القضاء والقدر :

 

في البداية لا بد من القول أن القضاء والقدر من المبادئ التي دار حولهما بحث ونزاع كبير واختلف فيهما الأقوال بين الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء تبعاً لمعنى المتلقى والوظيفة المعلومة من القضاء والقدر ، والنزاع كما ترى منصب حول السؤال التالي :

هل الإنسان مُجْبَرٌ أم مُخَيَّرٌ ؟

فالقائلون بالجبر جعلوا كل شئ مرتبطاً بقدرة الله ، وأن فعل الإنسان ما هو إلاَّ فعل تابع لإرادة الله وفعله .وأما القائلون بالاختيار فقد جعلوا الإنسان مريداً في الفعل ولا تأثير لله في فعله بشكل مباشر ، وأن إرادة الله توقفت بعد صنع العالم والأنتهاء منه وأوكلت المهمة إلى الإنسان .

وهناك من قال ــ لاجبر ولا تفويض ولكن  أمر بين أمرين ــــ ولخطورة البحث وارتباطه ـــ بالإنسان والله ــ  رأينا من الضرورة الوقوف عند المعنى الوارد في كتاب الله عن القضاء والقدر .

لابد من القول أن القرآن عندما ذكر ــ القضاء ــ لم يأتِ بلفظه بل جاء بمشتقات اللفظ ، فذكر بصورة الفعل . قال تعالى : { فقضاهن سبع سماوات في يومين } ( فصلت/ 12)

وقال تعالى : { والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ }

( غافر / 20) .

 وورد لفظ القضاء بعنوان أسم المفعول .

قال تعالى : { وكان أمراً مقضياً } ( مريم / 21) .

وجاء لفظ القضاء بعنوان اسم الفاعل .

قال تعالى : { فاقض ما أنت قاض } ( طه / 72) .

وقد أستعمل ــ القضاء ــ في القرآن بسبعة معاني هي :

أولاً : القضاء بمعنى التكليف كقوله تعالى : { وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلاَّ إياه وبالوالدين إحساناً } (الإسراء / 23) .

وثانياً :القضاء بمعنى الخلق كقوله تعالى : { فقضاهن سبع سموات في يومين } ( فصلت / 12) .

وثالثاً : القضاء بمعنى الحكم كقوله تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرّة من امرهم } ( الأحزاب / 36) .

ورابعاً : القضاء بمعنى الحتمية كقوله تعالى : { وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ) ( البقرة / 117) . وقال تعالى : { فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون } ( غافر / 68) .

وخامساً :القضاء بمعنى الإتمام كقوله تعالى : { قضى الأمر الذي فيه تستفتيان } ( يوسف / 41) .

وقوله تعالى : { ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر } (هود / 44) .

وسادساً : القضاء بمعنى العهد كقوله تعالى : { وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع } (الحجر / 66) .

وسابعاً : القضاء بمعنى الحكومة كقوله تعالى : { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } ( الجاثية / 17)

***

وأما القدر فقد ورد في القرآن فعلاً ومصدراً .

قال تعالى : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ( القدر / 1 ) .

وقال تعالى : { إنا كل شئ خلقناه بقدر } ( القمر / 49) .

والقدر بمعنى التقدير : أي وضع الشئ في مكانه المطلوب ، قال تعالى : { وقدر فيها أقواتها } ( فصلت / 10) .

قال القرطبي : أي أرزاق أهلها وما يصلح لمعاشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة مالم يجعله في الأخرى (1)

وقد عُرَّفَ القضاء والقدر بالقول :

القدر : عبارة عن اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر .

والقضاء : عبارة عن الخلق .

والفرق بينهما أن القدر أعم والقضاء أخص .

فتدبر الأوليات قدر ، وسوق تلك الأقدار بمقاديرها وهيئاتها إلى مقتضياتها هو القضاء .

فالقدر : إذن تقدير الأمر بدءاً .

والقضاء : فصل ذلك الأمر وقطعه (2)

وأما ابن سينا فيرى القضاء أعم من القدر .

فالقضاء عنده : هو علم الله المتعلق بالكل على النظام الأكمل الذي يكون في الوجود .

والقدر : هو إفاضة الكائنات على حسب ما في علمه ، فالكل صادر عن الله ومعلول له وكل ذلك بقضاء وقدر  . (3)

***

 

ويمكننا بعد تعيين الضابطة في القرآن وفي الأصطلاح أن نتعرف على واقع الحركة في الطبيعة ، ولاريب أن ما يجري من قوانين في الطبيعة إنما هي بالضرورة مرتبطة بالقضاء والقدر ــ بلحاظ الكينونة ـــ في :

أولاً : إن القضاء والقدر يعملان داخل ووفقاً لقوانين الطبيعة في الإطار التاريخي ، ولذا فهما شاهدان على قوانين التطور التاريخي والطبيعي ، وما يتعلق بِمّبْدِأَي ــ الحسن والقبح ــ وهذا العمل يجري وفقاً لقانون العلل والأسباب الطبيعية .

وثانياً : الحدث التاريخي يرتبط بعوامل طبيعية تدخل في حيز ــ في القضاء والقدر ــ وبيان ذلك : في إمكانية السقوط الحضاري نتيجة لسقوط القائد ، كما نرى ذلك في التاريخ القريب عندما خسر نابليون في ــ واترلو ــــ فالسقوط علة مرتبطة بالقضاء والقدر ... وبناءً على ذلك ربطوا الحدث التاريخي هذا بكل جدل تاريخي جاء على نحوه ، وقد مال الجبريون إلى هذا خاصة بالقول : إن جميع الحوادث تقع دون تدبير أي أنها بقضاء وقدر ، وليس للحوادث قدرة لتعيين المصير أو قدرة على الحل والربط ، ولأن تعليل الحدث التاريخي تم على هذا النحو قيل : بالحدوث الماورائي !

فالمفهوم الثاني يرتبط جدلاً بالفكر الجبري وأدلته التقييمية ، والإصرار على وقوع الحدث بقضاء وقدر ينفي ضرورة صدور العمل من الإنسان اختياراً ، وبذلك يكون الله قد ــ قدّر ــ جميع أفعال الإنسان حسنها وقبيحها سواء اكانت أفعلاً كلية ام افعالاً جزئية .

وهذا ــ القدر ـــ هو الذي عيّن مصير الإنسان ولايمكن الخروج من هذا القدر وتبديله ، وعند ذلك فلا مجال للأختيار وكل المفاهيم تستبدل بجبر تام !!!

وأما ما يتعلق ــــ بالصدفة ـــ وغيرها فإنما يقع داخل ذلك الإطار الذي ينفي الأختيار في الفعل ، لأن الأختيار هنا يفسر على نحو مناقض لجدل الطبيعة وحقيقة ــ القضاء والقدر ـــ كما ان الصدفة منافية لبعض الأفعال الأختيارية .

فالقضاء والقدر بالمفهوم الجبري ومنطق الجبريين ( فاتا ليتسها ) يحكم جميع حوادث الكون والطبيعة والإنسان .

وهذا التعريف ـــ للقضاء والقدر ـــ يولد ردة فعل عنيفة تجاه الأديان وتجاه بعض المذاهب الفلسفية التي آمنت بالظاهرة على نحوها الجبري . ومن هنا يرى بعض الكتاب أن الأديان ساحة ــ للجبر ـــ وأن حركتها معلقة وفقاً ــ للقضاء والقدر ـــ واعتبر هؤلاء الكتاب ان الدين الإسلامي هو واحد من تلك الأديان التي تعتبر ـــ القضاء والقدر ـــ مؤثراً فيها دون فعل الإنسان ــ أي أن القضاء والقدر هو المؤثر الأول ــ وتبعاً لذلك الآعتبار فإن كل ما يجري في الكون من حوادث اجتماعية وفردية حسنة وقبيحة إنما تعود إلى فلسفة الأديان لمفهومي ــ القضاء والقدر ـــ .

