالنسبة لمقتضى الإنقسام عند العلماء فمنهم من :

أ- قال بالثبوت حال تحقيق شرط الأزلية العقيدية في الجوهر فلسفياً ويمكن إعتباره متعلقاً لعلة العلل وهؤلاء هم أنصار المذهب الواقعي .

ب تقول بالتغيير في الجوهر الفكري مستندين في ذلك على حوادث مرت تأريخياً تحكمت فيها القوة والواقع القهري وهؤلاء هم أنصار المذهب اللاأدري .

ويمكن اعتبار الفئة الثانية مشاركة للماركسية لكن الماركسية لها مواضع اختلافية في معينة تابعة لنظرتهم السياسية جدلياً للواقع الإجتماعي ، وقد صرح (لينين) بذلك قائلاً : ( نسطيع بانطلاقنا من المذهب النسبي البحت تبرير كل نوع من أنواع السفسطة ) (1) ولا يحتمل أن يكون ذلك حلاً للتناقض إذ السفسطة اعتبارياً لا تحل بالمذهب النسبي ، إلا إذا قلنا بأن المذهب النسبي يجوّز وجود الفرضيات السفسطية وبناء على المذهب الاستقرائي المنطقي فإن الفعل لا يتعلق بالنسبة كلياً والنسبة إنما مرددة بين الإيجاب والسلب ، وبالفعل أما بالإنفعال فليس من قائل بالنسبة الإتبريرات المذاهب السفسطائية وهم بذلك إنما يحولوا مبدأ اللازم إلى نفي سلبي وذلك حسب مفهوم النظرية بمقتضى الواقع .

 

بيان واستدراك

 

يظهر أن تعريف ( لينين) للمادة يحمل تناقضات جوهرية نَعْرُضُ لها إجمالاً بالبحث والبرهان .

1 القول بفلسفة المادة : هذا القول فيه جوانب إيجابية وكذلك جوانب سلبية فالمقتضى المفهومي لفلسفة المادة هو صورة الترابط بين الفكر والعقل والمادة ، وهو ترابط ناشئ من صيغ التلازم الفعلي لمرحلة الإنتقال الإبتدائي في معرفة الأشياء ، والمعرفة صيغة إيجابية دالة بثبوت على أن الفعل يعتمد التحليل المحسوس والخارج عن نطاق الحسّ وهذا الجمع هو فلسفة مفهومية العقل الوجودي ولا ريب أن الفلسفة دائرة داخل نطاق حدود العقل بما هو استنتاج وبرهان لمفاهيم تصاغ على أساس مبدأ العلية والسببية ، ولكن المعرفة أيضاً سببية دالة ببطء على نوع الموضوع الفلسفي للمادة . وعلاقتها بالواقع الموضوعي والميتافيزيقي إذ لو كان التصور بالمفهوم المجرد يعني داخل أطر المحسوسات فينبغي ترك ما يعقل من خارج نطاق الأطار الحسي ، وهذا الترك سلبي معلن إذ يقتضي التوافق العكسي بين شرط العلة والمعلول .

2 التركيز على مفهوم الحس الإنساني : وهذا داخل بالمبدأ التجريدي للواقع الفعلي أو الشرط الإلزامي المقتضي للتوافق ثبوت الشئ بعد ثبوت وجوده الحسي ،

وهذا الإقتضاء منشأه التفكير المادي لواقع الحياة وهو داخل بلا  أدنى ريب بالمغالطة الفلسفية (لهيغل ) الذي جرد التفكير من أصله المثالي وربط التوالد المعلولي من داخل السنخ الخاص وهو كما ترى تجريد من نوع إثبات وجود عليَّ من عليَّ آخر إذ مقتضى القاعدة الفلسفية لزوم شرطية الفعل من قواه التكوينية وشرط ثبوت المعلول من علته التكوينية أما كون ثبوت الحس لوجود شئ بما هو وجود ملموس يخرج كل تفكير من شأنه أن ينظر إلى قوانين ديالكتيكية أخرى تشترك بغيابها الحسي مع أنها ثابتة بشرطها العقلي والعلمي ، وما قانون (مندليف ) ، ومراحل تطور الأنواع في نظرية (داروين ) يستنبط قانون تكامل او تحول الطبيعة بصفته قانوناً فلسفياً عاماً ، ثم يعمم على المجتمع والتاريخ ويتنبأ على أساسه بتحقيق المجتمع الشيوعي ــ المجتمع اللاطبقي الحديث ــ الذين يزعمون أنه آخر مراحل تكامل المجتمع ويكون هذا بشكل قاطع على أساس أنه قانون علمي فلسفي (1)

