العدل والسنة التاريخية :

 

عرف العدل بأنه ضد الظلم ، ولما كنا قد بحثنا مفهوم جدل الظلم والسنة التاريخية واعتبرنا الترابط بينهما من قبيل الملازمات العقلية والمنطقية ، فالسنة التاريخة هي ذلك الحدوث الناتج عن وجودالظلم ، إذن فهو الشرط الموضوعي لحدوثها في الطبيعة ، وبما أن السنة التاريخية من القوانين التي تحكم الظاهرة الحياتية فهي دوماً في صيرورتها التقابل ، ولقيمة التقابل تلك يعتبر العدل إذن شرطاً موضوعياً لتحقيق السنة التاريخية .

فالعدل قانون حيوي فاعل يولد سلسلة من النتائج الباهرة في التقدم والتطور والنهوض الحضاري ،

إذ بين التقدم والعدل آصرة قوية فتحقيق أي منهما دليل على الآخر ، وعلمياً فمنطق الحضارة والثقافة أساسهما العدل ولذا فالحضارة الغربية اليوم قامت على العدل سواء أكان على مستوى صيانة الحريات والديمقراطية واحترام الإنسان وسيادة القانون ، وهذه كلها كافية في النهوض والتقدم الحضاري إذا أخذت من حيث هي هي في الواقع ، ولقد كانت الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي قوية متطورة لأنها أعتمدت على العدل كأساس في الواقع ، أعني عصر النبي (ص) وجزءاً من عصر الخلافة الراشدة .

قال تعالى : { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألاَّ تعدلوا } ( المائدة / 8 ) وقال تعالى : { وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته } { الأنعام / 115) ، وكلمة الله في هذه الآية تعني مجموعة القوانين والمبادئ والنظم التي صاغها الله ــ لحفظ الواقع الطبيعي والإجتماعي ، وكل ذلك جاء على نحو ـ عادل ـــ . قال تعالى : { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } ( يس / 40 ) . وهذه إشارة إلى الضبط الدقيق ضمن ميزان صفته العدل ونظامه الحرية العالمة ، وهذا الواقع هو الذي ينتظم طبيعة الوحدة في الكون .

قال تعالى : { والسّماء رفعها ووضع الميزان } ( الرحمن / 7 ) فالصياغة عادلة لذا فلا يمكن تبديلها على نحو يقتضي الإضرار بوحدتها التكوينية ،

وهذا دليل على أن الصياغة تمت وفقاً لطبيعة عاقلة واعية مدركة لعموم التفاصيل والأجزاء ، وهذامعنى قوله تعالى : (  إنه حكيم عليم ) (الحجر / 52)  نعت ارتبط بصفتين على نحو الإطلاق فكينونة العلم والحكمة لا يمكن أعتبارهما كوجودات موضوعية من دون نقلهما إلى حيز الممارسة العاقلة الواعية المعلومة بالتجربة هو منطق الوجود .

والعدل ليس صفة تجريد محض أي أنه لا ينتظم الفعل فيها إذا جعلناها صفة ملاصقة لله من دون اعتبار تلك الصفة أحد مصاديق الفعل والتنظيم الإنساني .

قال تعالى : { أعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله } (المائدة / 8) .

والعدل صفة تنظيم للسلوك وهي بمثابة القانون الذي يحكم العلاقات الإجتماعية قال تعالى : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } ( النساء / 58) .

والعدل صفة في التنظيم قانون العقود ، قال تعالى : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } ( البقرة / 282 ) .

والعدل صفة لتنظيم الحقوق ، قال تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم } ( المائدة / 95 ) .

وقال تعالى : { أثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم } (المائدة / 106 ).

والعدل صفة لتطبيق القانون ، قال تعالى : { هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم } ( النحل / 76) .

والعدل صفة لتنظيم توزيع الثروة ، قال تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى } ( النحل / 90 ) .

والعدل صفة للتحكيم بين المتحاربين ، قال تعالى : { فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا } (الحجرات / 9) .

يتبين أن الجدل الموضوعي لصفة ــ العدل ــ جدل مرتبط بمادة الإنتظام المجتمعي ، المادة العاملة على تطوير المجمع وبناه المتعددة الأساسية ، فهي ملاك إحترازي مرتبط بأصل النظام ، والملاك هنا ليس تجريدياً بل هو فعل قائم على حركة في النقائض هدفها تقويم تلك الحركة وجعلها أكثر أنسجاماً مع حاجات المجتمع ، لذا ــ العدل ــ سنة تاريخية تشير إلى حاجة إجتماعية مبنائية .

