السنة الطبيعية والسنة التاريخية :

هل التمييز بين السنتين ضرورة أم مطلب واقعي ؟

وإذا كان الأتحاد بالمفهوم واحد فلماذا التفريق بينهما ؟

بيد أن بين الستين عموم وخصوص من جهة ، فكلاهما يجعل ميدان فعله الساحة الوجودية أي ساحة ــ ممكن الوجود ــ ولكنهما يفترقان من جهة كون الطبيعية مرتبطة بالوجود بما هو هو ، والتاريخية مرتبطة بالوجود من حيث هو حركة نقلة وتغيير .

وجدلية الثابت والمتغير في العلم تجد رصيدها الموضوعي هنا متجلية بوضوح ، فكلاهما يتحرك في دائرة من المعلومات .

فالخلق والتكوين سنة طبيعية قال تعالى : { ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلاّ بالحق } ( الأحقاف / 3) .

فحتمية الخلق ضرورة الهية لا ترتبط بفعل الإنسان وليست هي نتاج لفعله في الواقع ، ولكن الواقع المخلوق وعاء لتجارب الإنسان وفعله .

وطريقة الخلق ترتبط بحاجة إلهية مقدرة في التخطيط المنطقي لصورة الكون في الذهن والخيال الإلهي ، أي أن صورة الخلق مرتبطة بضرورة حتمية متعلقة بنظام كلي مسبق في العقل الإلهي ، وهي بذلك تخرج عن كونها حاجة أو فعل مقدر ومنتج من قبل الإنسان .

إذن فالسنة الطبيعية حتم إلهي يرتبط بضرورة مقدرة منه لا شأن للإنسان فيها من جهتي الخلق والتكوين .

قال تعالى : { ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيماً } ( الفتح / 4) .  خلق جنود السموات والأرض شأن إلهي يعبر عن سنة كونية ترتبط بموازنة طبيعية بين الخلق العام وحاجاته الأستهلاكية سوى في مستوى ضبط حركة الموجودات المخلوقه أو في مستوى حاجة المخلوقات إلى النماء في ظل الوعاء المخصص لها ..وهذا الأمر يرتبط بخلق الكائنات الحية المرئية وغير المرئية فالظرف الموضوعي لوجودها هو شرط ذاتي لخلق السموات والأرض إذ بدونها ينتفي التعليل ومعرفة الأصل الأولي من الوجود .

إن خلق الكائنات الحية ضرورة طبيعية لا ترتبط بنتاج فعل الإنسان الواعي النشط .

فال تعالى : { ولله ملك السموات والأرض .. } ( الفتح / 14 ) .

المراد بالملك هنا عبارة عن مفهوم السيطرة الحقيقي على النظام الكوني في السموات والأرض وحركته ، أي أن زمام حركة الكون مرتبطة بقدرة عاقلة واعية تضبط تلك الحركة بميزان يحافط على وحدة النظام الكوني ، والملك على نحو الخلق والوجود شأن إلهي يرتبط بنظام التكوين الكلي ، أعني ما هو داخلي وما هو خارجي شأن مقدر مختص بالله سبحانه وتعالى ولا شأنية للإنسان فيه إلاّ على النحو الأعتباري المجازي . قال تعالى : { ولله ميراث السموات والأرض .. } ( الحديد / 10 ) .

الميراث في عرف المتشرعة هو عبارة عن الأشياء المتبقية بعد فقدان المالك الأعتباري ، وكأن هذه الآية ترتبط بما سبقها كقوله تعالى : { له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } ( الحديد / 5) .

وهذه تعني ؛ أن المتبقي من الوجود المخلوق الثابت منه والمتحول هو الله في نهاية طور حياة الوجود المخلوق سواء أكان في السموات ام في الأرض ، والمتبقي هذا عبارة عن شأن يختص بمالكه أصالة على نحو الحقيقة لا الأعتبار المراد به التصرف الآني في موجودات الكون التي هي ليست من خلقه وإبداعه وإنتاجه فمقولة ( لله ميراث السموات والأرض ) إذن لا ترتبط بالإنسان إلاّ على نحو المجاز وكالة فالأرث كرصيد باقٍ بعد كل شئ هو شأن إلهي محض ولا ربط للإنسان به بل إن نتاج الإنسان الحضاري الثقافي سيكون من شانه كذلك .

