القسم الأول

 

أ الأسسُ الفلسفية للنظرية السياسَيَّة

 

إن مباحث العلم الفلسفي تعتمد بالدرجة الأولى على ظواهر وقوانين الطبيعة المرتبطة بالواقع وبالحركة وبالتطور وبالسنن الاجتماعية والتاريخية ، التي تؤثر في مفهوم دراسة هذه القوانين بما يمكن جعله الحجم التناسبي لصيغة النظرية المتعلقة بمفهوم القانون الطبيعي للوجود العام .

وبديهي أنَّ الإنسان الكائن الأول المستهدف في دراسة ذلك الوجود باستقلالية واستقامة تامتين ، وهذا المعنى تحديد من جانب الشكل لأصل الدراسة وأسسها التحليلية والتجريبية للمذاهب الفكرية القائمة .

فليس ثمة إنتفاء موضوعي داخل في تفريعات الشكل الظاهري للدراسة فالاختلاف العلمي بالمفهوم حدد ولا شك برهانية الماهية في المعرفة ( الميتافيزيقية والديالكتيكية ) للظواهر الحادثة والأزلية ، ومن هنا قالوا بالاشتراك الفلسفي بين المادية والمثالية للإنسان كونه أداة قوية في تحديد المسلك الطبيعي والحركة الواقعية ثبوتاً ، وبناء على كون الاشتراك ناشئاً من العقل لهذا فالإشتراك إنما يعم الأصول النظرية على وجه الحقيقة ، وهذا القول مردود لأنه قابل للتأويل والآحتمال ، ومصدر التأويل هو موضوع الفلسفة ونظرتها تجاه الكون وبذلك تعتبر كلية شاملة لمناحي الحياة العامة بما في ذلك العالم الخارجي ــ ما بعد الطبيعة ــ أي نطاق الإدراك البشري المجرد عن الحس طبعاً يحتمل أن تكون العلاقة ممتدة بين الحركة الذاتية أو وجود نقائض وتشارك أضداد عاملة على الحركة ، موضوعاً كان الأفتراض للأولى سكونية مثالية وللثانية حركية ديالكتيكية .

ولكن الميل تجاه طرف خاص من موضوعات الفلسفة ميل لا منهجيّ وحيث أنَّ الإعتماد على النظريات الفرضية أو التجريبية البحتة قابل للخدش والإنكار من وجوه متعددة قياساً على كل نواحي الحياة وعلومها وموضوعاتها ــ فالسيسولوجيا ، والغنصولوجيا ، ومبحث التفكير العلمي ، ومبحث الأخلاق ــ الاطيقا ، وعلم الجمال ــ وميادين كثيرة متعددة ، ومن هنا اعتبر موضوع الفلسفة قد تغير تبعاً لتقدم العلوم الطبيعية والإجتماعية ولزيادة خبرة النشاط البشري .

اما انفصال المنفردة وتطورها وكذلك المسيرة اللاحقة للمعرفة العلمية والتمايز بين مختلف الميادين ، مما غدت الفلسفة مهتمة بالمشكلات الجذرية والنظرية العامة لتطور المجتمع ، وعليه فارتكاز المفهوم الفلسفي للعالم فيه قيود ومطلقات عدة تتشارك فيها وتختلف في بعضها ، ولا ريب أنَّ السياسة بما تعني من مفاهيم كحكم المدن ، أو فن الإرادة أو قيادة المجتمعات إنما تعرف هكذا بناء على مسلكها العام وطبيعتها وعلاقتها بالوجود العام وعلاقة المرء فيها .

فالظاهرة السياسية أو النظرية السياسية هي فلسفة للتنظيم المعين الذي يستهدف بناء مستوحي من نظرة معينة للواقع الإجتماعي والسلوك الواقعي ولذا فلو نلاحظ أكثر بنود النظريات السياسية نجد أنها قائمة من حيث المبدأ على مايلي :

1 توفيق في المنهج بين الأطروحة السياسية والسلوك الإجتماعي العرفي .

2 اكثر بنود الأطروحة مستوحاة من مفاهيم وقيم سائدة في الوسط الإجتماعي المقترح بنوده فيه .

