الإنسان والطبيعة :

 

قبل البحث يقتضي التنبيه إلى ماهية ـ الإنسان ــ الوجودية ، والحق أنه قد تضاربت الآراء في ذلك تضارباً واضحاً عند الفلاسفة حول الماهية الواقعية ــ للإنسان ــ . :

1 منهم من أعتبرها مادية خالصة وأنها تتعلق  بوجودها الموضوعي البحت . حالما ينظر إليها بإعتبار وجودها أي ليس لها علة إلاَّ من خلال نفس نظرتها تجاه المعلولات ، والماهية قائمة بذاتها أي انها خارجة عن كونها مصنوعة بعلل أقوى منها ، ولهذا فهي ذات سعة وكثافة وحجم تتقوم داخل تصورات ومصاديق قد تصدق تارةً وتخطئ تارة أخرى ، ولكنها ليست سوى ومن هنا فماهية ــ الإنسان ــ متصورة في الطبيعة لأنها الوعاء والظرف الذي تتمظهر فيه .

2 ومنهم من اعتبرها مثالية خالصة ، وهؤلاء حكموا عليها من خلال ــ الوعي المطلق ــ الذي هو عبارة عن مركز قاعدة ــ الوعي المشترك بالوجود وحق الوجود ــ وما يترتب عليه في :

أ نظرية السلوك التكويني .

ب -  درجة الأنتظام الإرادي .

وكلا الأعتبارين أبعد عن مفهوم نظرية التزاوج بين مفهوم الإنسان والطبيعة ، فالأعتبار الأول : يعتمد قياس المعلولات المتشابهة وبالتالي تقرير العلة المكونة لها أي أنه بحسب القوة يجعل من المعلول نظير علته ، ومن هنا أختلف الحكم عن موضوعه للاعتماد على النظر الحسّي المجرد .

والإعتبار الثاني : نزعة ميتافيزيقية وهي تجريد للواقع العملي وظرف الوجود الطبيعي وهذا يؤدي إلى تشويش في الحكم والموضوع . والرأي الراجح هو الدمج بين كلا الأعتبارين على أساس أن ــ ماهية ــ الإنسان هي خليط متجانس بين المادي والمثالي ، وهذا الخلط العلمي يؤدي إلى صحة الحكم على موضوعه إذ بينهما وحدة أشتراك وتناسب .

وهذا الرأي قبل كل شئ عبارة عن فكرة علم ينتج أولياً بتصورات خالصة ، مع وجوب الأحتفاظ بهذه الفكره أحتفاظاً صارماً ضد ميل بعض الفلاسفة ، وكما قلنا فإن الإنسان لا ينفصل عن الطبيعة إذ إن كل واحد منهما دال على الآخر ، وهذه الدلالة تتمحور حول الوعي بها يعني الوعي بالآخر والقدرة على أستخدامه الأستخدام الأمثل وتسخير ما في الطبيعة لخدمة الإنسان والطبيعة معاً .

والقرآن الكريم وهو يستعرض فكرة جدل الإنسان في الطبيعة طرح مبدأ الخلافة  أو ــ الأستخلاف ــ كأرقى نوع من أجل تقويم الطبيعة وتحريك ما فيها بغية الوصول للغاية المطلوبة .

طبعي أن القرآن حينما عرض الفكرة وربطها بجدل ـــ الإيمان والعمل الصالح ـــ واشترطها كوجود موضوعي وأسلوب للدعوة إلى المقاصد التي يمكن تسميتها بالبناء الحضاري والتقدم الإنساني .

فالإيمان غرض عملي وتاريخي وواقعي ويعني الإيمان بالطبيعة والوجود والإيمان بالكون ومعطياته وأسسه ومبادئه الأولية ، وهو إيمان في الحضور والغياب لذلك كان التعريف مرتكز حول الذين يؤمنون بالغيب هم الذين آمنو وعملوا الصالحات وهذا الأرتكاز جدل معرفي بين الممكن والواجب ، بين الله وعناصر الطبيعة فالإيمان هو الذي يجعل من مبدأ ــ الاستخلاف ــ منسجماً مع البعد الذي كان من روائه القصد .