قال تعالى : { ولله خزائن السموت والأرض } ( المنافقون / 7) . والخزائن جمع خزينة أي الصندوق الذي تحفظ به الأشياء ، وهي هنا كناية عن القدرة الكاملة التامة على كل ممكنات الوجود ، قال تعالى : { وإنْ من شئ إلآَّ عندنا خزائنه } ( الحجر / 21) ، والآية في مقام التعريف بخزائن الله وهي تعريف يُراد به بيان السنة الطبيعية وتعليق الشأنية في ذلك بالله وحده وليس للإنسان دخل فيها .

إذن فالخلق والتكوين للعوالم الكونية المطلقة شأنها بقدرة الله ولا شأنية للإنسان فيها ، بل إن الإنسان هو جزء من ذلك الخلق والتكوين .

قال تعالى : { خلق السموات والأرض بالحق وصوّركم فأحسن صوركم } ( التغابن / 3) . وقال تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون } ( الحجر / 26) . وقال تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون / 12) . وقال تعالى : { وبدأ خلق الإنسان من طين } ( السجدة / 7 ) .

وقال تعالى : { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } ( الرحمن / 14) .

وقال تعالى : { أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم } (يسن / 77 ) . وقال تعالى : { وهو الذي خلق من الماء بشراً .. } ( الفرقان / 54 ) .

وقال تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء ..} ( النور / 45 ) .

فالإنسان في العرض القرآني جزء من الخلق الأرضي وذلك للطينية الملازمة لخلقه ، وبعد أن أنتهى من خلقه عبر مراحل جعل له صورة حسنة تتناسب ووضعه الطبيعي المخلوق من أجله ، ولابد من التفريق بين كلمة ــ خلق ــ وكلمة ــ جعل ــ كما في قوله تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة .. } ( البقرة / 30 ) ، فالتفريق لابد أن يُرصد المعنى اللغوي والمعنى الزمني ، والرصد يتمحور في ظل قاعدة الطبيعي والإلهي الحدثي والفجائي ، والتفريق يرتبط بالفكرة القائلة : { الذي خلقك فسواك فعدلك } ( الأنفطار / 7 ) .فالخلق سنة طبيعية والجعل كذلك ولا علاقة لهما بالإنسان بقدر كونه أحد أجزائهما الطبيعية الموضوعية .

تنبيه : يتضح مما تقدم أن السنة الطبيعية تفترق عن السنة التاريخية فحتمية الأولى شأن متعلق بقدرة الله ولا علاقة للإنسان بها ، وأما الثانية فحدوثها فعل ناتج عن الإنسان .

وكذلك تفترق الأولى عن الشأنية في المالكية والإرثية والخازنية على المستوى المخلوق أصالة وليس عرضاً .

إذن يمكن القول في الجواب عن الشق الأول من السؤال : أن ذلك مرتبط بالواقع الموضوعي المعبر عن ضرورة الخلق والتكوين .

 

***

 

وأما بالنسبة للإتحاد المزعوم فالقول فيه أن الأتحاد نسبة وضعية لا علاقة لها بماهية وكيفية كلا السنتين فتأمل !!

