الوجود العام

 

إن ( سارتر) كان من الفلاسفة الوجوديين ولكنه وقع في إرباك حقيقي عندما وضع تصوراته الفلسفية حول الوجود ، لأنه لم يرتب قوانين مبدأ العلية بما يناسب حركة الوجود في الطبيعة وإذا كان مجمل الإدراك هو سيرورة اللغة من اللفظ العام إلى واقع القانون إنما تنشئ حسب اعتبارات المطلق والمقيد إلى ، تصورين للعلة والمعلول إذا كانا في عرض واحد ، ويكون الإعتبار إرتباط المعلول بالعلة حسب قوانين مبدأ العلية العام .

فإذا كانت فرضية ــ أنا أفكر فأنا موجود  ــ يحتاج إلى علتين موجبتين فالطرف الذي يمثل الوجود قائم على أساس التفكير الذي يؤدئ إلى العلم بالوجود وبالتالي إلى حقيقة الوجود ، طبيعي أن يرى الفلاسفة التفكير في هذه القضية متعلقاً ببرهاني التجربة والإدراك يعني حصول العملية حسب مبدأ الحس والإدراك وذلك متعلق بأصل القاعدة التي ترتب مبادئ كلية من العقل هذا ما تعنيه ما هية التفكير حسب المبدأ الثابت الذي يرتب الأسباب من الوجودات التتابعية .

والأمر قد يقع بين العقل والروح فالعقل يدرك الواقع ويثبت من خلاله نظرية الوجود هذه النظرية القائمة على قوانين العلل الطبيعية وهي بداهة لا تنكر عموم الوجود بالحد الممكن بالإدراك والحس قد يقوم على أساس التجربة البرهانية مما يعتقد أنها مبدأ الإستدلال العام على النظرية وهذا من ناحية الكليات لا خلاف في ثبوته سواء في عالم التجربة العلمية والبديهيات النظرية حسب قوانين الطبيعة وعللها العامة .

ولكن الأمر حينما يتعلق بالروح فالظاهر أنّ ذات المشاعر والأحاسيس والإنفعالات الباطنية هي جزء لثبوت الفكرة ولكنه ثبوت لا من باب الفاعلية ، إذ إنها ستدحض الأسبقية في فكرة الوجود المطلق ، وهذا ما رآه الفلاسفة اللاهوتيين حينما ميزوا في أصل فكرة الوجود لأنهم لم يروا أن مبدأ العلية حاكم في كثير من الأشياء ثبوتاً وإثباتاً لأن أصل بقاء الفكرة ليس نظرية فلسفية قابلة للإحتمالات الثلاث ، ولا هي أطروحة في مقابل فلسفة الطبيعة لجزئيات من الوجود إذ الكليات متسالم عليها ، لأن إدراك الظاهري يجعل من الفكرة قانوناً متفرعاً من نظرية المعرفة مما يولد حالة تخصيص لمفهوم الكل الطبيعي المتعلق بفلسفة الحياة ، ( فالمشاعر والأحاسيس والغرائز وجدودات لكنها تابعة من حيث الكل إلى منشئ مبدأ الوجود الطبيعي ) (1)

فحينما نقول إن العوامل الدراماتيكية المصنوعة بالسبب أو بالطبيعة في حياة الفرد هي وجود لعلاقة سببية الإنتزاع المتعلق بالوجود ذهنياً يعني إتنزاع من مرحلة ثبوت فكرة الوجود العام طبيعياً ، ولا نعتقد أنها غريبة عن ذلك إذ حينما نتصور النفس نرتب علاقة عقلية على أنها ليست موجودة قبل وجود البدن ؛ ( فالنفس في مفهومها الفلسفي المعقول ليست شيئاً موجوداً بصورة مجردة قبل وجود البدن ، بل هي نتاج حركة جوهرية في المادة لا يتصف بصفاتها ولا يخضع لقوانينها وإن كان خاضعاً لقوانين الوجود العامة ) (2) ينبثق منها منها قوانين التطور العام والحركة والسكون لأن كل ذلك أمر تتفاعل فيه قوانين العلة والمعلول لتولد غايات ونتائج تنبثق منها التصورات عن الكون والحياة وعلى مختلف الأصعدة ، مما يجعل من الإستخدام والتقييم أطراً عامة لذات الفكرة . فحينما نتصور الواقعية إلهياً نرى أنها وجود ولكنه من طبيعة خاصة لأنه : ( الذي يعتقد بواقع خارجي للعالم والطبيعة ويرجع الروح والمادة معاً إلى سبب أعمق فوقهما جميعاً ) (3) لأننا لا نستطيع التفكير بالنسب إلاَّ بموجب قوانين الوجود لأن ( الوجود والفكرة أمر إثباتي بالموجب العالم لوجود الأطار الفلسفي للواقع ) (4) وبالتالي تصبح قوانين الوجود منهجية علمية لأنها تعالج الظواهر على الواقع الطبيعي بما هو مُدرك إجتماعياً بالقوانين العقلية والمبادئ الروحية .