3 عادة تكون الصياغة الأدبية مستوحاة من الأدب العرفي وفنه الديباجي والإيديولوجي عند ترتيب عبائر النظرية السياسية .

وهذه الحقائق اتفق العلماء على لزومها لوجوديتها في تأسيس النظرية السياسية التي لا شك تسجل عناوينها من أسسها العامة التي ترتقي بمستوى كون علاقتها الدالة أنها :

أ ترتبط بالمفرد وأثره داخل المجموع وقوانينه المستوحاة من مفهوم الترابط الإجتماعي .

ب ترتبط بالمجموع حال كونه مصدر القوانين المؤثرة في الفرد والعملة على تأطيره بالممارسة الجمعية

ج ترتبط بالقاسم المشترك في اللغة الإجتماعية لمتطلبات الفرد وحاجات الأمة فلا انفكاك في اللحاظ بين نظرية الفرد السياسي أو المجتمع السياسي ، وتعني نظرية كلية لمحتوى علاقة الدرجة السياسية المؤثرة في الأطراف .

ولا شك أنها سترتبط بفلسفة الوجود الفردي والجماعي ، إذ كما تعبر نصوص من نظريات مستقاة من الدساتير العالمية ، وهو أن الإرتباط  الفعلي قائم على الكلية الضرورية بلحاظ كونها طبيعية إجتماعية .

ولا يغرب عن البال أنَّ ذلك راجع إلى مصادر البحث الفلسفي السياسي ، أو السياسي الإجتماعي الذي يبني مجمل مفاهيمه العلمية على أساس الارتكاز العقلي العلمي والعقلي المجرد .

بداهة أنّ الأول حالة خاضعة للممارسة التجريبية والثاني ناظر إلى الفرض الذهني ، لكنه بالحساب يسّجل إنجاز حقيقي حالما ينظر إليه من زاوية كون هذه العلاقات ذهنية نظرية أم تطبيقية ، طبعاً لا يصح إدماج من نوع النسبة المتحصلة من حصر الكل في مجموعة الممارسة الجزئية إلا في المذهب الإجتماعي السفسطائي ، وقولنا بالمذهبية هنا ليست حالة انطباق السياسي المتغير وهذا ليس كلاً تحصيلياً كما يقول ( كونت ) بل هو نظرية السياسة في السلطة ، وتعتبر إنجازية هذا القول متعلقة بمذهب التجربة عن الطبيعة وسننها العامة أي بين كون النظرية السياسية ذات سبب ونتيجة تتعلق بأسباب ونتائج ولا يمكن فصلها علمياً عن قانون السببية ، أو العلة والمعلول .

لكن هل إنَّ أثر السببيَّة في النظرية السياسية كلي أم جزئي ؟

الجواب يكون على توضيح معنى الكلية في النظرية وعلاقتها بالسببية وأيضاً بالجزئية وعلاقتها بالنظرية ، لايمكن اطلاقاً حتى (دوبريه) أنْ يقول بالكلية المطلقة في النظرية السياسية لاعتبار المفهوم الموضوعي والشرط الوضعي وكلها من حيث الجوهر تعارض الوجود البشري كون ذلك الوجود كلياً أي مقصود الكرة الأرضية والعالم السفلي وماهية هذا الإعتبار من التعارض القائم بين :

1 العلة المنشئة للنظرية هل هي علة تامة يتعلق بها معلول تام ؟ طبعاً لا ، فسياسياً يقال : إنَّ النظرية البرجوازية أو الماركسية إنما تعالج طرفاً من المشكلات الإجتماعية قائماً ، على أساس مادي إقتصادي أو تسليط فردي طفيلي ، والمادي الإقتصادي ، مذهب يناقض الحركة الجوهرية للفرد ورغباته ، كذلك التسلط الفردي يناقض ، وجود وفكر الفرد ، طالما هو خارج عن حدود الحكم . إذن فجوهر ثبوت العلة تامة لنظرية سياسية كي تحتاج إلى معلول تام فيه أكثر من نقاش :

أ على المستوى الفلسفي السياسي البحث .

