الاسُسُ الَسياسية

 و

المذهب الواقـــعي

الطبعة  الثانية في قم / إيران سنة 1412 هجرية

تذكير

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كانت ( الأسس السياسية والمذهب والواقعي ) إذن ، المشروع السياسي في الإسلام داخل إطار الواقعية  لا المثالية القابعة في زوايا المخيال القروسطوي ( المثيولوجي ) ولذلك فلا حاجة إلى إعادة تقديمه هنا مرة أخرى بكلام سيكون في كل الأحوال تكراراً واجتراراً لما ورد بيانه في المقدمة الأولى . ولانرى كذلك حاجة إلى عرض وصفي لمحتوياته ، لأن أي عرض وصفي أو تقريري نقدمه سيكون بالضرورة تكراراً لما أطلع عليه القارئ ، أو بإمكانه أن يطلع عليه في مطاوي الكتاب وفي فهرسه .

شئ واحد نريد أن نضيفه إلى هذا التذكير ونؤكد عليه ؛ هو أن هذا الكتاب وجد له من الأرضية التي جعلته الأكثر من بين الكتب التي طرحت في الساحة الإسلامية في هذا الإتجاه أو قريب منه . ومن هنا فقد اعتمدت منهاجيته في المبحث جامعات عربية ودور عرض ومجلات واقلام متخصصة .

ولهؤلاء جميعاً نقول : أننا فخورون بالإنجاز الذي حققه هذا المشروع ، لآنه بمثابة اعادة البناء والهيكلية والترتيب للسياسة الإسلامية مقارنة بالتيارات والمذاهب السياسية الأخرى ، وهو بعد جهد مشترك ساهم فيه العقل والثقافة والزمن بدرجات متفاوتة ، مساهمة جعلت منه المشروع الأكثر استجابة لطموحات الناس وآمالهم العراض خاصة وانه لم يكن مشروعاً نظرياً بالمعنى التقليدي ...

وختاماً فليعزز هذا المشروع ثقة العالم بما يطرحه وبما ينتجه وبما يؤول إليه .

وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب

17 ربيع الثاني 1412 هجرية

الركابي

 

