الحوزة ... والأخلاق :

أرى من الضروري بعد هذا التقديم لما يجب أن يكون عليه واقع الإصلاح ، لابد أن نثير في الأذهان والعقول قضية الأخلاق ومدى أرتباطها برجال الحوزة ومناهج التدريس الحوزوي ، ولربما أثار هذا العنوان الأول وهلة في النفس بعض التحفظات خاصة عند العوام ، للصورة المرسومة والمتخيلة عن الحوزة ورجالها ، ولكن شرف المهنة يدعونا للاعتراف بعدم صحة هذا الرسم والتخيل ؛ ذلك لأن الحوزة لم تعتن بالأخلاق كعنايتها بالمسائل الفقهية والأصولية ، وعدم العناية تلك تتعلق بقضيتين :

الأولى : لم تعتبر الحوزة الأخلاق علماً مستقلاً بذاته ، ولم تعتن بموضوعاته ومسائله وأحكامه .

الثانية : لم تتصدَّ الحوزة لجعل المسائل الأخلاقية قضايا حقيقة مقررة ومتداولة في المجال السلوكي لرجال الحوزة . وعدم الأهتمام بهاتين القضيتين أدى إلى شيوع الأخلاق الفاسدة في الوسط الحوزوي ، وكثيراً ما نسمع ان الحسد مرض طلاب الحوزة ، بالإضافة للغيبة والكذب التي تعج بها بعض البيوتات والدور التي تنتمي إلى الوسط الحوزوي ،

ولعلك نادراً ماتلحظ غياب هذه الظاهرة السلبية في تلك البيوتات ، إن الذي أثار فيَّ نزوع التنبيه إلى هذا الأمر ، هو : ــ أن الحوزة قد أثقلت وترهلت بفضل هذه الظاهرة النفسية والأخلاقية الخطيرة ، ولأنها أبتعدت كثيراً عن قضايا الأمروالنهي الإلهي سلوكاً وعبادة ـــ والحوزة بهذا الاعتبار مدعوة إلى الانتفاض من جديد وإعادة ترتيب أوراقها حسب القواعد والأصول ، وهذا يعني انها لابد :

أ أن تعترف بالأخلاق علماً مستقلاً قائماً بذاته حاله في ذلك  حال الفقه والأصول .

ب أن تقوم المرجعيات الدينية بإعادة مراجعة لما يدور في بعض البيوتات والدور والمدارس التابعة لهم ، وأن تعمل مخلصة لتطهير أماكن العبادة من أهل الأهواء والبدع والضلالة .

ج ان تتصدى قوى الإصلاح لتأسيس جهاز مرجعي جديد ، جهاز أخلاقي وتربوي ، يعيش آمال الأمة وطموحاتها ، وتخليص العقل المرجعي من مفهوم الواحدية والعمل على تحقيق التعددية في الزمان والمكان .. مما يؤدي إلى غلق أبواب الدعاية المضادة القائمة على البغض والكراهية والعدوان ، والملتزمة جانب التشهير والترويج للسئ وإشاعة الفاحشة بين الناس .

وكما ان هذه العملية تدخل في صلب الفلسفة الأخلاقية كذلك تدخل في المجال التداولي لمعنى الخير والشر ، وإذا كان الانهيار المجتمعي مردهّ  إلى الأخلاق كقيمة وكعنصر ، فإن النهوض والتقدم يرتبط بدلالة القيمة والعنصر تلك ، ورحم الله القائل ــ إنما الأمم الأخلاق ــ (36) . والحوزة حينما فقدت الأخلاق كقيمة وكعنصر وجود فهي بهذا اللحاظ التجريبي آيلة إلى الزوال يقيناً ... وإذا  لم تعمل على دفع العامل الأخلاقي إلى الأمام فإنها ستندم في وقت لايكون للندم من معنى : ــ ولات حين مناص ـــ (37) .

يروي عن النبي (ص) أنه قال : ــ إنما بُعثت  لأتمم مكارم الأخلاق ــ (38) هذا القول الرائع المعبر بصدق عن رسالة  النبي (ص) ونبوته في الإصلاح والبناء والتغيير والتطوير ، كأن الحصر ب إنما ــ فيه ليس حصراً إضافياً بل حصراً حقيقياً ومعناه : ــ إن حقيقة بعثتي وسرها هو إكمال صورة الإنسان التي بدأها الله خلقاً وتكويناً ــ الصورة التي صار الإنسان من اجلها خليفة وإماماً في الأرض وكلف بأستعمارها في الإصلاح والبناء ، وجدلية الاستخلاف والاستعمار تثير هنا في الطرح الإلهي مجموعة قضايا وألتزامات ، منها ألتزام الإنسان الفرد ، والتزام الإنسان الجماعة بالأخلاق بأعتبارها ملاك الأمر والنهي .

