المقدمة

مفهوم - الحاكمية - مشتق من الحكم ، والحكم هو السلطة بالمعنى العام أو المعنى الإجتماعي وهو الولاية بالمعنى الفقهي ،

ولأن هذا الموضوع جدُ حساس وهام لذلك سنحاول بيان - حاكمية المراة في الإسلام - على نحو ، والبيان يتضمن مفهومي الكيف والأين ، كيف يجب أن تكون المرأة حاكمة ؟ ولماذا يجب ان تكون المرأة حاكمة ؟ .

في الفقه الإسلامي هناك ثمة قاعدة تقول : إن عملية إستنباط الأحكام الشرعية ترتبط بظرفي الزمان والمكان ، وهما ظرفان نسبيان ولكنهما ضروريان ولازمان لعملية الإستنباط ، والزمان والمكان مرتبطان بعملية التغير والتبدل والتطور الذي يشهده العالم كله ، والتطور الذي شهده العالم شمل جميع النواحي الفكرية والعلمية والمعرفية والثقافية ، بل إن التطور هذا شمل كل قضايا المجتمع والحياة .

وما من شك بان للتطور العلمي هذا أثر مباشر في عملية التغيير التي أصابت حياة الإنسان الشخصية والإجتماعية ، وفي هذا المجال تبدو لنا قضايا المرأة قد نالها التغيير والتطوير حتى في أذهان أولئك المتطرفين والرافضين لدورها في الحياة وفي العمل ، وكنا شاهدين على دور المنتظمات الإسلامية السياسية التي كانت تمنع المرأة حقها في الحياة وفي العمل وفي المشاركة بقضايا الوطن المصيرية ، وكان عامة الفقهاء لا يرون ضرورة في ان يكون للمرأة دور في العمل السياسي والوطني بل ولا حتى في الحياة العامة .

إن هذه الرؤية المتخلفة والغير جادة في طورها إلى الزوال شيئاً فشيئا ، والزوال هذا مرتبط بظرفي الزمان والمكان وبدورهما في طبيعة التطور والوعي لدى المجتمع ، إن الثقافة الجديدة والإنفتاح الشامل في وسائل الإتصال جعل كل قضايا المرأة وكل حاجاتها في الواجهة وفي قلب الحدث ، وجعل السؤال عنها وعن دورها جزء من عملية التنمية والحل لجميع المشكلات التي تواجه المجتمع ، وفي ظل هذا ومن خلاله لم تعد المرأة الجزء المهمل كما كان ينظر إليها في المجتمعات العربية القبلية والبدوية القديمة ، فالصورة قد تبدلت خاصة في عقول الجيل الجديد من الشباب ، الذين تغير فيهم نوع الوعي ونمط الحياة والسلوك الحضاري الذي أفترضته وأقرته تلك النهضة في وسائل الإتصال .

إن الكلام عن حاكمية المرأة ليس كلاماً عن الدور المرحلي أو مما هو مرتبط ومفروض من قبل هذا التطور الذي حدث ، إنما هو كلام يتناول البنية التي منعت وأحتجت بالنصوص ، على تهميش المرأة وسلب حقوقها ، وهنا موضوعياً لابد من ان نشير إلى إن المنع لم يؤسس على أساس ديني محكم بل أسسته وأنشأته القوى السياسية الذكورية ، فمثلاً منع البعض من الفقهاء المرأة حق الولاية الكبرى ، مدعين بانها لا تصلح لذلك المقام لخلل فيها وعوق يمنعها ، كذلك قالوا بعدم أهليتها لتولي الإمامة الصغرى بدعوى الإثارة وتحريك الغرائز .

لكننا وجدنا إن النصوص التي تحدثوا عنها مدعين المنع فيها ومن خلالها ، هي التي تؤوسس لحاكمية المرأة في الولاية الكبرى والصغرى ، بل إننا لم نجد من دليل في الكتاب المجيد دال على المنع ، نعم وجدنا خلاف ذلك فيها فتفضيل المرأة على الرجل ورد في الكتاب بقوله - وليس الذكر كالأنثى - والكاف فيها للتشبيه والمشبه به هنا الأنثى وأما المشبه فهو الذكر ، ودائماً في اللسان العربي يكون المشبه به هو الأصل وليس العكس ، وهذا ما يجعل من لوازم ذلك وموجباته ان تكون المرأة إمامة في الصلاة و قاضية بين الناس ، وولية للحكم ومرجع تقليد في الفتيا والأحكام الشرعية ، وشرط ذلك توفرها على العلم المؤدي إلى ذلك مع ملكة إستنباط الأحكام ، وفي ذلك تكون فقيهة و مجتهدة ومفتية للذكور وللإناث .

إن القائلين بوجوب كون مرجع التقليد ذكراً ، دليلهم ظني إستحساني وهو من بُناة بيئة جاهلية غير صحيحة ، ذلك لأن حق الإجتهاد ومعرفة الأحكام من أدلتها ليس فيها ما يمنع المرأة من ذلك الحق ، وليس فيها ما يخصص أو يُقييد ذلك في الرجال دون النساء ، وإذا كان القيد المُدعى فهو قيد زماني لا شرعي أو ديني ، نعم إن هذا القيد عبر عن مرحلة تاريخية كانت فيها السيادة للذكر ، وكان لا يسمح فيها للمرأة حتى بالخروج من البيت وإن كان للضرورة ، كان ذلك في المرحلة التي كانت فيها المرأة جارية تباع وتُشترى من قبل الخلفاء الملوك وسلاطين السوء ، هناك كان ذلك القيد .

والمؤسف إن جيل من المجتهدين أصر على الإلتزام به من غير دليل ، سوى النقل من غير تحقيق وتدقيق ، كشأنهم في كثير من المسائل التي يكتبونها إستنساخاً ، إذ شرطية كون المرجع الديني ذكرا ، هي شرطية قبلية وليست دينية ولم يرد النهي عنها في الكتاب أو السنة الصحيحة ، كما إنها تخالف الفطرة السليمة والعقل السليم ، وكما في كل المسائل المرتبطة بالحياة يظهر لنا بإن الأحق في أي أمر هو الأقدر عليه والأعلم فيه ، كذلك قال الإمام علي في النهج : - إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم فيه - الخطبة رقم 172 - ، وهنا نجد الإطلاق في لفظ الناس ذكوراً وإناثاً وكذا في لفظ الأمر من غير تحديد أو تقييد أو تخصيص ، الأمر هكذا على الإطلاق ، ومنه أمر الولاية والحاكمية وكل أمر خاص أو عام ، فالذي يتصدى له هو الأقدر عليه والأعلم به ...