وكذلك تفترق السنة الطبيعية عن السنة التاريخية في السبب المباشر كما في قوله تعالى : { قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار } ( يونس / 31) وقوله تعالى : { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله } ( النساء / 39 ) ، وقوله تعالى : { هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض } ( فاطر / 3) ، في هذه النصوص نلتقي مع صفة أخرى تمثل النزعة إلى تقسيم الثروة بالشكل العادل في السنة الطبيعية ففيها تتحرك مادة الصفة هذه في جو إلهي محض في هيئته أرتباط المادة بالوضع أو المنشئ ، وهي تدور مع الله كما في العبارة التالية ( من خالق غير الله يرزقكم ؟ ) والرزق : ــ عبارة عن صفة تقدير في الأموال والأشياء وهي شأن إلهي لا تنبثق من نشاط الإنسان إلاَّ على نحو الإعتبار بالوكالة مجازاً

. قال تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب ويُقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } (البقرة : ).

فالمادة هنا تتحرك في ظل ظرفها الموضوعي والتاريخي أعني ــ صفة التفويض بعد الإيمان ــ فهي للإنسان وكالة إذا كان قادراً على ادائها بحدودها المعلومة ــ فالرزق في هذه عبارة عن عنوان ثانوي ، أي إنفاق وتوزيع ما أؤتُِمنَ عليه من قبل المالك الأصلي وكالة ، وتحرير القول ـــ بالرازق ــ إنما يُراد به الرازق الأعتباري  أو المجازي وكالة او المالك للرزق ملكاً قهرياً ثانوياً  .

قال تعالى : { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية } ( إبراهيم / 31) .

فالإنفاق في السياق التاريخي شكل من أشكال توزيع الثروة التوزيع المرتبط بقوله ــ رزقناهم ــ والضمير المتصل هنا يعود على الرازق الحقيقي صاحب الملكية أصالة وهو ــ الله ـــ فيكون الإنفاق في العمل الطبيعي المباشر من عمل الإنسان ، ولكنه في اللامباشر إشارة إلى عمل الله ، أي ان التصرف بالمال يرتبط بصلابة التصرف والقدرة على ذلك وهذا مأذون فيه لعموم قوله ــ الذين آمنوا ــ فهؤلاء هم أصحاب حق في توزيع الثروة تبعاً لمبدأ ــ العدل ــ .

فالتوزيع إذا لم يرتبط ــ بالعدل ــ فهو باطل منهي عنه ، أي أن شرط صحة الإنفاق توفر مبدأ ــ العدل ــ كملاك وهو شرط الصحة لأنه شرط إنساني وشرط أخلاقي ، وضد ــ العدل ــ ياتي الظلم والجور والتعسف وهذا منهي عنه قطعاً ، لذا ورد التقديم للتعليل المتأخر ، وكأن شرط الإنفاق هو شرط تكليفي وملاكه ــ الإيمان ــ بإعتباره القرينة على الأداء في التكليف على ما اوتُِمنَ عليه من أموال وأشياء .

والتفريق بين السنة الطبيعية والسنة التاريخية في مجال رصد الصفات الإلهية يقوم أساساً على أسباب ترتبط بكون تعلق هذه الصفات بمصاديقها الخارجية على نحو المنجزية الفعلية وهذا متعذر بدون الأشتراك الموضوعي بين الله والإنسان .

فالله صانع ومبدع هذه الصفات ومجريها في هيئة الأنتفاع ــ أي التسخير ــ والإنسان مكلف من قبل الله بجعل الأنتفاع في الصفة يرتبط بنظام حياته المقرر وبحسب الضوابط الكتليفية والوضوعية في الأمر والنهي .

والتلكيف تحرير للصفة بحيث يرى أثرها الواضح في الواقع الموضوعي أعني أثر الأنتفاع وكيفيته .

فالطبيعي منه إيجاد تلك الصفة من عدم وجعلها بحيث تناسب حاجة المنتفع بها ، والتاريخي هو جعل للصفة ــ نظام ضبط وربط ــ فيها بحدود الحاجات والضرورات وهذا مرتبط بما يلي :

1 الواقع الموضوعي .

2 الشرط الإعتباري .

أعني زوج / الإيمان + العدل ــ وبدونهما يكون الخلل مترتباً أثراً في الواقع وفي الشرط ، والخلل سبب مباشر في حدوث السنة التاريخية على نحوها السالب .