وهذا الأعتقاد يجعل من الدين عبارة عن تحجر وجمود وانغلاق ، ويجعل منه كذلك أبعد ما يكون عن التطور والتقدم ، ولأن الأمر يحتاج إلى بيان توضيحي لذلك نقول :

أولاً : إن الدين هو مجموعة قواعد ونظم وأوامر ونواهي ، وهذه الأوامر والنواهي وسائل من أجل تكامل الإنسان ، والأمر والنهي في مجال الحركة لا يرتبط بالجبر بل هو قوانين يجري تطبيقها بواسطة العقول والأنبياء ،

إذن فقضاء الله للإنسان هو تشخيص التكاليف والقوانين فيما يصلحه ويفسده ، والتشخيص ليس نفي للجبر بل هو إثبات لدليل الأختيار ولزومه ، فالتكليف مع عدم الآختيار لغو وهو ممتنع على الباري ، إذ الملاك فيه وعي هذا التكليف وامتناع ذلك في الجماد والحيوان واضح .

فإن قيل : إن الفعل الآختياري الموضوعي في الخارج ينافي ــ القضاء والقدر ــ .

قلنا : لا منافاة بين الفعل الآختياري والقضاء والقدر ، إذ العامل في معمله ينجز عمله أختياراً ولا يؤدي ذلك خلل في نظام المعمل وأجهزته .

وثانياً : مما تقدم يمكن اعتبار القضاء هو نظام للعالم تمَّ بقدرة الله وعظمته وهذا لا يرتبط بفعل الإنسان الاختياري .

وثالثاً : إن إسناد فعل الاختيار للقضاء والقدر مخالف لمشيئة الله ، وعلى ذلك مئات الآيات المثبتة لذلك ، الآيات التي تمجد السعي وبذل الجهد وتوبخ من يقول إن أفعالنا الاختيارية مرتبطة ــ بقضاء الله وقدره ـــ كقوله تعالى : { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ }

 ( النحل / 35) .

ورابعاً : ولابد من الاعتراف أنه ليس كل ما يريده الإنسان في حياته سيتحقق والشواهد في القرآن واللغة والأدب كثيرة ، وهي تعضد المطلب وتؤكد عليه .

***

للحركة في تلك المادة اختلافات محسوسة !!

ولكن جاز لنا أن نسأل :

هل المادة في كل وقت وزمان تؤثر في الموجودات والحوادث المستقبلية أم لا تؤثر ؟

فإن قيل : إنها لا تؤثر فلابد من قبول القائل : لا مؤثر في الوجود إلاَّ الله ــ أي أن علة المعلول المادي نفسها توجبه ، لذلك توجد جميع حوادث العالم ...

قلنا : إن جميع المقتضيات والحركات والمواد الموجودة في العالم من الله بلا ريب ، ولكن ذات الله ليست مادة حتى يكون لها تأثير مادي في الموجودات .

فلو قيل : إن الله موجد للعالم لذلك يستطيع عمله ، إذن فما هو الضرر بكون الخالقية المطلقة له ؟

قلنا : لو كان فعل الإنسان لحركاته محدوداً ولم يخالف مشيئة الله جلت قدرته ، فإنه لا يوجد في هذه الحالة أي محذور منطقي وعقلي لخالقيته المطلقة ... فالإنسان بطبعه فقير محتاج لذلك لا يستطيع مخالفة مشيئته أو فعله ...

وأما الاستدلال بقوله تعالى : { والله خلقكم وما تعملون }.

فأولاً : إن هذه الآية لا ترتبط بعمل الإنسان من جهتي ــ الجبر والأختيار .

وثانياً : إن هذه الآية من سورة الصافات ورقمها ــ 96ــ والتي قبلها تقول :

 { قال أتعبدون ما تنحتون }

وهذه متعلقة شأناً بمحاجة إبراهيم (ع) لعبدة الأصنام ، وبعد ذلك جاءت بعدها هذه الآية ..

ومعناها: إن نفس مادة الأصنام هي من صنع الله ، إذن فالعمل فيها لايتعلق بالاختيار وإنما بالصنع .

وكذلك استدلوا على الجبر بقوله تعالى : { وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنيات بغير علم ، سبحانه وتعالى عما يصفون ، بديع السموات والأرض ، أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ، وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم } (الأنعام / 100 ،101 ) .

وقالوا في الاستدلال : بما أن الله خالق كل شئ ، وعمل الإنسان جزء من الأشياء ، إذن فالله خالق عمل الإنسان !

لذلك فلا يوجد أختيارٌ في عمله ..

وهذا الاستدلال كسابقه بفتقد للدليل العلمي الرصين في ذلك لأنه :

أولاً : إن هذه الآية في مقام بيان عظمة الله ، وإنه الخالق لكل الموجودات في الكون ، فلو كان للآية دلالة على أن الله خالق عمل الإنسان ، إذن فالله خالق الظلم والشرك فيه !! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ..

ثانياً : قوله تعالى : { وخلق كل شئ } هذا في مقام التوبيخ للمشركين إذا أخذناها بقرينة الجملة التي سبقتها والتي جعلت لله شركاء في الخلق ، لذلك جاءت هذه الآية لتأكيد أن كل ما في الوجود من أشياء خلقها الله ، ولهذا أردف في مقام الاستنكار أن يكون له شريك من زوج أو ولد ..

وهذه الآية كقوله تعالى : { إن خلقكم وما تعبدون } التي قلنا فيها إنها جاءت في مقام بيان مادة الأصنام المصنوعة منها .. .

فإن قلت : نعم إن الآية تصرح بأن الأشياء كلها مخلوقة لله .

قلت : إن الآيات الأخرى والأدلة العقلية والحسية تنسب عمل الإنسان الأختياري إليه لا إلى الله ..

ثم إن عموم الآية يمكن تخصيصة بجميع المخلوقات ـــ دون عمل الإنسان الاختياري ــ أي ان الآية ناظرة إلى هذا المعنى ..

ولو تأملنا القرآن لوجدنا أن أكثر من مئة آية تنسب العمل الاختياري للإنسان دون الله ..

وأصولياً قيل إن المخصص الواحد قادر على تخصيص  مئات العمومات إنْ كان من نفس الموضوع .

فكيف إذا كان المخصص مئة والعام واحد ؟

وحتى في فقه اللغة قيل : ليس من الحكمة بمكان أن لا تستطيع مئة آية من تخصيص آية واحدة ...

ولكن هناك آيات لا تقبل التخصيص مثل قوله تعالى : { أقيموا الصلاة } لأنها مشروطة بوقت معين لذلك فلا تقبل التخصيص أو التقييد ..

وأما الآيات التي نسبت العمل إلى الإنسان فمنها :

قوله تعالى : { كل نفس بما كسبت رهينة } ( المدثر / 38) .

وقوله تعالى : { فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ( الشمس / 8) .

وهناك ما يقارب ال 300 آية والتي جاءت بصيغ مختلفة وجميعها تنسب العمل إلى الإنسان .

1 منها من ينسب العذاب كنتيجة للعمل السئ الذي يقوم به الإنسان .

2 ومنها من يرجع جميع آثار عمل الإنسان إلى الإنسان نفسه .

3 ومنها من ينفي الظلم عن الله سبحانه وتعالى ، كقوله تعالى : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } ( النساء / 4 ) .

إذ هناك ما يقارب ال 80 آية نسبت الظلم إلى الإنسان كقوله تعالى : { فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ( التوبة / 7) .

4 ومنها من ينسب الاعتدال والأنحراف إلى الإنسان .

5 ومنها يصرح بوضوح أن الإنسان هو الذي ينتخب الطريق الذي يناسبه كما في قوله تعالى :

{ إنا هدناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً } ( الإنسان /3) .

وقوله تعالى : { لا يكلف الله نفساً  إلاَّ وسعها ، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولاتحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قلبنا ، ربنا ولا تُحملنا ما لا طاقة لنا به .. } ( القرة / 286 ) .

وقوله تعالى : { ومن يُرد ثواب الدنيا نؤته منها ، ومن يُرد ثواب الآخرة نؤته منها .. } ( آل عمران / 145 ) .