وحينما نرى العرض القرآني في قضيتي ــ المثلية والقصص ــ نجدهما داخلان تحت صيغة ـ كذلك ــ وهذه الصيغة يعلم منها بقرينة واقع الحال أن التطور والتقدم سنة تاريخية مرتبطة بإسباب موضوعية ، والعدل : عبارة عن الصفة الأهم في التطور المجتمعي العام ، لأن قوى المجتمع بفعله ستنتظم بوحدة عاقلة وفاعلة ومؤدية إلى تكامل وتنسيق وتقديم بملاك العدل فهو ضابط عملية التقدم ، وبدون العدل في التقابل الميكانيكي تحدث السنة على نحو ــ الهلاك والعذاب ــ أي التطور السلبي ، ولكنها مع العدل حدوث في التقدم والتطور والنهوض الحضاري الأستراتيجي المنظم لقوى الحياة في ظل واقع التزاحم والتضاد الطبيعيين .

وللعدل في تعريف اللغويين معانٍ نعرض لها بإختصار :

قال الفيومي في المصباح : العدل هو القصد في الأمور وهو خلاف الجور ..

وقال ابن فارس : والعدل الذي يعادل في الوزن والقدر ، وعَدْلُه بالفتح ما يقوم مقامه من غير جنسه ، وقوله تعالى : { أو عَدْلُ ذلك صياماً } (المائدة / 95 ) . وهو مصدر في الأصل يقال : عدلت هذا بهذا عدلاً من باب ضرب إذا جعلته قائماً مقامه ، قال تعالى : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( الأنعام / 1) .

والعدل صفة في مقام بيان نوع الفدية ، قال تعالى : { وإن تعدل كُلَّ عَدْل لايؤخذ منها } ( الأنعام / 70 ) .

والتعادل يعني التساوي ، وعدّلته تعديلاً فإعتدل  سويته فأستوى .

ومنه قسمة الشئ بإعتبارالقيمة والمنفعة لا بإعتبار المقدار فيجوز أن يكون الجزء الأقل يُعادل الجزء الأعظم في قيمته ومنفعته .

ويطلق ــ العدل ــ على الواحد وغيره بلفظ واحد وجاز أن يطابق في التنثية والجمع فيُجمع على عدول .

وعُرّف العدل في الإصطلاح بما يلي :

قال علماء الأصول : والعدالة صفة توجب مراعاتها المرء الأحتراز عما يُخلُّ   بالمروءة عادة ظاهرأً  .. ولكن صغائر الهفوات وتحريف الكلام هل يُخلُّ بالمروءة ظاهراً أم لا ؟

قيل نعم ، لاحتمال وقوع الغلط والنسيان والتأويل بخلاف ما إذا عُرف منه ذلك وتكرر فيكون الظاهر الإخلال ( والعرف هو المناط في الحكم فعرف كل شخص وما يعتاده من لباس ومعاملات في البيع والشراء والأكل والشرب وحمل الأمتعة وغير ذلك فإذا فعل ما لا يليق به ضرورة قدح وإلاّ فلا ) (1) .

ومن التعريف اللغوي والأصطلاحي تعلم ان ــ العدل ــ نظام يؤدي الإخلال به إلى الفساد والظلم في كل تفاصيل الحياة وأجزائها وتباعيضها ، والتعريف بشقيه يعطينا القدرة على القول بأن العدل أحد الأسباب الرئيسية في حدوث السنة التاريخية على نحو موجب كواقع يحكم الظاهرة الأجتماعية الإنسانية . ..

 

***

ولكن قد يسأل البعض هل حدوث الزلازل والبراكين والطوفان عبارة عن ظواهر طبيعية أم ــ عدل إلهي ــ ينتظم سير حركة الكون عمودياً ؟

الأمر هنا يرتبط بالعلم بتبدل الظواهر الطبيعية المتعلقة بحركة الأرض الذاتية ، فالحدث الزلزالي حدث طبيعي مرتبط بتبدلات في الطبقات الأرضية ، وهذا التبدل يحدث الشقوق والتصدعات في القشرة الأرضية ، والحدجث الزلزالي عادةً يكثر في مناطق حتى لا تكاد تمر فترة إلاّ ونسمع فيها بوقوع الزلزلة في منطقة معينة من العالم بحيث يتكرر ذلك أكثر من مرة كما يحدث في اليابان مثلاً ، فحدوث الزلازل هناك لا يرتبط بظلم حكامها هذا من جهة .