ولاريب أنَّ الفلسفة الوضعية التي تميز الحقيقة وحدها دون الحق عجزت عن إثبات فكرة الوجود لأنها لا تستطيع أنَّ تبرهن على تقرير وجود الحقوق التي يمتلكها الإنسان بصورة طبيعية وهي حقوق فوق التشريعات المدونة والإتفاقات ؛ ( التي تعقد بين الحكومات ، وهي حقوق لا يمنحها المجتمع المتمدن ، وإنما يعترف بها ويقرها باعتبارها شئ نافذ المفعول في العالم أجمع ) (1) ولا تستطيع أية ضرورة إجتماعية أنّ تسمح لنا ، ولو لفترة محدودة ان نلغيها .

وعلم أجتماع المعرفة يمثل ذلك الرأي وينكر الأعتقاد التقليدي لمفهوم فكرة الوجود لمقتضى الحقائق الموضوعية للقضايا البشرية .

 

المذهب السياسي

 

 

 يقول ( كلود برنارد ) : ( إن النظرية هي الافتراض الإختياري الذي خضع لرقابة العقل وللنقد التجريبي ولا تظل النظرية صحيحة إلا إذا تعدلت بضوء التقدم العلمي ونقدت نقداً اختيارياً على هدى ما يظهر من وقائع جديدة وأما إذا اعتبرت النظرية كاملة ، ووضعت فوق الاختبار العلمي فإنها تصبح حينئذ مذهباً ) (2) وطبيعي أنَّ صاحب المذهب يقيم البراهين إثباتاً لصحة مذهبه كونه حقيقة يجب اتباعها ، ولكنه قد يقال إن الرأي قد يقام بين أصحاب النظرية فيما إذا وقع ذلك بالمعيار الصحيح لثبوت وإثبات صحتها العلمية لأنّض ذلك إنما يعزز موقفها سلوكياً تجاه المباحث العامة ، فلو حدث تغيير أو إضافة أو نقصان فإنها سوف لا تتغير تبعاً لوجود تلك الأحداث ولكونها ذاتاً قابلة من ناحية العقل على البحث خصوصاً ، وأنَّ المذهب لا يُجرد الذهن من بنائه العملي حسب الطرق المألوفة في الإتباع لكنه من باب يثبت تمامية الهدف سواء أكان نظرياً أو تطبيقياً لأن الهدف الفلسفي مذهبياً أنْ يحصل على ترتيب أمر القبول الجماعي وفقاً للنظريات والمبادئ وللتعاليم التي هي حيثيات مقومة للمذهب .

ولا ينحصر الأمر بالظواهر إنما يدخل في الوقائع المرتبطة بالفلسفة والأخلاق والعلم ؛ هنا يجدر الإشارة أنْ نعطي بعض التعاريف لمعنى الفلسفة ؛ فقد قال ( البارودي ) ( يخيل إلي أن الفكرة الكامنة وراء كلمة فلسفة هي فكرة السعي نحو تركيب شامل ، إنها معرفة موحدة ومتبصرة في نفس الوقت ) (3) ويقول (بوترو) : إنِّ الفلسفة جهد لاعتبار الأشياء من وجهة نظر واحدة وشاملة ، ويرى ( بلونديل ) : أنَّ في الفلسفة دائماً يوجد عنصران متمايزان متماسكان : هما المعرفة التأملية للحقيقة الحقة ، وحل عملي راسخ لمشكلة  المصير الإنساني ، قاعدة سلوك وخلق قائمة على يقين متبصر ، ومن هنا رأى ( غوهييه ) : أنَّ الحاجة إلى نظرة مذهبية هي التي تجعل رؤية العالم رؤية فلسفية (1) ويقول الشهيد (المطهري ) إن الفلسفة هي الإدراك المطابق للواقع ) (2) .