وقوله تعالى : { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفّرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ، ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنُزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، منهم أمة مقتصدة . وكثير منهم ساء ما يعملون } ( المائدة / 65 ، 66 ) .

وقوله تعالى : { وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله ، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون . ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون }

 ( النحل / 112 ، 113 ) .

وقله تعالى : { من كان يُريد العجالة عجّلنا له ما نشاء لمن نُريد ، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً . ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً . كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً } ( الأسراء / 18 ، 20 ) .

وقوله تعالى : { وأنْ لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً } ( الجن / 16) .

وقوله تعالى : ( من أهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } الأسراء / 15 ) .

وقوله تعالى : { ولا تكسب كل نفس إلاَّ عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الأنعام / 164 ) . وقوله تعالى : { وإن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى وإن سعيه سوف يُرى ، ثم يجزاه الجزاء الأوفى } ( النجم / 39 ، 41 ) .

وقوله تعالى : { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ } ( البقرة 256 ) .

وقوله تعالى : { من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى ، وهو مؤمن ، فنحيينه حياة طيبة ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ( النحل / 97 ) .

وقوله تعالى : { ومن كان يُريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يُريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب } (الشورى / 20 ) .

وقوله تعالى : { وَوُفِّيتْ كل نفس ما عملت وهو أعلم بما بفعلون } ( الزمر / 70 ) .

 

***

 

هناك مجموعة من الآيات تنسب الإرادة إلى الله منها :

أولاً : الآيات التي جاءت بشكل قاطع في بيان مسألة الخلق ، أي أن الله متى أراد شيئاً أوجدهُ ، فإرادة الله توجد ذلك الشئ بشكل قاهر . ولا يستطيع أي مانع أن يحول دون هذه الإرادة :

قال تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } ( يس /82)  ومعلوم يقيناً أن جملة { كن فيكون } صياغة تخاطب عقول الناس ومداركهم وإلاَّ فلا يحتاج نفوذ الإرادة إليه . وهذه الآيات تقول : إن الله متى أراد شيئاً فعله ، ومتى لم يرد شيئاً لم يفعله .

ثانياً : الآيات التي جاءت في مقام بيان قدرة الله .

قال تعالى : { قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً } ( المائدة / 17 ) .

وقال تعالى : { قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً ، بل كان الله بما تعملون خبيراً } ( الفتح / 11 ) .

وليس في هذه الآيات ما يدل على أن الله قد جعل كل حركات الإنسان وأفعاله مورداً لإرادة الله .

ثالثاً : الآيات التي جاءت في مقام بيان نتيجة إرادة الإنسان :

قال تعالى : { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً ، كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً } ( الإسراء ، 18 ، 20 ) .

وهذا النوع  من الآيات يعرض مجموعة قضايا منها :

1 إن الإنسان ليس مجبوراً في إرادته ، أي أن رغباته الدنيوية وأفعاله الأخروية كلها تقع في ظل إرادة الله .

وبعبارة أدق : إن الإنسان لطريقه بنفسه ، فإغنه بداهة أن تقع نتيجة ذلك الاختيار الطبيعية في ظل إرادة الله ــ الكلية ــ .

2 قضية المن والعطاء الإلهي عامة شاملة للطرفين ، وليس في الآيات ما يدل على الجبر فيها ، بل إن الإرادة فيها تنسبُ إلى الإنسان ــ وهذا هو المراد من الاختيار ــ .

رابعاً : الآيات التي ساوت في التكاليف بين إرادة الله وقدرة الإنسان :  قال تعالى :

{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( القرة / 185)

خامساً : الآيات التي جاءت في مقام بيان نفي كون الله عز وجل مريداً للظلم : قال تعالى :

{ وما الله يريد ظلماً للعالمين } ( آل عمران / 108 ) .

تبين مما مضى أن الله لم يعلق بإرادته التكوينية أفعالنا الاختيارية ..

***

الآيات التي وقعت مورداً للإشكال في نسبة الإرادة منها :

قال تعالى : { ولا ينفعكم نصحي إنْ أردت أنْ أنصح كان الله يريد أنْ يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون } ( هود / 34) .

والآية في مقام بيان عدم جدوى تبليغ نوح (ع) لقومه ، وكأنه يفهم منها ما يلي : إن الله يريد ضلالتهم على أساس أن إرادة الله متعلقة بأفعال قوم نوح ، لذا فضلالتهم هي طبقاً لإرادة الله ــ الجبرية ــ وهذا الاستنتاج متوقف على معنى كلمة ــ غي ـــ التي تعني ــ الضلالة ــ بالخصوص ..

ولكن الأمر ليس كذلك فمادة ــ غي ــ الضلال تستعمل أحياناً بمعنى اليأس والعقاب والخيبة .

قال ابن منظور : أغويت الناس أي خيَّبتهم (1)

وإذا كان الإغواء في الآية بهذا المعنى فيصبح مضمونها كالتالي :

إن نوحاً يقول إن إرادة الله تريد منكم اليأس شريطة أن يكون اليأس نتيجة لعملكم ، وعندما يقع مورداً لإرادة الله ـ .

وفلسفياً قيل : إن إرادة العمل غير إرادة النتيجة ــ . قال تعالى : { لقد خاب من دساها } ( الشمس / 10)

فإن قلت : إن إليأس من الاختيار في نظام الوجود مطابق لإرادة الله الوجودية .

قلت : هذا القول لا دليل عليه إذ إن نفس العمل الاختياري يقع مورداً لإرادة الله التكوينية .

وإذا كان ــ الغي ــ بمعنى العقاب كما في قوله تعالى : { فسوف يلقون غيّا } ( مريم / 59 ) .

ومعنى ذلك : أن الله قد جعل الثواب للعمل الحسن ، والعقاب للعمل القبيح ــ بإرادته ـــ .

مع كون إرادة العمل غير إرادة النتيجة .

قال تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ، كأنما يصّعد إلى السماء ، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ( الأنعام / 125) .

 فلو لم تكن عبارة ـــ كذلك يجعل ـــ موجودة لفسّرت بحسب الملاحظات السابقة حول الآيات ، ولكن العبارة الأخيرة وضّحت مفهوم الآية كاملاً ...

وبعبارة أدق : إن هذه  الجملة كشفت عن معنى الضيق والحرج ولم تبين معلول الإيمان .

وهي ترمز إلى ما يلي : إن الله قد جعل صدور هؤلاء ضيقاً حرجاً بسبب  عدم إيمانهم ، ولهذا السبب صاروا عرضة للبلاء وسقطوا في الضلالة . ولأن ضلالتهم قد طابقت مفهوم تلك العبارة لذلك أرتبطت بإختيارهم ، ونفس الأمر نقوله بالنسبة للهداية فهي أيضاً ترتبط بإختيارهم ، ولا أجد من يقول : ــ بأن الإنسان إن ضل فهو فاعل مختار ، وإن أهتدى فهو مجبور .

مع أننا نرى أن الأية  تقول : إن الله يوفر لمن يريد الهداية مختاراً وسائلها وأسبابها ، وهذا الاستنتاج تراه واضحاً جلياً في سياق : قوله تعالى : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ( العنكبوت / 69) . والاختيار للضلالة تجده واضحاً في سياق العرض القرآني التالي : قال تعالى : { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلاَّ خساراً } ( الأسراء / 82) .

تقسيم المشئية إلى :

1 - : مشيئة تكوين .

2 مشيئة تشريع . وهو نفس الذي يجري في الإرادة إلى : إرادة تكوين وإرادة تشريع ..