قال تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة } ( البقرة / 30) . وأعتقد أن الجعل جاء في فترة تالية مرت بسلسلة أختبارات عدة حتى صار هذا المخلوق مؤهلاً لدور الخليفة ، والجعل هو الصيرورة أي الأنتقال من حالة إلى حالة أخرى والتغيير ، قال تعالى : { إنا جعلناهُ قرآناً عربياً لعلكم تعقلون } ( الزخرف / 3 ) . وقال تعالى : { إني جاعلك للناس إماماً ..} ( البقرة / 124) ، وقال تعالى : { لكلٍ جعلنا شرعةً ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمةٌ واحدة } ( المائدة / 48 ) .

وكلها تأتي في باب واحد وهو تغييير من حالة إلى حالة أخرى ، فحينما خلق البشر من طين مرره بدورات أختبارية نقله فيها من حالة البشرية إلى حالة الإنسانية وهذا الأنتقال ( من الخلق إلى الجعل )والقرآن لم يرصد الفكرة على المستوى الزمني ــ أعني كم من الوقت أستغرق ذلك التحول ــ ؟ فعلماء أنثربولوجيا الأجناس والقانون الطبيعي يذكرون آراء متنوعة ومختلفة ولعل نظرية دارون في النشوء والأرتقاء هي الأشهر ، وربما يلاحظ في القرآن إشارة إليها في المعنى التالي قال تعالى : { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ، الذي خلقك فسواك فعدلك ، في أي صورة ما شاء ركبك } (الأنفطار / 6 ، 8 ).

إذن فالجعل جاء بعد سلسة تطورات خارجية وداخلية جرى فيها تطور على البنيوية العامة حتى صار إنساناً مستخلفاً عن الله ، فالجعل في قوله تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة } يرتبط هذا الجعل بكون الخليفة يتناسب مع المستخلف عنه ، والتناسب يجري في حدود الصفات ، أي الطبيعة المنفصلة عن الذات ، والطبيعة هنا يمكن تقديرها بالصفات المختزلة في الخليفة [ أي التناسب في الفعل بالواقع الموضوعي ] بإعتبار أن تلك الصفات هي للإنسان على نحو الوكالة ولكنه يستطيع بها فعل كل شئ ، وقضية التسخير تعني أمتلاك الخليفة لقوى الفعل المؤهلة لتحويل ما في الطبيعة إلى منافع عامة .

قال تعالى : { ولقد آتينا داود منا فضلاً يا جبال أوَّبي معه والطير وألنّا له الحديد ، أن اعمل سابغات وقدّر في السرد واعملوا صالحاً إني بما تعملون بصير ، ولسُليمان الريح غُدُوَّها ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور } ( سبأ / 10 ، 13 ) .

وقال تعالى : { اصبر على ما يقولون وأذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أوّاب إنا سخّرنا الجبال معه يسّبحن بالعشي والإشراق . والطير محشورة كل له أوّب .وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } ( ص / 17 ، 20 ) .

وقال تعالى : { قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ، فسخرنا له الريح تجري بأمره رُخاءً حيث أصاب ، والشياطين كل بنّاء وغوّاص ، وآخرين مقرّنين في الأصفاد ، هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب } (ص / 35 ، 39 ) .

وتحويل ما في الطبيعة إلى منافع هو عبارة عن جعل ثانوي يأتي في مشروع العمارة المرصود في الخلق قال تعالى : { هو انشأكم من الأرض واستعمركم فيها } (هود / 61) والعمارة عبارة عن فعل إنساني إيجابي رفيع يقوم بتحويل ما في الطبيعة إلى عناصر تتيح للإنسان حرية التملك وحرية التطور والإبداع والتوسع ، وهذا كل مرتبط بالإرادة التي هي بالأساس صفة تتمظهر في الطبيعة والكون .

وهي صفة الإنسان العاقل العالم الواعي لأنها حالة فيه وحلولها جزء من كل ، وذلك الجزء من الأجواء الأخرى يساهم في تطور الحياة وتقدمها .