ومن جهة اخرى فالرصد العلمي للزلازل يعتبر الأرض بأجمعها خاضعة للتبدلات الطبيعية تلك ، والرصد هنا بمثابة النظرية العامة للواقع الطبيعي ، وإذا كان ذلك كذلك فكيف يتم ربط حدوث الزلزلة بنشاط الناس وفعلهم ؟ وكيف يتم إعتبار حدوث الظواهر الطبيعية تلك جزء من الإنتقام الإلهي ؟ ..

طبيعي لا ينبغي التعليق كثيراً على صحة أم عدم صحة الأعتبار ، ولكن المهم القول ان القوانين التي تحكم العالم الطبيعي فيها ما هو ذاتي وما هو موضوعي والخلط بينهما لا يتم بناءً على الرغبة والهوى ، إنما يجب وضع كل شئ في موضعه الذي يتحرك فيه .

إذن فالظواهر الطبيعية تخضع للقانون الذي يحكم التحول الدراماتيكي في الطبيعة ، ولو تزامن حدوث تلك الظواهر في منطقة ما يسود فيها الظلم ، فلا ينبغي القول إن ــ الظاهرة ــ حصلت فقط وفقط بسبب وجود ذلك الظلم ، وربط الحدوث به معلول بعلته ، ولا يصح كذلك تسوية السنة الطبيعية بالحدث التاريخي في مستوى ما يجب وما لا يجب حدوثه .

لذا فالربط بين الظاهرتين هو ربط أختزالي معياري هدفه بيان القدرة مع وجود المقتضي ، والحال ان بينهما فرق في البنيوية خاصة في مجال التعريف بالظلم الذي جعله الله مثلاً في نزول حالة ــ العذاب والهلاك ــ وحدَّد صور هذه الحالات بالخسف والتدمير والطوفان وغيرها .

قال تعالى : { أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض ، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ، أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم } ( النحل / 45  ــ 47) ،

وقال تعالى : { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البرّ ، أو يُرسل عليكم حاصباً ، ثم لا تجدوا لكم وكيلا ، أم أمنتم أن يُعيدكم فيه تارةً أخرى ، فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم ، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } ( الإسراء / 68، 69) ،

 وقال تعلى : { أأ منتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ، ام أمنتم من في السَّماء أن يُرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير } ( الملك / 16 ، 17 ) .

أي أن الله ربط العذاب بحسب مقتضاه واعتبر ذلك سنة ومثلاً في الأولين وجعل تعميمه على مستوى الصيرورة الدائمة في الآخرين .

قال تعالى : { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلاَّ أن كذب بها الأولون ، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلاَّ تخويفاً } ( الإسراء / 59) .

ومن هنا ربط البعض الظاهرة بوجود الظلم ، وهذا الربط إما مأخوذ بحسب المثلية أو بحسب الطبيعة او في كليهما .

ونحن نرى ان التعميم في مجال الظواهر وحدوثها يخالف الملاك المرتبط بالحالة المتقولبة والمؤدية إلى حدوث الظاهرة ، فلا البراكين ولا الزلازل من حيث هي هي حدثت بسبب وجود الظلم ، بل إنها أحد العناصر المستخدمة في العقاب الدنيوي أعني أنها أداة تستخدم في تنفيذ العقوبة لمن خالف القانون .

فهي إذن أداة فإذا تزامن الحدوث مع الظاهرة فذلك من أجل بيان القدرة في تسخير الممكنات إلى أدوات في إنها حالة التمرد والعصيان ، وكأنها في فعلها اللاحق تصبح الأداة القانونية لحفظ نفسه . وعليه يمكن القول أن الظواهر بالمعنى التجريدي المطلق في الزمان والمكان لا تحدث نتيجة لوجود ــ الظلم ــ بل الحدوث مرتبط بسنن تحكم عالم الكون والطبيعة ، ومقتضى الحدوث مصلحة ذلك الكون والطبيعة ؛ فإن تصادف الحدوث مع الوجود ــ أصبح الحدوث أداة لتنفيذ الوعد المقدر في عقوبة ما بناءً على مخالفة القانون والتجاوز على النظام الأجتماعي ، وحدوثها لأجل ذلك سنة تاريخية تتكرر بحسب وجود الداعي وفقدان المانع .

قال تعالى : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض أنظر كيف نصرّف الآيات لعلهم يفقهون } (الأنعام / 65) .