ومن يدقق في كتاب الله يجد ذلك التقسيم واضحاً :

ولكن بعض الفلاسفة والتكلمين لا يرون أي تفاوت في الإرادة والمشيئة ، وحتى بعض الكتب اللغوية والأدبية لا تفرق بين الإرادة والمشيئة ، ولكن الصحيح أن بينهما فرق .. فبالنسبة لمسألة الإرادة فإن لها مراتب متعددة منها القوي ومنها الضعيف ، في حين لايوجد في المشيئة تلك المراتب ، والمشيئة تشبه التصميم الذي يأتي بعد الإرادة . والمشيئة وردت في كتاب الله ما يقارب ال 200 مورد ، وهذه الموارد تقسم إلى ما يلي :

الأول : الآيات التي تصرح بأن الأشياء وجدت بمشيئة الله ، كقوله تعالى :

{ ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم }  (البقرة / 20) . وفي الكتاب ما يناهز ال 45 آية تعالج هذا المضمون ، وبعضها لا يبدي وجهة نظر حول فعل الإنسان ، ولا دلالة فيها على الجبر بل ربما تكون دلالتها الأقوى على الأختيار ، خاصة وأن الله إذا أراد أن يهدي الناس جميعاً لفعل ، في حين أن مبدأ الهداية لا يتعلق  بالجبر . قال تعالى : { لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً } ( الرعد / 32) . الثاني : الآيات التي تحكي عن الضلالة كقول البعض : إن الشرك مرتبط بمشيئة الله ولو شاء الله ما أشركنا  !

قال تعالى : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا قل لله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } ( الأنعام / 148 ) ، وهذا النوع من الآيات في مقام نفي الجبر في الأفعال وإثبات الاختيار فيها .

الثالث : الآيات التي جاءت في مقام بيان سلطة الله المطلقة ،

 قال تعالى : { قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلاَّ ما شاء الله } ( يونس / 49) . ولابد أولاً من معرفة نوع ــ النفع والضرر ــ في أمثال هذه الآيات ، هل هما ــ النفع والضرر ــ الطبيعيان ؟

أم ــ النفع والضرر ــ اللذان يوجدان بسبب عدم معرفة القوانين ؟

فإذا كان المراد منها ــ الطبيعي ــ فهذا المفهوم لا ينكره أحد إذ التعاون في أجزاء العالم الوجود الطبيعي حاجة أساسية ، وهذا التعاون واقع في ظل مشيئة الله والإنسان بفعله تابع إلى هذا العالم وإلى نظامه وحاجته الطبيعية إليهما .

وأما إذا كان المراد الجهل بالقوانين ، فإنه لا بد من القول إذن : ــ

 إن قوانين الوجود لم توضح للعامة بشكل كلي ، ولذا فتشخيص الحقيقة أمر نسبي وهو مع نسبيته يظل أمراً خاصاً .. ومنه يتبين أن هذه الآيات ترتبط بالفعل الاختياري .

الرابع : الآيات التي تربط العمل بمشيئة الله . قال تعالى : { قال ستجدني إن شاء الله صابراً } ( الكهف / 69 ) ، وقال تعالى : { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } ( القصص / 27 ) ، وقال تعالى : { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم }

 ( الفتح / 27) .

والآيات تربط أداء التكاليف بمشيئة الله ، ولكن لا من باب أن الإنسان يريد إنجاز التكاليف على نحو الجبر بمشيئة الله ، بل من حيث كون الإنسان يمتلك العقل الذي يجعله حريصاً على عدم الوقوع في المحذور خوفاً من لحظة الحساب ، قال تعالى :

{ ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غداً إلاَّ أن يشاء الله } ( الكهف / 23) .

الخامس : الآيات التي تربط الحكم بالمشيئة : قال تعالى : { لله ما في السموات وما في الأرض ، وإن تبدوا ما انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير } ( البقرة / 284) .

هذه الآيات تتحرك في سياق مَبْدَأي ــ الحسن والقبح ــ فالفعل المستحق للثواب حسنٌ والمستحق للعقاب قبيحٌ ، هذا بناءً على القانون . ولكن الله واسع الرحمة والمغفرة لذلك فالعفو عنده كبير جداً ، ومنه يتضح أن المشيئة لا تتنافى مع قاعدَتي ــ الحسن والقبح ــ إذ محال أن يقع العقاب على الفعل الحسن ، ومحال أن يقع الثواب على الفعل القبيح ..

ولكن العفو من الله عن الفعل القبيح ممكن منه لقاعدة ــ الرحمة ــ التي وسعت كل شئ فقد ورد بالمأثور ( رحمتي وسعت كل شئ وعذابي وغضبي أصيب به من أشاء ) بإستثناء ــ الشرك بالله ــ فإنه مستثنى من هذه القاعدة للأصول ، ولقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء / 48) .

السادس : الآيات التي وردت على النحو التالي : قال تعالى : { قل الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } ( الرعد / 27) . وقال تعالى : { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ( البقرة/ 312) ، وقال تعالى : { فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولا تذهب نفسك عليهم حسرات } ( فاطر / 8 ) ، وقال تعالى : { يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلاَّ الفاسقين } ( البقرة / 26 ) ، وقال تعالى : { ويضل الله الظالمين } ( إبراهيم / 27) .

وهذه الآيات ليس فيها أي لون من ألوان الجبر في الفعل الإنساني وإنما هي تأتي في نفس السياق الذي قدمه البيان العربي في قولهم : ــ أفسدت ذهبك ــ .

السابع : الآيات التي تربط مشيئة الإنسان بمشيئة الله : قال تعالى : { إن هذه تذكرة فمن شاء أتخذ إلى ربه سبيلاً وما تشاؤون  إلاًَ أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً } ( الإنسان / 29 ، 30 ) وقال تعالى : { إن هو إلاَّ ذكر للعالمين لمن يشاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلاَّ إن شاء الله ربّ العالمين } ( التكوير / 27 ، 29 ) .

أدعى البعض أن هذه الآيات من أظهر مصاديق الجبر ، ولكن هذا الأدعاء تنقصه الدقة ، لأن مضمون هذه الآيات يقول : إن الإنسان يستطيع من خلال كتاب الله ان يتجه بسيره نحو الله ، ولكن الإنسان تبعاً لرغباته الذاتية لم يختر الهداية ، وجبر الناس على الهداية محال ، لأن دنيا الأفعال من صنع البشر واختيارهم .

أي أن الإنسان يشاء إذا أن يفعل فعل سواء أكان حسناً ام قبيحاً فهذه المشيئة بإختياره .

وتأويل هذه الآيات على هذا النحو يرفع التناقض المزعزم في كتاب الله ..

***

استدل بعض الجبريين بعلم الله قائلين : إن الله يعلم حركاتنا وسكناتنا وهذا العلم يجعل الأمر يدور بين اثنين : 1 أما أن نكون مجبرين على أعمالنا .

2 أو أن علم الله يتبدل جهلاً .

ولتوضيح هذا الاستدلال نقول : إذا كانت حركاتنا لا تطابق علم الله فإن علمه يستبدل بجهل ، وهذا خلفٌ إذ كون فعلنا صادر عنه .

ولتوضيح ذلك نقول :

أولاً : هل إن الله عالم بأعمالنا ؟

أم إن الله عالم بالأعمال فقط ؟

أم إن الله عالم بالأعمال ومقدماتها ؟

فإن قلت : إن الله عالم بالأعمال فقط .

قلت : إن ذلك يستلزم تحديداً لعلم الله ، في حين أن علم الله غير محدود . وعليه فلابد من القول في السياق الكلي ــ إن الله عالم بالأعمال ومقدماتها ، أعني عالماً بأصغر كائن بيولوجي إلى أكبر مجرة كونية .

ولكن هل الإرادة والمشيئة هي من جملة مقدمات العمل أم لا ؟

إن اشتراط وجود الإرادة والمشيئة في مقدمات العمل جبرياً يحول علم الله جهلاً ، لأن أي عمل يتم وفقاً لتلك المقدمات سيكون أختياراً .

ثانياً : إن علم الله لا يكون علة في صدور العمل ، وذلك لأن أنكشاف الواقعيات بالنسبة لله هي نفس العلم لا الرغبة في العمل ، وهذا شبيه بالمرآة التي لا تعكس صورتها .

أما ما هي علة وجودها ؟  فتلك مسألة أخرى .

وأوضح دليل على هذه المسألة هو : أن علم الله لم يقع فيه تغيير قبل خلق الموجودات وبعدها ، وهذا الافتراض يجعل من علة وجود الحوادث في الكون موضوعياً هو علم لا مشيئة الله وإرادته .