وفعل الإنسان المريد من أجل تحقيق أهدافه التي هي بالأساس اهداف الله قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون } ( الذاريات / 56) . من أجل هذا ألزم أن يكون الإنسان في حال كماله مسيراً بقوانين الإرادة الإلهية الفاعلة نحو خيره ، وكما ان للطبيعة قوانينها فكذلك للإنسان قانونه ــ وقانونه هو قانون الأخلاق (1) . ولا يتم هذا إلاّ أن يكون الإنسان في دور ــ الخلافة ــ المعبر عن صفات الله تعبير وحدة واتحاد فيكون فعل الإنسان فعل الله ، وقرار الإنسان قراره ، وقانون الإنسان قانونه في رؤية واقعية راقية تعرف بالطبيعة وبالوجود وصانعهما ومبدعهما على أساس الوحدة والترابط  لا الشئيئية والتفكك وهذا معنى القول المأثور التالي : [ ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله معه وقبله وبعده وفيه ] فيصير الثابت متحولاً والمتحول ثابتاً في ساحة واحدة هي ساحة الصراع والوجود الموضوعي ، فالقدرة كصفة ليس محلها عالم الخيال بل الفعل والواقع وانعكاساتهما ، ومظهرها لا يتجلى إلاَّ بالظرف الطبيعي المعقول من قبل الإنسان ، فتعقل القدرة كمظهر من مظاهر الطبيعة دليل على صحة الكشف في العقل ،

والعقل هنا عبارة عن وحدة نظام تعمل معاً في الإنسان والله لذلك قال تعالى : { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } (الزخرف / 84 ) أو بتعبير أدق : إن ــ الخلافة ــ تعني دور الجمع بين ما لله وما للإنسان في دائرة الفعل الممكن بكل منحنياته وشقوقه ، ودور الجمع عبارة عن الصفات بما هي صفات سلب وصفات إيجاب .

ولا ضير إن كانت الصفات عند الله أعم وأشمل وأكمل من الصفات عند الإنسان ، ولكن عموم الصفات لا ينفي جدل التطور بالخصوص عند الإنسان . فالإرادة والخالقية والعالمية ... وغيرها صفات يُراد منها التحكم بعالم الإمكان خدمة لقانون الجعل والصيرورة ــ وهذا ما يُسمى بوحدة الوجود ــ .

قال ابن خلودن : ( إن حقيقة ما يقولونه في الوحدة شبيه بما تقوله الحكماء في الألوان من أن وجودها مشروط بالضوء فإذا عدم الضوء لم تكن الأ لوان موجودة وكذا الموجودات المحسوسة كلها مشروطة بوجود المدرك الحسي ، بل الموجودات المقعولة والمتوهمة أيضاً مشروطة بوجود المدرك العقلي ، فلو فرضنا عدم المدرك البشري جملة لم يكن هناك تفصيل للوجود بل هو بسيط واحد ، فالحر والبرد والصلابة واللين ، وإذا فقدت المارك المفصلة فلا تفصيل . (1)

والإنسان الخلفية وهو يمارس دوره في تطويع ما في الطبيعة خدمة لبني جنسه سيصطدم بقوى الطبيعة الجبارة ــ والأحتكام إلى الطبيعة هو خير معين لنا على فهم عالمنا الذي نعيش فيه ـــ وهذا التصادم ــ الصراع ــ ضروري إذا لا يمكن إنزال الإنسان إلى الساحة وميدان التجربة دون المرور بالتدريج في سلالم هذا الساحة قال تعالى : { لقد  خلقنا الإنسان في كبد } ( البلد / 4 ) أو { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً .. } ( الأنشاق / 6 ) فالتدريج مهمته جعل ــ الإنسان الخليفة ــ يحس بعظمة الوجود وعظمة المسؤوليات المناطة به ، فكل صنع أو تسخير منه لقوى شعور متزايد بأهمية هذا الوجود وأهمية الحفاظ علية وأهمية الحفاظ على المكتسبات التي حققها في رحلة التحدي والكفاح مع قوى الطبيعة وعناصرها المختلفة .

لقد كان الإنسان العاقل قادراً على إستخدام بعض قوى الطبيعة  وتسخيرها من أجل البعض الآخر ، فالطبيعة تمتلك في ذاتها عناصر تساهم في عملية التطويع خدمة لمبدأ ــ الأستخلاف ــ .

قال تعالى : { وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار ، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار }  ( إبراهيم / 32،33) وقال تعالى : { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر } ( النحل / 12 ) ، وقال تعالى { وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً } ( النحل / 14 ) ، وقال تعالى : { ألم ترَ أن الله سخر لكم ما في الأرض } ( الحج / 65 ) وقال تعالى : { ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض } ( لقمان / 20 ) .