ومن الطبيعي أن يكون كمال المبعوث كمالاً للبعثة بلحاظ مفهوم الاصطفاء والانتخاب الأول ، أي أن تجسيد معنى الكمال في الحصر المشار إليه بالقول المأثور ، مختزل في قوله تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) .

وإذا كنا من دعاة الإصلاح فإن دعوتنا لن تكتسب مشروعيتها الدينية والانسانية من دون التأكيد على الأخلاق كأصل من الأصول وكعلم وكواقع يعيشه المرء ويمارسه قولاًً وفعلاً ، سلوكاً ومنهجاً ، في الشارع وفي البيت ، في المدرسة وفي السوق ، في المعمل وفي المزرعة ، وفي كل إتجاه يمكن أن يتحرك فيه الإنسان ..

من أجل ذلك أعتبرنا ما جاء به علماء اللاهوت والأخلاقيون العظام صحيح في مجال التقسيم الذي ذكروه عن الإسلام بأنه : ــ عبارة عن دين الأصل فيه أنتقاله من العلم إلى الأخلاق ومن الأخلاق إلى العلم ــ أنتقال شمولي كلي في وحدة واحدة أخذت بعين الاعتبار الأجزاء والتباعيض والتفاصيل ..

***

وفي الختام لابد من الاعتراف بأن هذه المقدمة هي في الحقيقة مقدمة كتابنا نقد العقل الإسلامي ــ الحلقة الثانية ــ وقد أتينا بها هنا آملين أن تؤتى أكلها وتساهم في حملة التوعية والتثقيف التي يقوم بها دعاة الإصلاح  ، نعم لقد حذفنا منها هنا بعض الفقرات والمواد الرئيسية التي تشكل الأصل هناك ، كتحرير محل النزاع في الامامة والامام نصباً وأختياراً ، والعصمة ودليلها العقلي والخبري ، وولاية الفقيه وحدودها وشكلها ورسمها ومدَّتها ، والموقف من قضية تحرير المرأة والجدل حول صحة توليها الامامة الصغرى . والإمامة الكبرى معرجين على الفتوى التي ذكرها الإمام الطبري صاحب التاريخ المشهور ، حول صحة تولي المرأة منصب القضاء (39) ، المنصب الأهم والأخطر والذي هو : ـــ للإمام العادل ـــ كما قال الإمام الرضا (ع) (40) والموقف من النظام المصرفي والضريبي في الإسلام ، وتنظيم الثروة والحقوق الشرعية العمل لتأسيس نظام ــ مرجعي رشيد ..

هذا وقد حذفنا الموقف من سرقات الشيخ الطوسي من كتب أهل السنة والحذف   أساسه دواعي واعتبارات خاصة كانت السبب في عدم نشر الكتاب إلى الآن ، ولكن إن دعت الحاجة الإسلامية مع وجود عناصر الضغط التي تساهم في التفريق بين المسلمين والتشهير بهم تجدنا مضطرين لنشر تلك الحائق على الناس كافة !!

وقديماً قيل : ــ إذا كان بيتك من زجاج فلاترمي الناس بحجر ــ (41) .

ختاماً فليعزز الإنسان دوره في قضايا الإصلاح وليساهم بجدية في تغيير مباني المعرفة ، وهذه المساهمة هي الضمان للاستمرارية والدوام ، ولابد أيضاً من طرد الظلاميين الذين يعيشون على التفريق والعدوان ، والطرد له دلالته الموضوعية والإنسانية ، ولنكثف الجهد من اجل بناء مستقبل أكثر أمناً وإسقراراً وسعادة ، وهذا لن يأتي بمجرد الأحلام والتمني بل لابد من جهد وجهاد ومتابعة وصبر ، خاصة ان عصرنا الراهن قد أضطربت فيه المفاهيم من مشكك حاقد إلى برئ سادج ، وأختلطت الآوراق والدفاتر حتى راجت في السوق الإعلامية كلمات حق أرُيد بها باطل ، كالإرهاب والعنف وحقوق الإنسان والديمقراطية والحرية وسيادة القانون وما إلى ذلك ...

وبعد فليست هذه المقدمة من قبيل الترف الأدبي أو الحلم المغامر بل هي في الصميم من مشاكلنا اليومية الراهنة التي تعصف بالحاضر وتزلزل المستقبل ، فهل آن الآوان لكي نستفيق من رقدتنا ؟

( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله بصية أنا ومن أتبّعني ) (32) .

***