ولآن يرحج أنْ يكون المذهب مجموعة من الحقائق المنظمة والمتماسكة والمتصلة غالباً بالسلوك ، والمذهب له غاية تختلف عن غاية  العلم إذ الأخير يلاحظ ويفسرِّ ، والمذهب يحكم ويُلزم ويتطلب خطوطاً بسيطة والتزامات قاطعة .

ويرى علماء السياسة أنَّ المذهب له خصائص تختلف عن الفكرة والفلسفة والنظرية ، لأنه هو فكرة أصبحت معتقداً ، والفلسفة هي فكرة أصبحت ممنهجة والنظرية هي فكرة أصبحت فرضية ذات بنى نظرية تكون ذات  تأثير علمي .

وبناء على ما تقدم فإن وجود المذهب ناشئ من وجود الفكرة ، وتاريخ الأفكار حاكم بوجود المذاهب ، إذ لو لم يكن هناك فكر مبدع وقدرة على الإستنتاج لما وجدت أحكام ومذاهب في مناحي الحياة المختلفة ، وعليه يصيب ( جان توشار) حينما قال بأنَّ : تاريخ المذاهب هو جزء من تاريخ الأفكار ولكنه ليس كل هذا التاريخ وليس جزءه الأساسي ) 3) .

ولو نزلنا هذه المقدمة للتعرف بها على الواقع السياسي للإسلام لاتضح بالبداهة

أنَّ فكر الإسلام هو مذهب عام لمختلف أوجه الحياة ، العلمية والإقتصادية والسياسية والإجتماعية والفلسفية وغيره ، لكنه يمتاز بأن تقييماته وأحكامه ، ذات قوة بالفعل والإرادة لوجود ضابط العقل الذاتي الفعال الهادف نحو الكمال المطلق .

من هنا فإن السياسة الإسلامية تعتبر مذهباً لمن يعتبر نفسه إسلامياً وهذا التعميم إستدلالي من كلية مقدمة في الإفتراض وثابتة في الواقع البرهاني .

المعرفة والمذهب السياسي

 

وهكذا نصل إلى العنصر الأساسي البارز في المعرفة ألا وهو المذهب السياسي ، ونعني به ذلك الميزان لعقلنا العملي الذي هو بدوره ميزان لأفعال الإنسان ، المذهب السياسي قانون لكنه ليس مدوناً ولذا فإن الناس يعرفونه بقدر متفاوت من الصعوبة وبدرجات متباينة ، وهم في كل مكان معرضون للخطأ ، فالمعرفة العملية الرشيدة التي يحوز عليها كل الناس بصورة طبيعية وبإجماع غير منتقص بإعتبارها قاعدة بديهية تدرك فكرياً بفضل المفاهيم التي تتضمنها هي أن علينا أنْ نفعل الخير وأنْ نتجنب عن الباطل ، وتلك هي المقدمة والقاعدة في المذهب السياسي وهي ليست المذهب ذاته فالمذهب مجموعة من أشياء مباحة وأخرى محرمة مستنتجة بالضرورة وبحكم التشريع ، وكون كل نوع من الخطأ والإنحراف ممكن حدوثه عند تقرير هذه الأشياء يبرهن على أنَّ نظرتنا ضعيفة وأن حوادث ربما كثيرة تسئ إلى أحكامنا ، وهذا كله لايبرهن على أنَّ هناك شيئاً ما ضد المذهب السياسي ، مثلما أن الخطأ في الجمع لا ينال من الحساب ، كما أنَّ اخطاء بعض الأقوام البدائية التي كانت تتصور أن النجوم ثقوب في خيمة تغطي العالم ، لا تنال من علم الفلك .