وهذا الفرض خاطئ ابتلى به بعض الفلاسفة الكلاسيكيين ، لأن هذا الفرض يقول : إن علم الله هو الذي أوجد تلك الموجودات ــ إذن فما الحاجة بعد لوجود المشيئة والإرادة  ؟

مع أن إرادة الله عالمة بنظامه الكوني المترابط إذ لا تزاحم ولا تضادّ في صفاته ..

قال تعالى : { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرً } ( الأسراء / 16) ، وقال تعالى : { من أهتدى فإنما يهتدي لنفسه . ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } ( الأسراء / 15) .

الآية الأولى مرتبطة بالآية الثانية ، والآية الثانية تدل بشكل واضح على الاختيار ، ولو كان مفهوم الآية الأولى الجبر للزم التناقض مع مفهوم الآية الثانية ، والتناقض محال على العاقل أرتكابه ، فكيف بسيد العقلاء ؟

ولو دققنا في مضمون الآيتين لتبين لنا أن الآية الثانية في مقام بيان الآية الأولى ، إذ الآية الثانية تعتبر الهداية والضلالة من فعل الإنسان ، وإنها تعتبر العقاب من دون بيان قبح ، قال علماء أصول الفقه في مبحث ــ البراءة الشرعية ــ [ قبح العقاب بلا بيان ــ أعني بيان الحجة ــ ] .

والآية الأولى تعتبر فعل التدمير مرتبطاً بعلة معينة ، وملاكه مخالفة الأوامر والعمل بالنواهي ، فيكون ملاك التدمير ــ تعلق العذاب بالأمر ــ وهذا يعني أن مفعول ــ أمرنا ــ ليس ــ الفسق ــ بل هو الأوامر والتكاليف التي تفهم بالقرائن العقلية القطعية .

ولو كان مفعول ــ أمرنا ــ الفسق لأصبح معناها : إن الله أمرهم بالفسق ــ وهذا محال . ثم أنظر إلى دلالة 

{ فحق عليها القول } تجدها لا تكون إلاَّ بعد النذر فالهلاك متأخر رتبةً بحسب تقدم رتبة التكليف .

وأما لو فرضنا ــ وفرض المحال ليس بمحال ــ أن تكون جملة { أمرنا مترفيها ففسقوا } أن الله أمرهم بالفسق ، فهذا خطأ واضح لا جدال فيه ، لأنه إنما حذف المأمور به وبينَّ الأمثال فقط .

وهذا استعمال شائع في كلام العرب إذ يقولون : أمرته فلم يقم ونهيته فخالفني ــ .

وقال تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام ، بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون } ( الأعراف / 179 ) ،

ولآية في مفهومها العام لا تدل على الجبر بل ليس فيها ما يدل على ذلك واللام في كلمة [ لجهنم ] ليست علة حتى يمكن أن يكون معناها : أن علة الخلق منهم هو ذهابهم لجهنم ـــ لأن [ اللام ] تبين مآل وعاقبة أولئك ، وهذا لون من ألوان البلاغة العربية . كما في قولهم : له ملكٌ ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب ــ ومعنى هذا : إن كل ما في الكون آيلٌ إلى الزوال ــ وهذا القول ينافي حركة الإنسان في الطبيعة ، إذ الإنسان لا يبني للخراب بل يبني للعمران .

فالأصل في الإنسان البناء والعمران ، وأما التخريب منه فعرض يأتي بعدياً .

فالأم عندما تحمل من أجل أن يموت وليدها ، لأن الأصل من غرض الخلق ليس الموت بل الحياة ، ولأن الحياة دار الفعل الإيجابي الممتص من قوله تعالى : { هو الذي أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها } ، وقوله تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة } والخلافة والأستعمار في درجات الكمال المرتبطة بأصل قوله تعالى : { ما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعبدون } .

نعم إن نهاية كل حياة في عالم الممكنات هو الموت كما قال تعالى : { كلٌ نفس ذائقة الموت } . ( العنكبوت / 57) ولكن هذا لاينافي الأصل القائل : إن الدنيا ساحة المواجهة والتحدي وهي ميدان تجربة العمل الصالح ــ فالجمع بينهما ممكن بل هو الأصل أيضاً .

ولو تأملنا الآية لوجدناها تشير إلى هذا المعنى وتنبه إليه ، ثم إنه ليس بين جدل الخلق وجهنم ربطاً معرفياً ، مع أن كثيراً من الجن والإنس سيدخل جهنم يقيناً ، وهذا الدخول المتأخر ليس علةٌ للخلق ، إذ الدخول مرتبط بفعل المخالف لأوامر الله .

قال تعالى : { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم } ( البقرة / 7) . فهذه الآية بيان للمعنى السابق إذ الأمر يتعلق بالعناصر الحسيّة ، والسمعية ، والبصرية ، واللبيّة ، وهي تؤدي غرضاً عقلياً ووجدانياً في معرفة أسرار الوجود والعلاقة بصانعه .

إذن فالعقاب إنما ترتب كحالة علاجية لمن أهدي إلى الطريق الصحيح عبر سلسلة من المعارف تكفلت الحواس والغرائز بإبرازها وإظهارها ، فالعقاب ترتب كحالة ردع للذين لم يلتزموا الجانب القانوني . ولآية تمارس عملها داخل المنظومة المرجعية الدنيوية وليس داخل المنظومة الأخروية ، ومنه يظهر بطلان دعوى القول بالجبر في الآية .

قال تعالى : { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لايؤمنون ، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم } ( البقرة / 6،7 ) واستدل بهذه الآية على القول بالجبر !!

ولكن ليس في الآية دليل على الجبر ، إذ الآية في مقام بيان الجو النفسي الذي صنعه المعاندون والجاحدون لهم ليحجبهم عن الإيمان ومعرفة الحق ، طبيعي أن هذا الجو سبقته مقدمات الآختيار ، إذ الصنع تم بإختيار ولولا ذلك لما تم الصنع أصلاً .

ولاريب أن مفهوم ( الغشاوة ) له مراتب ضعيفة بحيث يمكن العودة عنها ، وفيها مراتب شديدة بحيث يصعب العودة منها ، وهذا ما يسمى بالضلال المطبق . وهذه الصفة تجدها ملاصقة لكثير من المعاندين الذين اعتادوا عليها بحيث يصعب تغييرها ، ومشيئة الله إنما ترتب الأمر تبعاً لهذه الطبيعة . فدخول جهنم عملية مرتبطة جدلاً بالفعل القبيح الذي يمارسه الإنسان عبر شهواته وغرائزه ، والتاريخ الإنساني يحدثنا عن كثير ممن عاش هذه الدرجة ، وهي وإن كانت كذلك فهي لا تُخرج الفرد عن دور المسؤولية . ولذلك قيل : ( المنافي بالاختيار لا ينافي الاختيار ) . فالمسؤولية مترتبة وهي ناشئة من الاختيار وبفعل منه . قال تعالى : { ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ( الأحقاف / 33) ، وقال تعالى : { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ( الأنفال / 17) .

الآية الأخيرة من سورة الأنفال وهي مرتبطة بأحداث معركة بدر الكبرى وهي في مقام بيان أنكم قتلتموهم لإيمانكم بالله وارتباطكم به وهذا الأرتباط جعل نسبة القتل مرتبطة بسر إيمانكم ، وهي من الكنايات الاستعمارية المجازية ، إذ القتل والرمي تم بأيديكم ولكن فعلكم هذا تم برضا الله ومعرفته فهي منه على نحو المجاز

***

جاء في أدب الأخبار والروايات نسبة الحسن إلى الله ونسبة القبح إلى الإنسان ...

