الحرية ومبدأ أمر بين الأمرين :

يعتبر مبدأ الأمر بين الأمرين نهج الإسلام في العقيدة والمحتوى الباطني ولذلك اصبح مذهب اعصارنا لما يقيم أدلته على البراهين العقلية والاستدلال المنطقي وتعتبر نظرية المسلمين علمية في الحرية إذ تتناول الإنسان وقواه بالدرس والتحليل وتقيم الأدلة والبراهين في إثبات أن الحرية ليست مطلقة وليس الإنسان فوضوياً بل هو كائن يمتلك الإرادة والتقدير وعقلاً مدبراً ليحسن الانتخاب الأفضل في الحياة ، قطعاً بحيث لا يصاب بخيبة أمل وإحراج نفسي بين مطالبه الذاتية واختيار الطبيعة والعرف الإجتماعي .

ولكي نقف على مجمل التصورات عن الحرية في النظرية الإسلامية ، إن أصل القدرة وجميع الوسائل من عوامل طبيعية وغيرها في العمل هي من الله سبحانه وتعالى ، وكل ما يتعلق بالإختيار مع تلك القدرة الإلهية خاصية ترتبط بالإنسان ، هذا المعنى المتقابل هو عين ما صرح به أهل البيت (ع) إذ جاء عنهم قولهم : ( لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ، أولا جبر ولا تفويض بل منزلة بين منزلتين ) . وقد جاء ما يشابه هاتين الجملتين عن الأئمة (ع) في مناسبات ومناظرتات كلامية وقد ورد شرح هاتين الجملتين عنهم (ع) بهذا الترتيب : ( لاجبر ولا تفويض ولكن منزلة بين المنزلتين  وهي صحة الخلقة وتخلية السرب والمهلة في الوقت والزاد مثلاًً الراحة والسبب المهيج  للفاعل ) والذي لو نقص واحد منها لكان العمل جبرياً .

ولقد نرى دعوى ( ابراهيم المذاري ) وأتباعه قالوا بهذا المبدأ عندما علقوا الأعمال الإنسانية بأثر القدرة الإلهية وقدرة الإنسان ، ولعل العبارة جاءت مذكورة عند ( ابن عساكر والسيوطي ) مروية عن الإمام علي (ع) انه قال لسائل عن القضاء القدر : فإنه أمر بين الأمرين  لاجبر ولا تفويض ، و (الشافعي ) نسب العبارة لاجبر ولا تفويض ( للإمام الباقر (ع) إذ كان ( الشافعي ) أحد طلبة الإمام الباقر (ع) .

ولعل النظرية من حيث المبدأ أثبتت فعليتها تجاه القضايا وقد ثبتت في كتب علماء الكلام منا والفلاسفة ، ولو انهم اختلفوا جزئياً في تفسير أصلها لكن العامة منهم قال بثبوت مبدأ الأمر بين الأمرين والتي تكون مسألة الإختيار والجبر جزءاً منها وتعتبر الحرية تابعة لها .. إن عدة من الكتاب اتبعوا في نهجهم مبدأ الأمر بين الأمرين لكنهم للأسف لم يوضحوا من أين جاء ونشأ هذا المبدأ ؟ وأي عقيدة تقول فيه ؟

يعتبر المبدأ كاشفاً عن الحقيقة حال كشفه عن الأصل ونسبته للحقيقة المعنوية بعنوان كلي ، ولكي نوضح المبدأ تجاه الحركة عند الإنسان ومدى حريته الاختيارية يقتضي التنبيه إلى المثل الذي ضربه أحد العلماء قال :

لنفرض أن أحداً مبتلى بمرض الشلل بشكل لا يسمح له بالحركة ، ونحن باستطاعتنا أنْ نوصل له أسلاك الكهرباء لتحريكه وتكون مفاتيح حركته بأيدينا بشكل يسمح لنا أنْ نحركه متى شئنا فتحرك الإنسان هذا وعمله تحت أيدينا ، فلو قام هو بهذا العمل بمحض اختياره سواء أكان العمل نافعاً أم ضاراً فهو قد أستفاد من القدرة التي مكناه فيها بحيث أستطاع من خلال الكهرباء القيام بها ودار الأمر بين ان تكون الحركة بأيدينا أو نجعله يتحرك كيفما اختار أي أننا حولنا القدرة التي بيدنا له وبحيث لا يتعلق الأمر بنا فهو يتحرك بالطاقة التي هي من عندنا ) . (1)