 

***

 

ولكن هل حدوث الظواهر الطبيعية وتدميرها للمدن والقرى بكاملها يُعَدُّ ظلماً ام عدلاً إليهاً ؟

أم أن الأمر يرتبط بالقانون على أي نحو وقع ؟

الظاهر أن أصل الحدوث مرتبط بقانون ذاتي غايته تكامل شكل الوجود الطبيعي في الواقع ، أي أن فناء القرى والمدن ليس هدفاً مستقلاً بل فعل طبيعي يرتبط بجريان السنة ، ومن هنا فقولية السؤال في دائرة ــ الظلم والعدل ــ ليس على ما ينبغي ما دام الأعتراف المنطقي يقول : بأن الحدوث يرتبط بواقع معين ــ فلا يُعَدُّ الحدوث ظلماً لأنه بجدلية الظلم قدر أرتباطه بإجراء القانون ، وإجراء القانون من حيث هو هو ــ عدل ــ وقديماً قيل : الظلم بالسوية عدل ــ فالتنفيذ للقانون تكامل للواقع الطبيعي ومتى كان كذلك فلا يعتبر التنفيذ ظلماً ، لأن الظلم جريان للسنة على نحو مغاير للواقع الطبيعي .

وهنا يتدخل العلم الإلهي في رصد الظاهرة وإنطباقها على عدله المطلق ، وهذا ما نراه في الجدل الذي تمَّ بين موسى والعبد الصالح حول قضية صحة أو عدم صحة قتل الغلام .

قال تعالى : { .. حتى إذا لقيا غلاماً فقتله ، قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس .. } (الكهف / 74) .

فالقتل من حيث هو هو يُعَدُّ ظلماً ولكنه يكون صحيحاً إن أرتبط القتل بعلل أخرى مقدرة في العلم اللاحق لما يكون عليه واقع الحال ، وجدل موسى والعبد الصالح جدل في طبيعة الواقع الموضوعي المرتبط بكون هذا الفعل يؤدي ضرراً مباشراً لذلك كان النهي أمراً حتمياً من موسى (ع) :

أولاً : لعلاقة موسى (ع) بالواقع الموضوعي من حيث هو هو .

ثانياً : عدم صلاحية القتل لأنه أمر منهي عنه في الشريعة وأصل التكليف . قال تعالى : { من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً } (المائدة / 32) .

ولكن العلم بالقتل أرتبط بالتعليل الإلهي اللاحق كما في قوله تعالى : { وأما الغلام فكان أبواهُ مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً } ( الكهف / 80 ) .

والتعليل اللاحق في صحة القتل جاء وفقاً للعلم الحاصل بالامارات اليقينية ، وهذا الأمر تم وفقاً للأمر الإلهي دون الإحاطة بسر ذلك الأمر ، ومقتضى الحال أن يكون الفعل الإلهي منجزٌ بحسب ضوابط العلم الإلهي ، إذ التناسب بين الفعل والعلم عند الله يقوم على أساس الوحدة فكل واحدة من صفاته تؤدي دوراً يرتبط بغاية محددة ومعللة ومرصودة .

وربط الظاهرة بمستواها الحسّي دون المستوى الواقعي يدفع للتناقض بين الإرادة والعلم ، والحال ان حدوث الظاهرة ناتج عن تداخل في الفعل بين الإرادة والعلم  مع السبب الذي نشأت من اجله الظاهرة .

وعليه فحدوث الظاهرة من حيث هي هي لايتمحور حول مادتي ـ العدل والظلم ــ بل تتمحور في مجلها القانوني ككونها نزوع موضوعي  يعبر عن سنة طبيعية ، والقانون وإجراء القانون إذا كان للتكامل والتطور فهو عدل تماماً كما وضح في محله فلا نعيد .

 

***

 

ولكن قد يُسأل : هل حدوث السنة التاريخية مرهون بعدم إجراء القانون من البشر ؟

القانون هو الشريعة التي هي عبارة عن مجموعة الأوامر والنواهي الخاصة بتنظيم حياة البشر وترشيد سلوكهم وفعلهم اليومي ، والإخلال بوحدة المجموعات تلك إخلال بقواعد التنظيم البشري الصحيح .

ولكن هل هذا يستدعي حدوث السنة على نحو الهلاك والتدمير ؟

ربما يتوهم البعض أن الفسوق والعصيان يتطلب إجراء القانون وتنفيذ العقاب بشكل مباشر ، على أساس أن ــ العصيان ــ ظلم وقد مر بنا أن شرط تحقق السنة التاريخية وجود الظلم ، فهل هذا العصيان سبب كافٍ وعلةٌ تامة لحدوث السنة ؟

ولو قرأنا السيرة العملية لبعض الوجودات الإنسانية المباركة من آدم وإلى الآن سنجد أنه قد وقع منهم عصيانٌ ، ولم نسمع أن ذلك العصيان كان سبباً كافياً ــ لإهلاكهم ــ

قال تعالى : { وعصى آدم ربه فغوى } ( طه / 121) .