وإذا كان الأمر كذلك :

فلماذا يخلق الله الناس مع علمه بكفرهم وعصيانهم ؟  أي ماهي الحكمة من الخلق  ؟ ما دام الله حكيماً وعادلاً أفمن العدل أن يخلق أناساً وهو يعلم بكفرهم ثم يدخلهم النار ؟

وللجواب نقول : يمكن قسمة السؤال إلى شقين :

الأول : لماذا خلق الإنسان [ المعين الكافر ] مع علمه بأنه سيكفر ويدخل النار ؟

الثاني : وماهي الحكمة من خلق الناس ؟  ولماذا خلقهم مع جهلهم بذلك ؟

أما جواب السؤال الأول فهو : إن علم الله ليس علة لصدور الأفعال الاختيارية من الإنسان ، بل إن علم الله كاشف عن الواقع في مقدمات الفعل وأسبابه ..

وأما ما يبعث على الشقاء والسعادة فهو عمل الإنسان الاختياري نفسه ، فالسعادة والشقاء ليستا من القضايا التي يمكن للعوامل الطبيعية الضرورية تحقيقها للإنسان ..

فلو فرضنا أن لزيد من الناس قوى فكرية وعلمية خلاقة تفوق بمراتب ما عند ابن سينا وابن رشد وأرسطو وإنشتاين  ، فهل هذه القوى الفكرية والعلمية وحدها قادرة على توفير السعادة والفضيلة لزيد مثلاً ؟

ولو فرضنا العكس بأن زيداً لا يمتلك أي قدرة فكرية وعلمية ، فهل ذلك يعتبر دليلاً على شقائه ؟

إذن فالسعادة والشقاء لهما معنىَّ دون اختيار فملاكهما الاختيار ــ أي ملاك السعادة والشقاء ــ فالاختيار في الفعل هو الذي يوفر السعادة للفرد أو يوفر الشقاء له بحسب طبيعة الفعل وماهيته وكيفيته .

وهذا ما يقوله جان جاك روسو : ( بأن تخلي الإنسان عن حريته هو تخلَّ عن صفته كإنسان ، عن حقوقه الإنسانية بل عن واجباته ) (1) .

قال تعالى : { كل نفس بما كسبت رهينة } ( المدثر / 38 ) . وقال تعالى : { كل أمرئ بما كسب رهين } ( الطور / 21 ) وقال تعالى : { ليجزي الله كل نفس بما كسبت } ( إبراهيم / 51 ) . وقال تعالى : { ولتجزي كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون } ( الجاثية / 22 ) . وقال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة / 286) .

جملة ــ بما كسبت ـــ أو مشتقاتها  هي تعبير إلهي عن أحد أصول العدالة ، المرتبطة بالعمل الاختياري فهو ملاك السعادة والشقاء .. وقد أسس أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي بناءً على تلك الجملة مبدأ أسمياه  ــــ بمبدأ الكسب ـــ الذي يقرره الماتريدي على النحو التالي : إن لا شئ في هذا الوجود إلاَّ وهو مخلوق لله سبحانه ، وإن إثبات الخلق لغيره شرك صريح ، والثواب والعقاب تابع لاختيار العبد بمقتضى الحكمة والعدالة ، ومع أن الأفعال مخلوقة لله سبحانه ، فقد أوجد للعبد قدرة على اختيار الفعل المخلوق له ، وبهذه القدرة يستطيع أن يكسب الفعل المخلوق فيه ، ويستطيع أن لا يكسبه فيكون مختاراً في هذا الكسب ويستحق بسببها الثواب والعقاب ــ (1) .

وإذا كان ملاك السعادة والشقاء هو الاختيار إذن :

1 فلماذا فضل الله بعض الناس على بعض في الرزق ؟

2 وهل يؤثر التفضيل في الرزق على قضتي السعادة والشقاء ؟

أما ما يتعلق بالمسألة الأولى فنقول : إنني لم أجد في كتاب الله ما يوحي بأن الله فضَّل بعض الناس في الرزق هكذا دون مقدمات ، بل جعل الرزق مرتبطاً بأسباب وعوامل طبيعية اختيارية ، ولا يظنن أحدٌ أن الله قد فضل في الرزق أحداً على آخر لكن الله بينَّ ملاك الرزق : قال تعالى : { وفي السماء رزقكم وما توعدون } ( الذاريات / 22 ) ،

وهذا القول كناية عن الرزق وأسبابه ، فالسبب المباشر فيه هو ــ السماء أو المطر ـــ بإعتباره سبب في نماء الأرض وخصوبتها ، ولكن الفعل في الأرض واستصلاحها وزراعتها عمل إنساني يرتبط بحاجاته الضرورية وهذا الارتباط يحدد طبيعة العوامل الأساسية في الرزق ، وفي نفس السياق جاء :

قوله تعالى : { وما أنزل الله من السّماء من رزقٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون } ( الجاثية / 5 ) ، فالرزق هنا مصدر نماء وهو ضرورة طبيعية مرتبط بحاجة طبيعية إنسانية ووجودية كونية ، فالعامل الطبيعي المباشر سبب رئيسي في عملية تحصيل الرزق وتوزيعه ، والتفاضل إنما يأتي لاحقاً أي بتدخل عوامل بشرية كالصراع ، والحروب ، والخمول ، والكسل وغيرها ، وهذه هي التي تقلص نفوذ البعض وتجعلهم أقل شأناً في الحصول على الرزق .

إذن فالرزق بهذا اللحاظ يدخل ضمن مفهوم جدل الإنسان مع الطبيعة ، وجدل الإنسان مع الإنسان الآخر . والآختيار هو السبب الرئيسي الطبيعي في عملية التفاضل بالرزق . وهو المترتب عليه أثراً ونتيجة ٌ السعادة والشقاء ، فربما حصلت السعادة بفعل المال ، وربما حصل الشقاء به ، ولذلك فليس دوماً الرزق هو مصدر السعادة والشقاء ، بل هناك مرجحات أخرى يتدخل فيها المادي والروحي تكون مصدراً للسعادة والشقاء ...

فرسول الله (ص) لما عُرض عليه المال والسلطان وذلك مقابل ترك دعوته ورسالته ، فإنه (ص) رفض عرضهم بعناد شديد ... لماذا  ؟

لأنه يرى السعادة في الدعوة وتحرير الإنسان من ظل الطبقية والاستبداد والفساد ورفعه ليكون ـ الخليفة ــ القادر على إنجاز ما اؤتُمن عليه ، يرى السعادة في ذلك لا بالمال والسلطان المعروض من قبل سلطة الملك والتجار والكهنة ، ولا يعرف سر حلاوة ذلك إلاَّ  من استنشق عبير أسرار الدعوة وعلومها العالية الراقية .

وأما قوله تعالى : { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب } ( الطلاق / 3 ) فهذه الآية تدور في فلك العمل الصالح المؤدي إلى تسخير ما في الطبيعة خدمة للإنسان ضمن ميزان ــ التقوى ــ فالتقوى هي الشرط الموضوعي لتحقيق ذلك بالعدل ، وأما جملة { ويرزقه من حيث لا يحتسب } ليس المراد منها أن يجلس الإنسان وينتظر رزقه النازل إليه ، بل إن التقوى شرط موضوعي لتسهيل الأسباب في الحصول على الرزق ، أي العمل المرتكز على قاعدة ــ النظرة الجماعية وتحقيق العدالة ــ .

ودون ذلك فمحال أن يكون الرزق مرتبطاً بالإنزال السماوي الماورائي ، من دون فعل مباشر من الإنسان . نعم إن الله قد سخر الطبيعة للإنسان وعلم الإنسان فيما أودع فيه من قوة ــ العقل ــ لإدراك هذا التسخير وتوظيفه خير توظيف لمصلحتة ولبناء الواقع الذي يعيشه .

وعليه فالتفاضل في الرزق عملية ناتجة عن فعل الإنسان الأختياري في الطبيعة ، والتفاضل غير منفصل عن واقعه الموضوعي ــ الواقع الطبيعي التاريخي ــ ولا أرتباط لله في عملية التفاضل تلك ، لأن الله في مقام العطاء والرزق نظر إلى الإنسان مطلق الإنسان ــ جنس الإنسان ــ وأمده بكل القوى التي تحقق له السعادة والرخاء والتقدم . قال تعالى : { كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا } ( الأسراء / 20 ) ، وقال تعالى : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } ( الأعراف / 96 ) .