إذن فحينما نتحرك نحن إنما تتعلق القدرة بمن وهبها لنا يعني إلى صاحب القدرة والفيض المطلق بحيث يتسنى لنا معها أن تقوم بالعمل حسب أختيارنا ولكنه مرهون بوجودها ، فحينما نقوم بعمل بداهة يتعلق بشيئين هما القدرة التي هي منه والإختيار الذي هو منا وهذا ما يُفسر قوله ــ لاحول ولا قوة إلا بالله ــ وبذلك تكون الحرية قائمة على فلسفة مبدأ الأمر بين الأمرين أي أن روح الإختيار في الممارسة متعلقة بالقدرة الموهوبة منه هذه القدرة وجودية مطلقة متعلقة بالكل ومفروضة بمقتضى الوجود أي أنها عامة فلذلك تصبح الأعمال خلالها مقدرة بالفعل على الوجوب وتكون قائمة بالقدرة ولكنها محددة بالإرادة مما يقتضي أن يؤخذ التحديد على انه ملازم للقدرة وفي ذلك يقول الفيلسوف الكبير ( صدر المتألهين ) :

( ثم انبعاث الشوق من القوة الشوقية ثم تأكد واشتد إلى حيثية يحصل الإجماع المسمى بالإرادة فتلك مبادئ الأفعال الإرادية القصدية فينا والله سبحانه مقدس عن ذلك كله فالفعل الصادر عنا بالأختيار تتوسط بين جوهر ذاتنا وبينه أمور كثيرة إنفعالية بعضها من باب الإدراك وبعضها من باب الحركة الفكرية ) (1)

وهذا هو الوجوب بالإختيار الذي يؤكده ولا ينافيه لأن الأمر متعلق بالحالة التي تمثل الإيجاب فالقدرة فعله مترتب على نفس ذاته بلا توسط متوسط بينه وبين فعله وهي قد تكون بمستوى النقل الذاتي أو العرضي ففي الأولى تكون ممتنعة لأنه يوحي للمشاركة في الربوبية وفي الثانية ممكنة بتعلق الفعل بالإنسان بحيث يكون عاملاً بمقتضى وجود القدرة التي هي حصيلة العطاء القائم على مرتبة الفعل بالثواب والعقاب ، والحرية بالإختيار متعلقة لديه قدس ذاته بل بالموجب للإختيار في العمل مع تحصيل القدرة بوجودها الطبيعي ، وإن قلت فذلك تفويض للفرد وحده بمقتضى صلاحيته المطلقة والقول إن التفويض ليس متعلقاً بالكلية له إذا إن إرادتي العقل والعقل الفعال هي صاحبة التوجيه في الاختيار ولو فقدت هذه الإرادة لاستحال وجود عقاب وثواب للماهية التفويضية إذ يقتضي العمل بالإختيار الكيفي وهذا ممتنع :

( إذ صدور الأشياء عن ذاته لا لغرض فهو رضاه ولأنها تصدر عنه ثم يرضي بصدوها عنه والقدرة فيه يستحيل أن تكون بالإمكان فهو إذا فعل فقد شاء وإذا لم يفعل إنه لم يشأ ليتم الفعل والقدرة ) (1) ولكن هذا ليس خلافاً لقوله تعالى :

{ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ، بديع السماوات والأرض ، أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم } (2)  إذ الآية  لا تبين الفعل بالتجرد عن الإرادة إذ القدرة مفروضة في الآية والقدرة شرط الفعل وهي متقدمة بحسب رتبة الوجود فيقتضي الفعل بمقتضى وجود القدرة الذي هو قيد الإرادة ، إذ يرجع لذات القول بأن ــ لا يسئل عما يفعل ــ فلو كان لشئ من أفعاله علة غائية أو داع لكان السؤال بلم عن فعله جايزاً معقولاً فلماذا وقع النهي عن السؤال والمنع عن طلب اللمية في الكتاب والسنة .