وجدل ــ التسخير ــ يعني تطويع ما في الوجود خدمة لأهداف الإنسان في قضايا الأستخلاف والعمارة .. فشرط  الأسخلاف هو البناء والتعمير في المجالين المادي والمعني ، وهذا الشرط هدفه المادي طوعاً للمعنوي . قال تعالى : { يا داود إنا جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق } ( ص / 26) ، وكأن المراد هو التوافق بين العقل والطبيعة حسب مبادئ التشريع ، فداود هنا يمثل المجعول خليفة لتطبيق مبادئ الشريعة في الطبيعة وفقاً لقاعدة الحق أعني ــ العدل ـــ والتوافق سنة تاريخية هدفها الحفاظ على الشريعة والعقل والطبيعة إذا ما جرى مراعاتها وفقاً لمبادئ السماء المهداة من رحلة البعث النبوي ، وأي تحرك على نقيض من ذلك يؤدي حتماً إلى الإطاحة بمجمل النظام الذي هو في الأصل قائم على قواعد الضبط في العقل المريد والمبدع .

والإرادة والإبداع صفات أنفصالية أتصالية ، والأنفصال والأتصال فيهما يجعلهما في دائرة القيمة ويجعل منها في مجال التقرير واحدة ، يقول رويس : ( أن يسلك الإنسان إزاء جاره سلوكاً يقوم على أفتراض أنه هو جاره لم يعودا شخصين جزأين منفصل كل منهما عن الأخر ، بل أندمجا في وحدة تنسيق بينهما مع الإبقاء على كل منها .. أن يعمل الإنسان إزاء سائر الناس كما لو كان هؤلاء الناس أجزاء من ذات واحدة فيزيل ما بينهم وبينه من تضارب لينخرط الكل في وحدة ذاتية ــ واحدة ــ ) (1)

لذلك فبيانهما في الله والإنسان واحد لا محال ، بل في  الإنسان أتمُّ وأظهر ولولا ذلك لما دلَّ الدليل على وجود المبدع الأول ، والقيمة في الله بدون الإنسان هباء ولو خلا العالم من الناس لبقي غير موصوف بخير أو شر ،

إذ الدليل عليه وعلى قيمته الذاتية والموضوعية نتاج فعل مزدوج بين الإنسان وكفاحه المرير للوصول إلى الأستقرار واليقين ونبذ الأهتزاز والشعور بالنقض .

إذن فدور ــ الخلافة ــ دور مزدوج في :

إولاً : بيان للصفات الإلهية .

وثانياً : ممارسة هذه الصفات في الواقع الطبيعي الموضوعي .

 وذلك الأزدواج يُخيل للبعض منه أنتفاء ضرورة القول بقيمة أعلى من قيمته الموضوعية ، وهذا ما نشاهده في الصياغة القائلة :

أتزعم   أنك  جرم   صغير           وفيك  أنطوى   العالم   الأكبر

ونفي ما عدا الإنسان على مستوى الخلق والإبداع والعلم هو ظلم بالإنسان نفسه ، لأن ميدان ظهور تلك المستويات فضاؤه وساحته الطبيعية إذ هي معه وقبله وفيه .

فلو قلت : إن الإنسان منسلخ عنها أنسلاخ الجزء عن الكل .

قلنا : إن الإنسلاخ المزعوم يشبه التمثيل السائد حول الأسبقية الدائرة بين الدجاجة والبيضة ، وهذا يجعلنا نتمسك بالجدل السفسطائي المرير . وعليه فلا بد من أعتبار المستويات تلك ساحات عمل في عناصر مخلوقة لأجل غاية كبيرة تظهر في الصورة التي يكون للخلافة دورٌ حاسمٌ في صراع الإرادة ويكون ــ الخليفة ــ هو المسير لقانون الطبيعة [ وما الطبيعة إلاَّ قوانينها التي فرضها الله على المادة لتسير بمقتضاها ، وإن شئت فقل هي القوانين التي يحكم الله بها ملكوته ] ضمن معدلة إلهية علمية صارمة أهدت إليها رسل السماء .

 

***