والمذهب السياسي ؛ هو مجموعة من النظريات الأساسية التي تعالج مشاكل الحياة السياسية ، وقد أزدادت معرفة الإنسان به شيئاً فشيئاً بتطور الفكر الطبيعي للإنسان ، فقد كان الفكر الطبيعي في البداية في دور الاشعاع المتعلق بوسائل النقل والتطور العام ، وقد يكون علماء الانتروبولوجيا غير قادرين على اعطائنا كيف تكون الفكر في البداية ضمن ابنية الحياة القبلية  .

وهذا يبرهن على أن المعرفة التي اكتسبها الناس بهذا المذهب قد مرت بأشكال ومراحل أكثر تنوعاً مما تصورها بعض الفلاسفة وعلماء اللاهوت ، والمعرفة التي لدى فكرنا عن المذهب ما زالت بلا ريب غير كاملة وستستمر تتطور لتصبح أكثر وضوحاً طالما وجدت الأنظمة السياسية وعندما يتغلغل القرآن في أعماق جوهرنا يتبدى المذهب السياسي الإسلامي بكل روائه وكماله .

وهكذا فإنْ المذهب والمعرفة بالمذهب أمران مختلفان : إذ إن للمذهب مفعول المذهب فقط حينما ينشر ويطبق وليس للمذهب قوة المذهب العام إلا بمقدار ما أفصح عنه وما عبرت عنه تقريرات العقل العملي . وعند هذه النقطة نودُّ إنْ نؤكد على أن العقل البشري يكتشف تشريعات المذهب السياسي بأسلوب نظري مجرد ، كسلسة نظريات ميكانيكية مترابطة ويكتشفها من خلال الفعالية التصورية للفكر ، أو بطريقة المعرفة ، العقلية ، وأعتقد هنا أنّ ( توما الاكويني ) ربط بين عقل الإنسان ومعرفته للمذهب من خلال الفطرة إذ إنه عقد مقارنة بين مواد الفكر النظري والفكر العملي وبسببها يتحدث عن المبدأ الخاص للمذهب السياسي وكأنها استنتاجات لمبادئ شائعة (1) وإن ذلك النوع من المعرفة هو المعرفة الواضحة المستمدة من أفكار وأحكام تصورية ، ومنهجية وهي معرفة حيوية مستمدة من توافق المذهب وهو ما يتضمن قوة الواقع الذي يمارس فيه المذهب كل تصوراته حول المسائل الأسلامية ، المرتبطة بالفرد سياسياً .

ولأننا لانقوم بعمل قياسي لفترات النظر في مستوى المعرفة تجاه المذهب أو من خلال النظرية ، لأنه لازم وجود تصديق للتصور في المحتوى الفكري ، ولا نقص به أن يكون تصديقاً رياضياً ناظراً بالدقة على قيم النتائج بل هو ما يحقق صدق المعرفة تجاه المذهب إجتماعياً ، ونحن هنا لا نقوم ببرهان الإستنتاج على أساس قانون الحركة الفعلية إذ إنه يلزم معرفة علمية بمصادر القانون ولكننا نعتقد إيجاد نوع من تناسب بين الوجود الحقيقي والوجود السياسي منها : الجو السياسي والدعاية السياسية ، فمثلاً لوحدث أمر لحالة معينة يلزم فيها قياس مدى دور الدعاية في تحويل الحالة السلبية إلى إيجابية وذلك لايخرج من كون الإعتبار هادفاً إلى إثبات مجموع الطموح فليس المراد أن يكون حالة مرحلية لأنه يحتاج إلى قياس لإستراتيجية المعرفة العقائدية في الحالة تيك ، وأيضاً أن يخرج النوع بالتخصيص فلو اعتبرت المعرفة في المذهب قائمة على نوع ايديولوجياً خاصة لتفرع منها اللزوم حسب الدورين العقلي والعاطفي ، وبالتالي فالمعرفة إنما تنشأ من نظام التطبيق للتصورات والنظريات في المذهب السياسي .