ب على المستوى الفلسفي السياسي الإجتماعي .

طبعاً في (أ) قانون العلل الأخلاقية أمر لا تحدده الرغبة الإنسانية إنما تحدده النظرية السياسية وعلية فيصبح السلوك الأخلاقي سياسياً نسبياً محدوداً ، وفي (ب) يكون الشعور الديني وعلاقته بالقيم الفطرية ثبوتاً أصلياً ، فاحتياجة للمذهب الأخلاقي من احتياج الوجود إلى موضوع الوجود وهكذا حتى منهج الوجود من الناحية الفلسفية ، أما الناحية العملية فخاضعة إيجاباً وسلباً للمتغيرات في النظرية السياسية وهذه شرطها الأحداث والقضايا المؤثرة سلباً وإيجاباً في الفكر البشري وعليه فانتقالها أمر شرطي مقيد بحدوث النظرية وممارستها .

2 العلة المنشئة للنظرية علة ناقصة يتعلق بها معلول ناقص ؟ الجواب فيها يرتكز على إيجاب من طرف وسلب من طرف  آخر ، لأن الإنشاء في النظرية علة ترتبط بالنظرية ذاتها على صعيد كون الواضع فرداً ناقصاً واعتبار التامية من الناقص عملاً فيه أكثر من سبب .

أ كون الإقتضاء الحاصل بالإنشاء ابتداء ناقصاً فالإعتبار أيضاً داخل  في مجال الإقتضاء على المستوى النظري التعليلي من الناحية الفلسفية الشعورية ، لكنه في المستوى التطبيقي يصبح نظرياً افتراضياً إذ العلة المنشئة دائرة مدار الجزئية والإعتبار ليس تركيبياً متجانساً بل هو شبه ضد في الفرع المتعلق بالنظرية السياسية على الصعيد الإجتماعي .

ب كون الإقتضاء حاصلاً بالتركيب فذلك لا قائل به ، حتى السفسطائين نعم ما يعتبر على أنه تجانس من حيث العلة والمعلول فذلك تجانس على أساس الفرض المحض والماركسيون يعتقدون بالتجانس النظري التطبيقي في المركب التام وهنا ليس من دليل فلسفي ولو مادي يؤكد على التجانس المطلق بالعلية ، وجزء انفكاك بين العلة والمعلول في الإنطباق يولد عدم تجانس بالتركيب . إذ لا قائل به عدا نظرات ( لكوفالسون) وليست هي بالتجريبية المحضة ( وما يدعيه حول قانون الكيمياء العضوية هي دعوى تناقض لمفهوم الواقعي للتجانس العضوي الكيميائي ) .

3 العلة المنشئة للنظرية علة تامة تتعلق بمعلول ناقص ! تحتاج إلى كون الشرط السببي  متعلقاً بالكلية المتحققة وذلك محال إذ الإفتراض متعلق بالكية المنشئة والجزء فيها ارتباط ناقص وليس ذلك متحققاً بالفردية العمومية ، نعم يصدق في موارد على :

أ المستوى الفكري الإنتزاعي عند تهيئة لوازم النتيجة من السبب النظري .

ب المستوى التكويني وذلك محال لعدم التوافق من حيث الإختيار مبدئياً .

فعلى الشرط الإنتزاعي فكرياً يتحقق بالملازمة بين وجود النظرية ذهنياً وتصوراً لكنها مصداقاً تنافي مبدأ الوجود التحصيلي إذ يقتضي في البن شرط التامية في العلة . وهذا على المستوى البشري غير متحقق نعم يتم تحقيقه على كون الافتراض قادماً من علة كلية هي مصدر العلل فعندما تصبح النظرية جزءاً من تصور شامل وهذا ما نقول به وتؤمن به .  

أما الماركسية فلا تعتقد بوجود هكذا علة فتعتبر الأمر يتعلق بتطور خاص في حركة التاريخ تصنعه القوى الإنتاجية وذلك يجرد مفهوم إرتباطها بالكل التام وتصبح عملية الارتباط متفرعة من علاقة وسائل الإنتاج بالإنسان وهو ارتباط على أساس التطور الحركي الإقتصادي ولا اعتبار لمفهوم الإرتباط والتطور على أساس العلة التامة فليس ما يقول به منهم .