فوقع العصيان منه لم يكن سبباً كافياً لهلاك آدم ، بل أعتبر ذلك ــ العصيان ــ بمثابة المثل وإمكانية وقوعة من ــ آدم الجنس ــ وإذا كان ــ آدم ــ المثل قد وقع منه العصيان ولكن لم يكن ذلك سبباً كافياً ــ لهلاكه ــ . إذن يمكن القول بأن وقوع ــ الهلاك ـــ على قوم لا يرتبط بمعصيتهم لبعض التكاليف ، فوقوع الذنب مع إمكانية التخلي عنه والتوبة منه علة تامة لرفع المحظور ــ بوقوع الهلاك ـــ وهذا ما نعتبرة سنة تاريخية ، وإعتبارنا نابع من حقيقة : كون العصيان إذا وقع من البشر فلن يكون علة تامة لنزول ــ الهلاك ــ مع وجود إمكانية العود والأستغفار .

نعم إن العصيان المرتبط بنظام التكاليف الأختيارية مدعاة لوقوع السنة التاريخية لتمام وجوب التكاليف ، والأختيار في الفعل أمر مركب من الأمتثال وضده أي بين العمل وضده ، ولوجود هذا التركيب أقتضى تعليق العقاب إلى الآخرة ، والتعليق عنوان في السنة لإفساح المجال ليتم العمل وضدة على نحو المنجزية في جدل : {  فمن تبع هُداى فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة اعمى } ( طه / 123، 124) .

فمشروعية السؤال إذن تتمحور في العنوان الأولى ، اعني عموم القانون في مستوى الممارسة والسلوك ، وحدوث السنة  التاريخية مرهون بجعل القانون عاماً في الممارسة والسلوك ، وشرط ذلك الجعل أن لا يقع في تقاطع مع العلم الإلهي ، فالتقاطع دليل العدم كما قيل أصولياً ..

 

***

 

وقد يُسأل : إذا كان ــ الهلاك والعذاب ــ مرتبطين بالظلم ، فكيف يمكن توجيه القول التالي : { ولا يحسبنَّ الذين كفروا أنَّما نُملي لهُم  خيرٌ لأنفسهم ، إنَّما نُملي ليزدادُوا إثماً ولهم عذاب مهين } (آل عمران / 178) .

وبعبارة أدق : لماذا الإملاء مع العلم بالكفر ؟ هل إن الله يُريد أن يُعذبهم بزيادة الإثم من خلال ــ الإملاء ــ ؟ وهل ذلك الأمر يُريده الله يقيناً ؟

قيل إن الإملاء في الأصل تعني : إطالة المدّة ، يقال : املي عليه الزمان ـ أي ظال عليه ــ وأملي له : طوَّل له وأمهله ، ومنه قوله تعالى : { وأملي لهم إن كيدي متين } (الأعراف / 183) .

صحيح أن ــ العذاب ــ مرتبط بوجود إذ لا عذاب بلا ظلم قال تعالى : { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين } ( يونس / 13) .

فالظلم مقدمة  لتحقيق العذاب  ولكن الأمر في الآية يرتبط بالطبيعي منه ضمن المعادلة التالية : { كلا نُمدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} ( الأسراء / 20) .والمعنى  المتضمن بهذه الآية يأتي  في سياق المعنى في الآية تلك ، فالمدّ هنا بمعنى الإملاك هناك والمراد بها ــ الأجل ــ والأجل كما  تقرر  له وقت معلوم مرتبط بالصيرورة وعموماً كما في قوله تعالى : { ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } (الأعراف / 34) . فالرمز الحقيقي في الآية يرتبط بقانون الحياة الطبيعي المتعلق رتبةً في العبارة القائلة { وما كان عطاء ربك محظورا } أي الخير المبثوث في الطبيعة فيكون ــ الإملاء ــ مع العلم بالكفر مندك في الخلق المعلوم فيه الصفة الإضافية اعني ــ الكفر ــ طالما كانت الصفة ترتبط بوضع الأختيار في الأصل كقوله تعالى : { إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً } ( الإنسان / 3) . وقال تعالى : { ولو شاء ربُّك لآمَنَ مَن في الأرضِ كُلُّهم أفأنت تُكْرِهُ الناسَ حتى يكونوا مؤمنين } ( يونس /99) .