وأما بالنسبة لسؤال الثاني والقائل :

ماهي الحكمة من خلق الناس ؟ ولماذا خلقهم مع جهلهم بذلك  ؟

يجب التفريق بين الخلق والعلم الإلهي فالخلق صفة إبداع وهي لا ترتبط بالمعلقات  الأخرى كون الإنسان شقياً أوسعيداً إنما تلك الاعتبارات ترتبط بفعل الإنسان . وعلم الله لايخلق الإنسان ليكون شقياً في الدنيا أو سعيداً ، إنما علم الله يحيط بفعل الإنسان وبأثاره ونتائجه ، فالخلق من أجل الشقاء قبح وهو ممتنع على الله ، ذلك لأن الأصل في الخلق والسعادة والخير العام والفضيلة ، والخلق والعلم صفتان إلهيتان لا تجريان في الواقع الموضوعي من أجل دفع الناس إلى الشقاء ... وإذا أمتنع الخلق للشقاء صح العكس بقرينة المقابلة وللأصل قال تعالى : { أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً .. } ( المؤمنون / 115 ) ، وقال تعالى :

{ وما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعبدون } ( الذاريات / 56 ) ، وقال تعالى : { قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } ( ص : 75 ) ، وقال تعالى : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ( التين / 4 ) .

ولكن قد يطرح السؤال من وجهة نظر أخرى :

لماذا حرم الله كثيراً من الناس من التقوى ؟

فنقول : إن الله لم يحرم أحداً من التقوى لأن التقوى عبارة عن الوقاية التي يقوم بها الإنسان ، وهي ليست شيئاً مجرداً بل هي مجموعة أفعال تقوم على قواعد شرعية وعقلية في الأمر والنهي ، وفعلها وممارستها شرط لتصحيح كثير من المسارات ، وهي ليست من الهبات التي يمكن أن يعطيها الله لمن يريد بل هي فعل الإنسان في عالم الأمر والنهي ، الفعل المريد المختار .

لذلك قيل : إن التقوى شرط موضوعي وهي ليست حقيقة مطلقة بحيث لا تقبل المراتب والدرجات المختلفة ، إذ التقوى لها اعتبارات نسبية فهي ليست حداً فاصلاً بين الفضيلة والرذيلة مع أنهما أيضاً ليستا سوى حقائق نسبية ..

إذن فلا شئ في الوجود أسمه حقيقة بل إن كل شئ نسبي سوى ــ ذات الله ــ فالعلم والعصمة عند الأنبياء قضايا نسبية ، وعملية ــ البعث ــ عملية اصطفاء واختيار تتعلق بمن هو مُتَّق بدرجات تتناسب وحجم المهمة الموكلة له ، والإنسان لايجب أخذه في الحكم كحالة واحدة مطلقة بل هو حالات شتى لذا فالحكم الذي يصدر بالتكفير والتفسيق والضلال ما هو إلاَّ تطرف ونزوع عدواني منهي عنه ، ما دام ليس مطلقاً في كل شأن ، وشؤون الإنسان أفعال مركبة والحكم فيها وعليها ولها يحتاج إلى قوة عاقلة هادئة حكيمة وكبير.

 ولهذا فما يصدر عن المجامع الاكليروسية ــ الدينية ـــ بالتفسيق والتكفير إنما هو تجنَّ وخروج عن الأصل ، دون ملاحظة العلاقة بين زوج المطلق والنسبي في الأشياء . وأحكام الكهنة ورجال الدين المزيفين ليست أحكاماً منطقية لأنها ضد أحكام الكتاب والسنة ، فالحكم يجب أن يتناسب مع الموضوع ، لأن الحكم يترتب نتيجة وأثراً على الفعل : قال تعالى : { وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى وأن سعيه لسوف يُرى } ( النجم / 39 ، 40 ) ، وقال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } ( الزلزلة / 7، 8 ) فأن قلت : إن بعض الذنوب تذهب الحسنات من الإنسان .

قلت : نعم ذلك صحيح ، ولكن الله في مقابل ذلك أكد على القاعدة بقوله تعالى :

{ إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود / 114 ) والمحو والإثبات عملية مرتبطة بفعل الإنسان قال تعالى :

 { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ( الرعد / 39 ) . والمحو والإثبات عملية زمانية دائمة وهي انعكاس للفعل الاختياري الموضوعي ولا تتم على خلافه كما ادّعى بعض الشيعة في مفهوم ــ البداء ــ بتغيير العلم تبعاً لتغيير الموضوع !

قال تعالى : { وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت / 46 ) ، وبناءً على فعل الإنسان في الواقع الطبيعي الموضوعي التاريخي نرى أن النسبة الإحصائية لعدد المشركين في العالم تمثل الأقلية قياساً على سائر الناس ــ بغض النظر عن الديانة ــ .

قال تعالى : { إن الله لايغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك } ( النساء / 48 ) ، وقال تعالى : { ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا } ( غافر / 7 ) ، وقال تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادُوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون } ( المائدة / 69 ) .

لو فرضنا جدلاً أن إنساناً عصى ربه ردحاً من الزمن لكن دون الشرك بالله ، ثم تاب من بعد ذلك وأصلح ، وقام باختراعات باهرة وإنجازات مهمة في المجالات العلمية والطبية ، وكان هدفه من تلك الاختراعات توفير السعادة للناس ، فهل يقع ذلك الإنسان مورداً للذم واللعن والإدخال في جهنم لأنه لم يتعبد على دين الفقهاء ؟

وللإجابة لابد من القول : إن الأمر يرتبط بطبيعتين :

الأولى : ترك الظلم كهدف في الاختراع وفي الانجاز .

والثانية : توفير السعادة للناس .

فتحقيق هاتين القضيتين بهدف الإنسان المخترع والمبدع كفيل بنيله الرضا الإلهي ودخول الجنة قال تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات } ( البروج / 11 ) ، وقال تعالى :

{ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات } ( الحج / 14 ) .

وطبيعي أن بين العلم والإيمان وحدة هدف ووحدة منطلق فالعالم بالكون وبالطبيعة وبدراسة الطبقات والأنظمة المحيطة بعالم الإمكان هو أكثر الناس معرفة بالله وإيماناً بوجوده وعظمته ، قال تعالى :

{ إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر / 28) ، وقال تعالى : { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ( الزمر / 9 ) ،وقال تعالى : { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلاًّ العالمون } ( العنكبوت / 43) .

وهذه الوحدة كفيلة برفع الإنسان العالم من درجات إلى درجات أخرى بفضل العلم والعمل الصالح :

 { فمن زُحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } ( آل عمران / 185 ) ، والزحزحة عنوان لمفهوم العمل بالموازين التي قلنا عنها أنها عبارة :

1 عن ترك الظلم .

2 السعي من أجل توفير السعادة للناس .

ومن ذلك يتبين أن تحصيل السعادة والشقاء فعل اختياري ملاكه الإنسان الفاعل المريد الحر المختار ولا علاقة لها بالله من قريب أو بعيد إلاَّ بالمفهوم العام من حيث هو المكون والخالق وتلك قضية أخرى كما لا يخفى على أهله .

وتظل نسبة جناة التاريخ من أمثال نيرون الذي أحرق روما ، وأبي لؤلؤة فيروز المجوسي الذي قتل عمر بن الخطاب ، وأمثال عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل الإمام علي بن ابي طالب ، وأمثال كيلوباترا التي انتحرت ، وأمثال تيمور لنك وهولاكو أقاموا المجازر في طريقهم وأمثال نابليون الذي قتل نصف من مليون من جنده في ثلوج روسيا ، وأمثال روبسبير الذي حصد رؤوس رفاقه في الفكر والعقيدة .. إن أمثال هؤلاء يمثلون الأقلية في المجتمعات الإنسانية .

فإن قلت : إن الأمر يرتبط بالمبدأ القائل : { إنما يتقبل الله من المتقين } ( المائدة / 27 ) .