الرأسمالية تشارك الماركسية في النظر لكنه من باب كون العلة التامة ليست مصدر كل العلل فهناك اشتراك فعلي بالعلة التامة بين الإنسان والله سبحانه وتعالى وهذا القول مالت إليه الكنيسة في نظرتها للواقع الإجتماعي وحركته العامة .

4 العلة المنشئة للنظرية علة ناقصة تتعلق بمعلول تام ! طبعاً هكذا إنشاء تصوري وليس تصديقي فعلته الإبتدائية علة ناقصة ( والإنشاء الناقص علة إنشاء فرضي ) لأن المعلول المرتبط  به معلول تام ولا يمكن على أساسه تحقيق تطابق يمكن اعتباره مصدراً لنظرية سياسية قائمة ــ لأن التام لا ينشأ من الناقص ــ قد يرتبط به ولكنه ليس علة في وجوده ، ولو اعتبر الوجود النظري علة متحققة منه لكان يلزم استدلال من نوع الإستقراء المنطقي حسبما يلي :

أ فرض كون النظرية تتعلق بطائفة خاصة من أحد أفرادهم .

ب فرض كون النظرية تتعلق بمجتمع لا يمتلك الوعي السياسي فصدور النظرية من شخص يمكن اعتباره منهجاً غير واع للمجتمع .

ج فرض كون النظرية تتعلق بمجتمع يدرك أنصاف المشاعر السياسية مع كون النظرية فرضاً بعيدة عن الصياغة الفلسفية ويمكن استيعاب مضامينها إجتماعياً .

د كون النظرية تخاطب الفرد المختص بها وهذا الإفتراض ليس بالموضوعي الإجتماعي .

فالمذهب الماركسي يفترض الشرط (ب) على تحقيق النبؤة الماركسية في مصداقية برهانها على صحة النظرية السياسية للمذهب الماركسي ، فهي تقول بأن المجموع قيمة فاقدة للوعي التحليلي الناضج لمستوى الحياة الإشتراكية ، ولذا فتطبيق منهاج الفكر السياسي الإشتراكي على المجتمع يتم بالقبول الإلزامي من طرق المجتمع ، والرد علية غير متصور إذ الإفتراض قائم من حيث المبدأ على كون الوعي السياسي العام للمجتمع مفقوداً فتطبيق النظرية يعتمد على البراعة وفن المهارة السياسية والذي تحدده ملامح الوعي الإشتراكي النظري الفعَّال .

أما الإسلام فيرفض النقطة ولا يعتبر  مصداقيتها في منشأ الوجود السياسي إذ النظرية السياسية في الإسلام جزء من التصور الإسلامي الشامل للحياة والكون ولا انفكاك بين نظرتها للباعث والمبعوث او المحمول والقصية ، فالميزة الأساسية للنظام الإسلامي تتمثل في ما يرتكز عليه من فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي بها ، والخط العريض في هذا النظام هو :

اعتبار الفرد والمجتمع معاً ، وتأمين الحياة الفردية والإجتماعية بشكل متوازن فليس الفرد هو القاعدة المركزية في التشريع والحكم ، وليس الكائن الإجتماعي الكبير هو الشئ الوحيد الذي تنظر إليه الدولة وتشرع لحسابه ، وكل نظام إجتماعي لا ينبثق عن ذلك الفهم والإحساس فهو إما نظام يجري مع الفرد في نزعته الذاتية فتتعرض الحياة الإجتماعية لأقسى المضاعفات وأشد الأخطار ، وإما نظام يحبس في الفرد نزعته ويشل فيه طبيعته لوقاية المجتمع ومصالحه فينشأ الكفاح المرير الدائم بين النظام وتشريعاته على يد منشئه ما دام هؤلاء ذوي نزعات فردية أيضاً ، وما دامت هذه النزعات تجد لها بكبت الفردية الأخرى وتسلم القيادة الحاسمة مجالاً واسعاً وميداناً لانظير له للإنطلاق والإستغلال .