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
 
 سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم-   

تعتبر دراسة العلوم السياسية ومذاهبها الفكرية المختلفة على غاية من
 الأهمية  والتوجه  ، لأنها تركز على صيغ العلاقات السياسية والفكر السياسي والقيم السياسية  من خلال التطبيق في الواقع  ، ومدى إنطباقها مع الحقائق
 الموضوعية على الصعيد العملي  ، ونظراً لتعدد الآراء والمذاهب الفكرية والفلسفية
 تعددت جدلاً دراسة العلوم السياسية  ، من الناحية  التاريخية  والإجتماعية  والنفسية  ،
 وكذا تعددت آراء الفلاسفة والمفكرين في هذا المجال ،  كلاً حسب إتجاهه الفكري
والإعتقادي ، كما يلزمنا التنويه إلى إن ذلك  الفعل من لوازم أصل النظرية  على
 المستوى المعرفي ، ولعل الإعتقاد الإجتماعي في هذا المجال ليس بدرجة متساوية ، فالعلم السياسي إنما هو وليد فكرة نشوء النظرية السياسية والإجتماعية  ،  التي تستهدف خدمة الإنسان في الواقع الذي يعيشه   .
 ومهما كانت درجة البحوث العلمية والدراسات الأكاديمية العاملة في هذا الإطار ، فإن الميل نحو عقلنة النظرية السياسية فيه الكثير من الواقعية وفيه الكثير من الإحترام لدور العقل في البناء والتطوير وفي التصويب والبرهان ،   كما يجب التأكيد على إن النظرية السياسية هي ليست وليدة الفكر الديني ، فالدين كما نعرفه منظومة أخلاقية قيمية مهمتها  تحصين الفرد والجماعة عن الخطأ في السلوك وفي الإعتقاد ، لأنها في الدين تقوم على نظام صارم من الأمر والنهي  وبالتالي لن يكون الدين مهيئاً ليقوم بدور سياسي في المجتمع ، إلاّ في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  ، وتظل فكرة التنظيم السياسي مرتبطة
 بما توصل إليه الإنسان من معرفة وعلم  ، وعليه
 فالواقعية السياسية التي ننادي بها توجه الأنظار إلى التلازم بين حاجات المجتمع الأساسية وعلاقة ذلك بالمنتظم الإجتماعي  ، وإن كانت نظرية النشوء والتكوين للواقع السياسي أو للمنتظم السياسي  ربطت بين الحاجات وبين المنتظم  و جعلت من ذلك العصب الرئيسي الذي يكون الواقعية السياسية  .
 نعم لقد تعددت الآراء والأفكار حول الأسلوب الواجب إتباعه في دراسة النظرية
من خلال التطبيق  ، وكانت مجمل الآراء تصب في إتجاه مانسميه الوضوح والشفافية والمنطقية في إيجاد المداخل والمخارج لخلق الواقع السياسي المرضي ، وفي هذا الإتجاه تبنى فلاسفة اليونان طريقة حكم الشعب عبر وسيلة الإختيار والإنتخاب -  الديمقراطية -  ، وذهب إفلاطون بعيداً ليؤوسس جمهوريته الخالدة في باب سماه حاكمية الشعب من دون وسيط  ،  ولكي يكون ذلك ممكناً يجب ان تتطابق الفكرة مع الواقع ولنقل تطابق النظرية مع التطبيق ،  إن ما نصبو إليه  ونعمل من أجله هو خلق نظام فكري سياسي وإجتماعي بديل ، من خلال تطوير وإلغاء ماهو عتيق ، وذلك ممكن مع ما نشاهد من عمليات التغيير والكبوات التي طرأت على العالم نتيجة لغياب ثقافة الوعي الصحيح ونتيجة لتعثر إرادة القوى الحاكمة في مشاريع ضيقة الأفق تصنع الدكتاتوريات المحلية وتنزع للتقوقع والإنزواء وعدم مشاركة الشعب في قضاياه المصيرية الحاسمة  ، من هنا نقول إن : الواقعية السياسية هي مذهب فكري وعملي يستمد ديمومته من حاجة الناس إليه  وحاجة النفس وحاجة الفكر كذلك إليه ، ومن هنا أتخذ بعض من الفلاسفة
 والمفكرين طريقة جديدة في الحكم على النظرية بالمقارنة للموضوع والمحمول
 من جهة الإستدلال والإستنباط  ، وأقاموا على ذلك الأدلة كبعض براهين نظرية
 المعرفة وبرهان قانون التكامل السياسي  ،  ونظرية العقل الفعال بجزئها
 السياسي التي تعتبر نظرية الإجتماع في العقل الطبيعي ،  وأدلة التطور العام
 وبراهين ديالكتيك الوجود ، وكل هذه الأدلة بأستقراءاتها الموضوعية قائمة
 على مذهب كشف الواقع الحقيقي  ، استنتاجاً لطريقة العلم بما هو حقيقة
 موضوعية إنتزاعية من كبرى كلية متعلقة بوجود الإنسان وقوانينه اللازمة
 في الحكم والدولة .
 وبذلك تصبح جميع القوانين والنظريات متعلقة بهدف الإنسان في صنع حياته بحرية وعدل وسلام ، والنظرية الإسلامية للحكم والدولة  ، من النظريات الواجب رعايتها  والنظر إليها  من دون إنفعال أو  أحكام مسبقة  لأن في بعضها الكثير من الواقعية في حقول المعرفة المختلفة ، وفي عصرنا تمثل نظرية أوأطروحة ولاية الفقيه  المذهب السياسي لدى الشيعة كما قدمها الشيخ النراقي وتحرك على أساسها السيد الخميني  ، وعلى هذا فالشيعة لا تعترف بمبدأ الخلافة الذي يذهب إليه أهل السنة ، ولا تعترف الشيعة كذلك بمبدأ الشورى في الحكم لأن ذلك يلغي نظرية الإمامة  والنصب الإلهي  .

 وكتابنا هذا يتناول بالدرس والتحليل الموضوعي العلمي كل الأسس
 والركائز السياسية القائمة في معترك الصراع الدائر بين التيارين الماركسي والرأسمالي من جهة والنظرية الإسلامية ومذهبها في الحكم من جهة أخرى  ، وهو محاولة متواضعة جديدة أرجو منها
 الفائدة لعموم من أراد الولوج في دراسة هذا العلم ودوافعه الواقعية
 والآراء الفلسفية حول أسسه العامة التي يحتمل الخوض فيها .
 والمحاولة تستهدف تقريب الأذهان إلى الواقعية السياسية كما نراها  ، مع بيان موجز لواقع التيارات السياسية السائدة  من خلال
 أفكارها السياسية والفلسفية والإجتماعية  ، والواقع
 الذي أثر على تلك الأفكار من الناحية الإيديولوجية و من الناحية
 الفكرية  .
 وقد استهدفنا من دراستنا هذه كل ما وقع لدينا من البحوث والدراسات العلمية والإستقرائية
 لإثبات المنطق
 ، معززين البحث بجملة آراء لمفكرين وفلاسفة وفقهاء  ،
 وفي الختام ؛ ليحاول المرء أنَّ يعزز موقفه تجاه البحوث والدراسات بعد أن
 يرى بفؤادة صائبية المنهج الذي  أتبعناه في دراستنا للموضوع وعلاقة
 ذلك بالتعامل العقلي العلمي الذي يرفض كل منهج أو دراسة تتبع أسلوب
 المحاكاة الحسية ،

 


 وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
 
 قم - إيران
 15 شعبان 1407 هجرية
 الركابي