قلت : إن هذا المبدأ يتحرك في سياق تاريخي معين ، وهو جزء من آية تعرض حالة جدل موضوعي حول قبول ــ القرابين ــ من قبل ابني آدم ، فحصل القبول من هابيل دون قابيل ، هذا من الناحية التاريخية وشأن النزول .

ولكن من الناحية التحليلية فلا بد من القول :

إن علة قبول قربان هابيل مرتبط بإخلاص هابيل في تأديته للوظائف والتكاليف وبقرينة التعليل هذا يقال : إن قابيل لم يكن عنده إخلاص في تأديته للوظائف والتكاليف ــ والإخلاص علة تامة في تحقيق الفعل ــ ولذلك نقول : إن الفعل المثمر المنتج هو الفعل القائم على إخلاص في النية . وبالتالي فالآية لها نتيجة هي :

أولاً : إن الآية جاءت في مقام الحكاية عن مورد خاص ــ والخصوص ليس دليلاً للعموم كما قيل في الأصول ــ فالآية تحدثت عن المورد الخاص بلحن مقول القول ــ لحن الحكاية كما يقولون في البلاغة وفحوى الخطاب في الآية يعود لضمير الغائب .

ثانياً : ولو أخذنا الآية بالمعنى العام الشامل المطلق ، فإننا بداهة نعلم أن قبول الأعمال شأن نسبي وذو مراتب مختلفة ، وبالتالي فنتيجة كل عمل تختلف باختلاف نيته ، لذا قيل في المأثور : ( إنما الأعمال بالنيات ) . وبالإجمال فالآية ناظرة إلى الكيفية في أداء التكاليف بحسب المراتب ، وهي لا تخرج عن عمومها القائل : إن كل عمل يقوم به الإنسان فلابد أن يرى نتيجته ــ أي أن لكل عمل وفعل ثمرة معينة هي من صنع الإنسان لذلك يترتب عليها الثواب والعقاب بحسب طبيعتها ..

***

والآن حان الوقت لنتأمل هذا التداعي في الألفاظ لتلكم النظرية القائلة : ( إن الله أعظم من أن يكلف الجهلة والعاجزين مادامت الطاعة لا تنفعه  !!! وإن عقاب الجهلة مع العلم بهم قبح !! ) .

في البداية لابد من الاعتراف بأن هذه النظرية وقع فيها خلط للمعارف أريد منه الوقوع في دوامة ــ التناقض ــ لذلك نرى الجدل المصاغ منها والذي يدور سجالاً في المنتديات والدور والمجالس .

والنظرية إنما صيغت للتخفيف من عبء الهم النفسي الذي يعانيه الفرد جراء مخالفته الأوامر وعدم  أمتثاله للطاعة : { أطيعوا الله واطيعوا الرسول } ( المائدة / 92 ) والنظرية لا تخلو من هذا الوصف : فالقلق النفسي الذي يعنيه الفرد في دور المخالفة يدفعه للتدبير والأنهزام في ظل هذا الجدل ــ المسطح ــ .

لذلك قال البعض : إن طاعتنا لله لا تعني شيئاً بالنسبة له ، وكذلك معصيتنا لا تعني شيئاً بالنسبة لله !

وهذا القول ربما أخذ من بعض الأديان والفلسفات القديمة ووظف عنوة في الفكر الإسلامي ، فبعض الأديان مثلاً : تحاول الفصل في العلاقة بين ما لله وبين ما للناس ، وصيغت العبارة على النحو التالي : لا تداخل بين ما لله وما للناس ــ فما لله لله وما لقيصر لقيصر ..

وهذا المعنى أريد منه بوعي أو بلا وعي الفصل بين الدين والناس ، أي بين الدين وحاجات الناس ، الحاجات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية وغيرها ،

وبعبارة أدق : فصل الدين عن الحياة ــ مع أن القاعدة تقول : إن الدين هو الحياة ـ .

والإسلام كدين يؤمن بالعلاقة بين الله والإنسان ويعتبر هذه العلاقة علاقة تبادلية جدلية لا تنفك بين الإسلام والحياة على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وغيره ..

فالإسلام في مستوى الحقوق يجعل صياغتها على نحو تبادلي أي : أن الإنسان مكلف بعدم تضييع الحقوق وأن الله ناظر إلى هذه الحقوق دون ملكيتها المباشرة . وهذه الجدلية هي رابطة بين الله والإنسان هي رابطة بين الخالق والمخلوق وهذه الرابطة خاصة في عالم الوجود ..

نعم إن الله غني مستقل لا تُغْنِهِ طاعة الناس ، ولكن طاعتهم موجب لكمالهم والعصيان باعث على انحطاطهم في مراتب الآدمية . قال تعالى : { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً } ( الأحزاب / 72 ) .

وليس من شك أن حمل الأمانة والحفاظ عليها حاجة يقوم العقل والضمير في أدائها ، والسعادة الحقيقية في الحفاظ على الأمانة من خلال أداء الوظائف والتكاليف ، والشقاء الحقيقي هو بمخالفة هذه التكاليف وخيانة الأمانة ، وهذا مرتبط بهدف الخلق والتكوين ، الهدف النبيل القائم على ترابط ووحدة عمل ووحدة إنتاج ووحدة مصير ووحدة وجود ..

ولا يمكن أن يتصور المرء أن الله بكل عظمته لم يخلقنا من أجل هدف معين راقٍ سواء في عملية الترابط الكوني أو في علاقة هذا الكائن بهذا الوجود : قال تعالى :

{ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون } ( المؤمنون / 115 ) ، وقال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعبدون } ( الذاريات / 56 ) .

وطبيعي أن الخلق مرتبط بالعدل قال تعالى : { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثَّ فيها من كل دابَّة وتصريف الرياح والسحاب المُسَخَّر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون }

 ( البقرة / 164 ) ، وقال تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى } ( النحل / 90 ) ، وقال تعالى : { وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته }

( الأنعام / 115 ) .

والعدل لا يؤسس على اعتباط وإنما يقوم على غايات ومُثل كريمة وإذا كان هذا هو الحق ، فلابد من الاعتراف إذن بأننا نعيش عصر التطور الرهيب [ العصر التكنولوجي ] المتسارع ونعيش الربع الأخير من القرن الميلادي العشرين ، ومازلنا نجهل الكثير بل ربما تبدلت قناعاتنا تبعاً للتطور الذي جرى في العالم بكل صوره وأشكاله ، فما كان بالأمس نظرية أصبح اليوم تراثاً وتاريخياً .

لقد كان ــ سانتميلر ــ محقاً حينما قال : ( إن الإنسان بفعل قواه العقلية قادرٌ على تفسير الظواهر الكونية بطريقة علمية بارعة ) (1)

ولكن هذا التفسير لابد أن يدخل ضمن موازين تأخذ بالحسبان ما نسميه سعادة الإنسان ورقيه ، وذلك لا يتم إلاًَ ــ من خلال قوانين أخلاقية صارمة ــ إذ إن عالم ما بعد الموت مرتبط جدلاً بعالم ما قبل الموت ، وهذا ما يجعل السر واضحاً في المبدأ القائل : { إني جاعل في الأرض خليفة } .

وتحقيق معنى الاستحقاق ضمن هذه الضوابط والمعايير ، ومن خالف مبادئ الاستخلاف فقد خرج عن دور الخلافة تخصصاً ، لأن عنوان الخلافة مرتبط بجملة حقائق وأشياء ، والإخلال بها يخرج العنوان عن المعنون ..

وعليه فمبدأ الاستخلاف الإلهي التاريخي لا يرتبط بالكم بقدر ارتباطه بالنوع ، لذلك كان ــ إبراهيم أمة ـــ وهذا معنى قولهم : إن تحقيق الاستخلاف بواحد أو أكثر ممكن ــ { يا دواد إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق } ( ص/ 26 ) ويكون هذا النوع هو القيمة الواقعية لدور الخليفة وحقيقة الاستخلاف ، وللتدليل على أن الكمية ليست معياراً وهدفاً عند الله نقرأ قوله تعالى :

{ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } ( البقرة / 249 ) ، وقوله تعالى :

{ ومن أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً }

( المائدة / 32 )

 

***