والجواب أنه ليس المراد بما وقع فيهما نفي التعليل وسلب الغاية عن فعله مطلقاً كما حسبة الاشاعرة . وعليه فالحرية ظرف لتحقيق القدرة التي هي أداة الفصل في الاختيار المعبر عن الحرية ولكنها تظل مقيدة بالإختيار ، إذ إن الرضا بالقضاء بما هو قضاء بالذات أو بالمقضي بما هو مقضي بالذات واجب كما عن المولى ( الميرداماد) ، ولكنه لا ينشئ حكم السلب الإرادي للفاعل بالضميمة إذ هو مقتضي فعله من فاعليته المطلقة ولكنها لا تأتي على الإرادة لتنزعها بالكلية إذ ذلك خلاف وهو ليس من باب ، ــ إما شاكراً وإما كفوراً ــ فالأمر متعلق بوعائه القاضي بالقدرة والذي هو تكليف بالاستطاعة إذ لا يتصور الضرر والإضرار من الهيئة المتشكلة بالإعتبار من لفظ الآية وإلا لامتنع مقتضى الإرادة بالإختيار ولأصبحت الحرية حبيسة المنطق الغالب والقاهر بلا علة وهو نفي للموضوعية في تمامية هدف الإختيار ولكنه لا على أساس الخيار القائم بالكلية على الإرادة المجردة بالفعل من اعتبارية الربط والضبط القائم بشعور الوجبية ، ولو كان الكل بإرادة الله لوجب الرضا بقضائه عقلاً وشرعاً وذلك قابل لاعتبار أن الإرادة هي  عين القدرة لترادف المعنى فيهما  ، وهي ليست بمستوى قوة العدم للوجودات الغيرية بل احتمال الموضوعية بالعموم الشامل للإنسان والطبيعة والله سبحانه وتعالى .

ويقول العلامة الطباطبائي :  إن الفرق بين الأفعال الاختيارية والجبرية مع قطع النظر عن تعلق القضاء بها ضروري لا ينكره إلا مكابر ، ثم إن تعلق القضاء بالفعل الإختياري بحده لو استوجب كونه اضطرارياً لزم من ذلك الخلق ، بل تعلق القضاء به يؤكد إختيارياً وإلا تخلف المقضي عن القضاء وهو في قضائه تعالى محال ، والظاهر أنّ هذا خلط كونه منهم بين التسخير والجبر ، فالفعل الإختياري بحده المتعلق تسخيري بمعنى أن الفعل الإختياري مراد له تعالى واقع لا محالة لا إن المراد حاق الفعل مع سقوط قيد الإختيار (1) ولكي يتضح المطلب من ناحية الحرية وهل هي جبرية أو تفويضية ؟ يقتضي التنبيه إلى ما يأتي ؛ يجب العلم أنْ لله إرادتان ثابتتان منها :

أ الإرادة التكوينية : هذه الإرادة هي ما يطلق عليها بالمشيئة ؛ أي أنها متى تعلقت بحادثة معينة فلا إمكان للتخلف عن تلك الإرادة ، والتخلف بمعنى عدم الوجود المطلق ، فلو تعلقت إرادة الله مثلاً في أنْ يوجد عالم الطبيعة من ذرات متناهية الصغر ومجرات كبيرة فإن ذلك الجعل يكون محالاً أنْ لا ينطبق على التألف الموجه للعالم الطبيعي ، ولأن مقتضى قاعدة الإرادة التكوينية تجعل من المحالية أن يكون العالم الموجود غير مطابق للإرادة التكوينية .

ب الإرادة  التشريعية : وهذه الإرادة هي ما جاءت خلال الأنبياء (ع) لإبلاغنا بها ، التي تتعلق بالأوامر والنواهي وهي الإرادة التي أعطيت من قبل الله وأثبتت عن طريق الأنبياء للأفراد والناس أجمعين ، التي أراد بها الله سبحانه لنا السعادة والفضيلة والإرادة التشريعية هذه ليست متعلقة بالإجبار بأي شكل كان ، بل كل ما تعنيه تلك الإرادة هو أنْ نختار نحن بأنفسنا السعادة والفضيلة في الدنيا والآخرة .

ولو وجد في الإرادة التشريعية أقل إجبار لما فهمت السعادة والفضيلة : لأن العمل الذي يوجد بالأكراه ليس منشأ للحسن والقبح وبالتالي فلا تفهم السعادة ولا الشقاوة ، وطبيعي إنكار الحسن والقبح والوجداني إحياء لآراء  المذهب السفسطائي ، وهذا يخالف مبدأ الإختيار مع القدرة كما تقدم في البحث ، وهناك آيات من القرآن تبين معنى الإرادتين منها ما يلي : قوله تعالى :

{ قل فمن يملك من الله شيئاً إنْ أراد أنْ يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً } (1)

قوله تعالى : { من كان يريد العجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك سعيهم مشكوراً ، كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً } (2) .