ولعل التمايز اوضح ما يكون في الصفات الإلهية عموماً ، تلك الصفات المرتبطة بعالمها الخاص الذي تتحرك فيه ، فالصفات : عبارة عن عناوين كلية لمفهوم ـــ الذات ــ كما طرحت في التعبير الكلامي القائل : ــ الصفات عين الذات ــ فالمتحرك والفاعل هو المتجلي والظاهر ، وبيان التجلي تمظهر بأبرز المصاديق حينما قال : ( ربي أرني أنظر إليك ؟ قال لن تراني ، ولكن أنظر إلى الجبل ــ ميدان التجرية ومكان أختبار الظهور والتجلي ــ فسوف تراني ( في أي هيئة ؟ ) فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً ، والتجلي : عبارة عن مظهر الكشف عن واقع حال القدرة في ميدان الظهور ، والتجلي ظهور في القدرة لا ظهور في الذات ، والتناسب هنا بين الذات والصفة تناسب في ميدان الرؤية العينية المشار إليها في التعبير الكلامي آنف الذكر .

والتجلي ظهور الذات بعنوان الصفة لإمكانية الظهور في الصفة وتعذره  في الذات .

والذي يظهر من الصفة في معنى التجلي ظهوران :

الأول : الطبيعي .

الثاني : التاريخي .

الأول يرتبط بالقوانين الكلية المُجسدة للنظام الكلي العام ، والثاني يُجسد الحركة المرتبطة بالعلل والأسباب المعينة في حدود الظاهرة العامة ، وكذلك أرتباطها بأسباب خاصة بحدود الظاهرة الخاصة ، كالذي حصل من التجلي المتقدم في الجدل الذي  دار حول الرؤية من قبل الإنسان  لله .

إذن فجدل الإنسان والله جدل في الطبيعي والتاريخي المرتبط بسنن بينهما عموم وخصوص من جهة ونعني بذلك :

1 الفعل المحض .

2 الفعل المشترك .

فالأول يجري في الطبيعي من جهة عموم القانون وخصوص الأرتباط بالمبدع ، والثاني يجري بينهما ــ الطبيعي والتاريخي ــ من جهة خصوص القانون وعموم الأرتباط بالمبدع .

وميدان ذلك ساحة الظواهر التي يقع فيها الطبيعي والتاريخي ، مع تنويه بسيط هو : أن في الأول المشيئة والفعل امر خاص بالله ولا شأن للإنسان فيه سواء في الثابت أو المتحول ، ولكن في الثاني المشيئة والفعل مرتبط بحركة الفاعل الإعتباري الذي هو ــ الإنسان ــ وهي لا تمس ساحة الثابت بل مجالها وحيزها بالفعل ساحة المتحول . لذا يجري التبديل والإنهاء بحسب الواقع الموضوعي والشرط الإعتباري .

قال تعالى : { ومن نُعَمِرّه ننكسه في الخلق } ( يس / 68) .هذا القول فيه جدل التناقض بين الطبيعي والتاريخي .

وقال تعالى : { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ( الأعراف / 43) . وهذا القول إشارة إلى قوة التاريخي في صنع الآجال المستقدمة والمستأخرة في الدنيا  لا على أساس المشاركة في مَبْدَأي العقاب والثواب بل المشاركة في كيفية التقديم والتأخير .

ويدخل في باب التقديم والتأخير الحروب والحدود والقصاص وكافة أنواع القتل ويرادفه في التقابل الموضوعي السلام والعدل وسيادة القانون ، ومنطق التقديم والتأخير المرموز له بالآية المتقدمة ليس سوى هذا التداخل والترادف الذي يصنعه الإنسان مباشرة في ساحة الطبيعي الكوني ، ولأنه كذلك فهو صنع إلهي غير مباشر ، تأمل الفكرة في صراع النقائض والأضداد في الدوام والزوال والبقاء والهلاك والحق والباطل والخير والشر والحلال والحرام .

 

***