فهي إذن متعلقة بالحرية التي وصفها هيغل : بأنها ليست سوى الوعي على الضرورة التأريخية ، وانجلز يقول كان هيغل أول من أوضح العلاقة بين الحرية والضرورة بدقة ، فقد ذهب إلى أن الحرية هي إدراك الضرورة لا غير ، والضرورة مبهمة بقدر بُعدنا عن إدراكها ، والحرية ليست بالأستقلال الموهوم ، عن قوانين الطبيعة بل إنها معرفة تلك القوانين وإمكان أستخدامها الصحيح على طريق تحقيق أهداف معينة ، وهذه الحقيقة تنطبق على قوانين الطبيعة الخارجية وتنطبق أيضاً على القوانين المتحكمة في وجود الإنسان الجسمي والروحي . (1)

والحرية لا تكون مع المنع الطبيعي منها سواء أكانت في المجال التجاري أو الصناعي أو الزراعي ، والحرية لها ضابطة خاصة لاتتدخل فيها المنفعة وطول الأجل بل إن إعتبار ذلك ــ خير ــ وهمٌ كبير لأن ذلك وضع اولي لميدان التجربة واختبار قوى التمتع ، فالمتحول به إلى نحو مخالف له والإمعان في ذلك يعني زيادة في الإثم وتحقيق ذلك في التاريخي له ــ عذاب مُهين ــ . وعليه فالعلم بالكفر لا يلغي قاعدة ــ الإملاء ــ المطّردة وليس ــ الإملاء ــ هو المسوغ لزيادة الإثم ، بل مترشح من الفعل البشري ــ أي عدم الإلتزام بالقانون ــ والعلم السابق إنما يؤكد صحة النهاية لا أنه يؤدي إليها ، وليس كذلك ــ الإملاء ــ المسوغ لزيادة الإثم ، ثم إن الله في مقام التعليل لا يُريد ظلماً بعباده ، إذ إن الظلم منه ممتنع لماذا ؟ لأن العذاب سواء أكان عقاباً دنيوياً ام عقاباً أخروياً مرتبط بفعل الإنسان وأثر طبيعي ناتج عنه ، وليس ــ الإملاء ــ هاهنا تعني زيادة  الأجل من أجل زيادة الإثم ، بل ــ الإملاء ــ سنة طبيعية ترتبط بقانون عام ملاكه الوقت المعلوم المرتبط بحياة كل فرد لا على التعيين ــ والإثم ــ فعل مركب من الإرادة والوعي والقصد ، وزيادة الإثم مع توفر الدواعي إنما في الإصرار على خرق القانون وعدم الإلتزام بمبادئ ـ الأمر والنهي ــ .

ومن هنا فشبهة ــ الظلم ــ هنا منتفية لإنتفاء الموضوع ، إذ الظلم منه تعالى محال   يقيناً بل هو صفة  ملازمة لفعل الإنسان على خلاف القانون ، وإندفاع شبهة ــ الظلم ــ على هذا النحو يقلل من حدّة السؤال المطروح آنفاً ، ويجعل من الآية في عرض سياق الآيات المرتبطة بالإنسان . وهي بمثابة التذكير الدائم بالمصير الملازم لمن يخرج على القانون أو يتجاوز السنن .

ــ والعذاب المهين ــ سنة تاريخية تتعين في القيمة والقوة من خلال إرادة الإنسان وفعله بالماهية والكيفية والوقت ، والعذاب المهين : كناية عن القسوة والشدة في تطبيق الحكم  على المخالف ، وقد يتحقق ذلك في الدنيا وبهيئات مختلفة .

قال تعالى : { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } ( القصص / 58) .

وقال تعالى : { وما كنا مُهلكي القُرى إلاّ وأهلها ظالمون } ( القصص /95).

 وقال تعالى : { فكأيّن من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ، أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ( الحج / 45 ، 46 ) .

وقال تعالى : { فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون } (النمل / 52) .

 

***

قلنا فيما مضى وخاصة في بحث المعجزة : بأن المعجزة تجاوز أو خروج عن المألوف وهذا التجاوز أو الخروج يساوي تماماً القول الدارج ــ خرق للعادة ــ وهو في كل المعاني تعريف بالظاهرة  وكناية عنها .

وبما أننا نؤمن بأن المعجزة سنة تاريخية فإنه لابد من الأعتراف بأن السنة التاريحية ملازمة وجوداً وعدماً للظلم إذ أنه يربتط بها أرتباط الشرط بمشروطه .

ولكن هل يصح أعتبار المعجزة من الآثار الطبيعية لوجود الظلم ؟

وقبل الإجابة بنعم أو لا لابد من التنويه إلى المقدمة التي ذكرناها في هذا المجال والقائلة : بأن المعجزة عبارة عن قانون طبيعي وحدوثها في الطبيعة دليل على ذلك ــ أي أنها من جنسها ــ وهذه المقدمة وإن كانت ترد دائماً في كلام الفلاسفة وأهل المنطق ولكنها في الحقيقة تنطبق على الواقع الموضوعي .