وقوله تعالى : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا فالله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } (3) . ويعلق الفيلسوف الكبير ( صدر المتألهين ) قائلاً :

( إن فعله تعالى بعين الإرادة والرضا المنبعثين عن ذاته ، والإيجاب الحاصل منهما غير الجبر الذي يكون في المبادئ الطبيعية العديمة الشعور والمبادئ التسخيرية ) (5)  وهذا لا ينفي أنَّ الإرادة البشرية لها قدرة متعلقة من فيض القدرة الإلهية ومتمخضة عنها وفاعلية بها إذ لا في عرضه من يعارضه فيزاحمه ، وتبقى الإرادة نابعة من قدرة هي محددة للإختيار بالفعل وذلك لا يخرجها عن قيد الأقتضاء المفاض والمنتزع من عنده ، مما يجعل الإختيار مترتباً حسب قوانين الاستطاعة الفعلية التي تثبت المبدأ على أنه اعتبار لا خروج فيه عن المعادلة العامة في الفاعلية والقابلية بين الإنسان والله إذ الموضوع واحد إنساني كما تعلم ، فالحرية إنما هي فرع منبعث من مبدأ الأمر بين الأمرين لا خارجة عنه وذلك قانون الطبيعة ومقتضى الإرادة الكلية فتدبر .

والحرية في المذهب السياسي للإسلام إنما هي اشتقاق من قاعدة كلية تقدم ذكرها ولا يعقل أن تكون منفصلة عن العقيدة لأنها فرع من أصل ولأن الأصل يمثل نظاماً تاماً عن الحياة والكون والفرع هو الحركة المقصودة في النظام ولذا عبر عنها بالإختيار ، أي القصد من الحركة ولا يعقل أنْ نتصورها سائبة فذلك خلف في منهجنا ، والقرآن وروايات أهل البيت (ع) جاءت لتوكيد هذا الواقع لا خروجاً عنه وإن فهم من رواية ( الكافي ) ما يعارض ذلك :

ففي ( الصحيح ) عن صفوان بن يحيى قال : ( قلت لأبي الحسن (ع) أخبرني عن الإرداة من الله ومن الخلق قال .  فقال : ( الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل ، وأما من الله فإرادته إحداثه  لا غير ذلك لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق فأرادة الله الفعل لاغير ذلك يقول له كن فيكون ) .

والظاهر أن الإرادة البشرية متقومة بالعقل وهو الذي يجعل من الإختيار ما يناسب ذات الإرادة . طبيعي أن يكون للعقل منهج صحيح وعقيدة ذات رؤى واضحة فذلك ما يجعل الإرادة الإختيارية متعلقة بنفس العقيدة ويكون العقل بمقام القدرة الإلهية وبذلك فالحرية الفردية والجماعية إنما تقوم بضوابط تحددها العقيدة ويفعل العقل على العمل بها وهو الإختيار الذي يتم بضوابط ضمن الواقع الاجتماعي والسياسي على أن لا ينافي العقيدة فإذا أوضحت المنافاة سقط الإختيار وأصبح الفرد مدفوعاً بعوامل خاصة إجتماعية وعرفية أحياناً وربما تؤثر به عقد محاصة وحاجات بيولوجية معينة فتطفئ هذه بالإختيار على منهج العقيدة ، وهو ما يدعي بالسفسطة في الإختيار ويعني الخروج عن المالوف والضوابط الظاهرية والباطنية ، والحرية السياسية بمقتضى  ما تقدم ليست خارجة عن إيديولوجيا المجتمع وليست هي حاجة خاصة تمليها تناقضات المجتمع بل هي من صلب العقيدة التي تحرك المجتمع وهذه الحركة هي الحرية السياسية في المذهب فقوله تعالى : { يا داود إنا جعلناك في الأرض فاحكم بين الناس بالحق } (1)

وقوله تعالى : { هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس } (1)

ولعل الحرية المقصودة في الآية الأولى هو عين ما صرح به ( الشهيد الصدر ) إذ قال : إنَّ الكائن الحر الذي جعل الله تعالى خليفته في الأرض لا تعني حريته إهمال الله تعالى له بل تغيير شكل الرعاية ، فبدلاً من الرعاية من خلال قانون طبيعي لا يتخلف كما ترعى حركات الكواكب ومسيرة كل ذرة في الكون يتولى الله سبحانه وتعالى تربية هذا الخليفة وتعليمه لكي يصنع الإنسان قدره ومصيره وينمي وجوده على ضوء هدى وكتاب منير (2) وبهذا تكون الحرية السياسية قائمة على قانون ينظم لها سير حركتها طبيعياً ومع الوجود العام وهذا القانون بمثابة جعل الحرية من المبادئ الرئيسية في حركة وفاعلية الإنسان في قوانين الحياة والكون الطبيعي فتأمل .