3 الوجود الإستقلالي للمادة : هنا لم يأت (لينين ) بشئ جديد في الواقع الموضوعي للمادة ، إذ إنَّه لم يحدد صورة الإنعكاس الحسي للمادة عند الإنسان ، أهو الشعور العقلي أم الحس الفعلي ؟ كما أنه لم يبين دور العقل في عملية الحس تلك ، ولم يعط توضيحاً لمفاهيم العقل ، وإذا كان العقل مادياً فهل إن ثبوته ينعكس بالأحاسيس المجردة أم التجريبية ؟ فمثلاً تصورات الإنسان عن الأشياء الغير مادية وثبوت وجودها الفعلي ، هل هو انعكاس للأحاسيس أم للمادة ؟ طبعاً كل ما قاله في التعريف ينبثق من مفهوم وضعي خاص ومرتبط بتطور وسائل الإنتاج وتوطيد حاكمية البروليتاريا .

ملاحظة : تصنف الماركسية الناس تصنيفاً إقتصادياً مطلقاً ، فلا ترى إلا طبقتين هما : البروليتاريا والبرجوازية  وكأن الفارق بين الناس ليس أكثر من هذا الفارق الإقتصادي (1) إذ إن كل التطورات عندهم ذات ماهية اقتصادية وإن بدت على الظاهر أنها ذات ماهية ثقافية أو دينية أو أخلاقية مستقلة وكل هذه التطورات إنعكاس للوضع الإقتصادي والمادي للمجتمع ، والعلاقة بين الإثنين علاقة المعلول بالعلة .

الحكماء القدامى كانوا يذهبون إلى أنَّ معرفة الأشياء عن طريق عللها الإيجابية أشرف أنواع المعرفة وأكملها (2) . وعلى افتراض أنَّ جذور جميع التطورات الإجتماعية هي البنية الإقتصادية فالطريق الأفضل لمعرفة التأريخ عندئذ هو :

التحليل الإقتصادي بعبارة أخرى كما أنَّ العلة متقدمة على المعلول في مرحلة الواقعية والثبوت كذلك هي متقدمة عليه في مرحلة المعرفة والإثبات .

وعليه فأولوية البنية الإقتصادية ليست أولوية عينية ووجودية فقط  بل هي أولوية ذهنية وإثباتية واولوية معرفة فقد جاء في كتاب المراجعين من (ماركس) حتى (ماو) مايلي : ( في تحليل الثورات الإجتماعية لا ينبغي أن نصدر أحكامنا حول النزاعات الإجتماعية إنطلاقاً من الشكل السياسي والحقوقي والإيديولوجي بل بالعكس ينبغي أن نفهم هذه النزاعات من خلال التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج .

(ماركس) حذرنا جداً من إصدار مثل هذه الأحكام لأنها أولاً ؛ ليست بواقعية وأنها تضع المعلول ، أي الأشكال السياسية والقانونية والإيديولوجية مكان العلة التي هي التناقضات والتغييرات الإقتصادية .

وهي ثانياً : سطحية لأنها بدلاً من النفوذ في اعماق المجتمع والبحث عن العلل الواقعية تبقى على مستوى السطح وعلى مستوى ما يبدو للعيان مباشرة .

وهي ثالثاً : وهمية لأن البناء الفوقي ، الذي بشكل عام أيديولوجي ، ليس سوى توهم وتصوير غير صحيح للواقع وأخذ صورة غير صحيحة عن الموضوع بدلاً من الموضوع الواقعي التحليلي يجرنا إلى الخطأ حتماً (1) ولكن ( برودون) يرى أنَّ العقائد والأفكار ذات أثر في تكامل المجتمعات وأنَّ الأشكال للشعوب هي مظهر عقائدها .

فحركة هذه الأشكال وتغيرها وفناؤها هي اختبارات عظيمة تميط اللثام لنا عن قيمة هذه الأفكار وبالتدريج تنبعث عنها الحقيقة المطلقة الأبدية الثابتة غير أننا نرى جميع المؤسسات السياسية تتجه بالضرورة نحو تنسيق الظروف الإجتماعية حفاظاً على حياتها (2) .