وللإجابة على السؤال المتقدم نقول : نعم إن المعجزة ظاهرة طبيعية تحدث نتيجة لوجود الظلم !

ولكن كيف ؟ نقول لأن المعجزة  ظاهرة  في واقعها تدل على جدل معرفي يقوم به قوم يختلفون بوجهات نظر معينة :

1- منهم من يعتقد بالله الواحد الأحد المبدع الخالق لهذا الكون .

2 ومنهم من لايعتقد بذلك .

ولأن الجدل حقيقة مبنائية فقد تكون الحجج والبراهين غير كافية في إثبات المطلوب ، وقد تكون طريقة الإنسان في إثبات ذلك غير كافية إلاّ من خلال التصديق عبر التجربة والبرهان .

ولأن الجدل في الأصل يدور حول قدرة ــ الذات ــ على الخلق من عدم أو إرجاع العدم إلى الوجود ، او في مجال جعل الظاهرة دليل لتقريب القلوب إلى الله . فالظاهرة من هذه الجهة لا تستخدم كقوة ردع وإهلاك كما جرى بيانه في تلازم حدوث السنن مع الظلم .

ولأن هذا الجدل يتم من اجل إثبات حقيقة كون الأنبياء وسطاء بين الله والناس ، أعني ــ الوساطة ــ التقريرية البيانية في تسمية العناوين والأسماء ، فكان لابد للمعجزة من إثبات تلك الحقيقة عبر بيان قوي ودلالة لايمكن نكرانها في المستويات المتحركة كافة ــ العيانية والأنتفاعية والتصويرية ــ وهي في كل ذلك ظاهرة ترتبط برفع ــ الظلم ــ وإثبات تلك الحقيقة ، ولكنها هنا في الرفع والإثبات لا تستخدم مادة السنن ــ أعني الهلاك ــ بل تتحرك هنا في حيز آخر أسمه ــ الرحمه ــ وهي عبارة عن الصفة الأهم في ضبط النواميس والقوانين .

إذن فرفع الظلم هنا معناه استخدام الدليل العلمي المعرفي المتين من أجل إثبات المطلوب .

وبما أن مجال السنة التاريخية وشرطها الموضوعي وجود ــ الظلم ــ كذلك فإن حدوث المعجزة شرطه الموضوعي وجود ــ الظلم ــ فالظلم عبارة عن ملاك منتزع يعمم الظاهرة ويعرف بها على انها تتموضع في هذا الوجود ولا سواه !

وحدوثها ليس من قبيل الترف المعرفي وإظهار القدرة مع عدم الإحتياج إليها ، يعني ــ الإظهار ــ في الساحة الممتنعة من جهة الضرورة واللزوم ، فحدوث الظاهرة مع عدم الضرورة إليها لغو وهزل وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً :

{ إنه لقول فصل ، وما هو بالهزل } ( الطارق / 13 ، 14) .

فالمعجزة في حقيقتها أداة بيانية معرفية تستخدم في بيان القدرة والتعريف بها في مجال ــ العدل والظلم ــ . قال تعالى : { قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } ( الأنبياء / 69) .

وقوله تعالى : { هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم } ( الأعراف / 73) .

وقال تعالى : { هل يستطيع ربك أن يُنزل علينا مائدة من السماء ؟ قال عيسى ابن مريم اللّهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء } ( المائدة / 112 ، 114) .

هذه الآيات جاءت في مقام بيان حجة الأنبياء وأنهم مبعوثون من قبل الله ، لذلك فهم قادرون بفعل ذلك على تحقيق هذه الظواهر الخارقة في جو من الرحمة واللطف المستهدف صيانة الإنسان وجره إلى طريق العقل والنور ، فهي إذن حشد معرفي بياني لتعميم ظاهرة اللطف وبيان عدم صحة ــ الظلم ــ وأن الخلاص منه يمر عبر الدلالات البيانية لرفع حالة الإحباط والدخول في عالم الأمل والرحمة .

قال تعالى : { فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مُصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين } (آل عمران / 39) .

وقال تعالى : { أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرٌ قال كذلك الله يفعل ما يشاء } ( آل عمران / 40) .

 

***

 

وهناك اتجاه في المعجزة يمارس من أجل رفع حالة ــ الظلم ــ والاسترشاد بحالة ــ العدل ــ بقرينة المقابلة ، وتوفير حالة ــ العدل ـــ لا يأتي بالضرورة عبر القوى الخارقة المؤدية إلى ــ الهلاك ــ بل تسخير هذه القوى من أجل التفاعل مع الظاهرة ككونها قدرة غير مأتية من البشر كما في قولة تعالى : { ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا كيدُ ساحرٍ ولا يُفلح الساحرُ حيث أتى } (طه / 69) .

فكان جواب هذا البيان التاريخي هو الأعتراف من قبل السحرة بأن القدرة على فعل ذلك تخرج من حيز السحر وتدخل الحيز العلمي الكبير الذي يتحرك ضمن قوى فائقة ، وعلى هذا اعتبر ــ السحرة ــ تلك الصيرورة نقض للفعل الممارس من قبلهم على نحو ـــ التخيل ــ إذ ورد التذكير بذلك بقوله : { يُخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } (طه / 66) .

والأعتراف من السحرة بالفعل المنجز بيد موسى (ع) لم يكن خيالاً بل كان فعلاً حقيقياً قائماً على ثوابت في الصنع على نحوية ــ المادي والروحي ــ ولذلك مارسوا دور الأعتراف بشكل أكثر جدية .

قال تعالى : { فألقى السحرة سُجداً قالوا آمنا بربّ هارون وموسى } (طه / 70) .

إذن فالمعجزة كحدث موضوعي هي سنة تاريخية في الواقع الطبيعي وليست هي من وحي الخيال والرؤى الكاذبة ، وذلك لأن للمعجزة بإعتبارها سنة تاريخية آثار ونتائج طبيعية ترتبط بفترة تالية لزمن حدوث المعجزة ، فآثارها تتخطى بُعدي التأسيس والمثلية .

ولكن للمعجزة بُعدٌ آخر يرتبط ــ بالهلاك ــ أي بالعلل الموضوعية المؤدية إلى ــ الهلاك ــ فالهلاك عبارة عن أثر طبيعي يعبر عن واقع مادي ناتج عن جدلية ــ التحدي والظلم ــ فحينما تعتبر تلك الجدلية قانوناً ضد التشريع تحدث المعجزة كعملية تصحيح في البيان والبرهان إيجاباً وسلباً . وتعمل لإدخال ــ الحيز الممنوع ــ أعني حيز القدرة في البيان على نحو ــ الهلاك ــ ليكون مثلاً وسنة تاريخية .

قال تعالى : { فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين } ( القصص / 81) .

وقال تعالى : { إنَّا مُنزلون على أهل هذه القرية رجزأ من السماء بما كانوا يفسقون } ( العنكبوت / 34) .

وقال تعالى : { فكذبوه فأخذتهم الرجفةُ فأصبحوا في دارهم جاثمين } ( العنكبوت / 37) .

وكذلك نتبين جريان السنن في البيان التالي :

قال تعالى : { فكلاّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }  ( العنكبوت / 40) .

التسلسل البياني ــ للهلاك ــ تعبير عن وقوعه بمقتضى دواعي المعجزة أي { وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } فالهلاك كان أثراً طبيعياً لظلمهم أنفسهم وهو يأتي على أشكال وصور مختلفة تتقدر بحسب الزمان والمكان ، والمعجزة هي ذلك الحدوث المعلل ــ بالظلم ــ وجوداً وعدماً وكإمكان وكتقدير : قال تعالى : { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ، فتلك مساكنهم لم تُسكن من بعدهم إلاَّ قليلاً وكنا نحن الوارثين ، وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلاَّ وأهلها ظالمون } ( القصص / 58 ، 59 ) .

وقال تعالى : { لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور ، فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أُكل خمطٍ وأثلٍ وشئٍ من سدرٍ قليل ، ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نُجازي إلاَّ الكفور ، وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرىً ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين ، فقالوا : ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبّار شكور } ( سبأ / 15 ، 19 ) .

وقال تعالى : { ... ولا يزال الذين كفروا تُصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحلُ قريباً من دارهم حتى يأتي وعدُ الله إن الله لا يُخلف المعياد } ( الرعد / 31) .

وقال تعالى : { لقد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } ( النحل / 26 ) .

وقال تعالى : { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون } ( الأعراف / 130 ) .

وقال تعالى : { أفلم يروا ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض او نُسقط عليهم كِسفاً من السماء ، إن في ذلك لآية لكل عبد منيب } ( سبأ / 9) .

وقال تعالى : { فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات واستكبروا وكانوا قوماً مجرمين } ( الأعراف / 133) .

وقال تعالى : { فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوماً مجرمين } ( الأعراف / 64) .

وقال تعالى : { وكذلك أخذ ربك  إذا أخذ  القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } ( هود / 102 ) .

***