قانون الشرايع في القرآن

 

لقد أتجه البحث الفلسفي في بدايته إلى دراسة العوامل التي ساهمت في إكتشاف القانون وتشريعه ، وهذا الإتجاه هو ميل منطقي أو تفكير من اجل حماية الواقع وحماية الإنسان ، وفي هذا وجدت الأفكار متباينة حول ذلك طبيعة القانون وطبيعة التشريع والغاية منه وحدوده وطرق تنفيذه والأدوات اللازمة في ذلك , وكان يسير في هذا الخط
إتجاهين رئيسين في الموضوع حسب الظاهر هما :

الأول : منه مال نحو النزعة الماورائية .

والأخر : منه اتجه نحو النزعة الطبيعية .

وعلى هذا الإعتبار فقد صح ما نسب إلى المدارس الفلسفية حول الجدل الموضوعي وعن الظاهرة القانونية للشريعة في الكتب المقدسة ، ولأن القانون ذو صفة طبيعية فهو لا يحتمل التقييد بنوع محدد أو قل بإتجاه معين , وهذا يعني رفض محاولة البعض من جعل القانون خاصية مرتبطة بالتشريع الإلهي ، في حين مارس الغير خطأً مزدوجاً حين بالغ في تفسير خطابات القانون بالمصلحة وحدها مع أهمية ذلك ووجاهته .

ومهما كان البحث الفلسفي في هذا المجال ومهما كانت طبيعة ونسق معارف المدرستين الشرقية والغربية فإنها بالمجمل تبقى عاجزة في التوفيق أو في إيجاد قواسم مشتركة بينهما لتشكيل إتجاه ثالث .

يكون هذا بمثابة الحد الوسط الفاصل بين رؤيتين أو نزعتين ، ويسبغ على هذا الإتجاه مفهوم الجمع ليكون له قدرة محورية في تعميم النظرة الكونية للقانون بعيداً عن السلطات المحلية المفترضة في مجمل طبقاتها العامة .

والذي عليه الإعتقاد أن البحث العلمي حول مفهوم الصياغة القانونية مرّ بفترة خمول نتيجة للتبدل الدرماتيكي الذي حدث بفعل عامل التدافع السلبي الذي عصف بالأمم والشعوب والمجتمعات .

فالعلم الكلاسيكي قد أحال ظواهر الخلق القانوني إلى عوامل انفعالية في الغالب , وهذا ما يجعل قانون الشرايع عاجز عن اداء دوره في كشف الحقايق الثابتة والمتغيرة وتأطيرها باتجاه مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة , وهذا ما يجعلها بعيدة عن اجواء المفاهيم الدائمة لكلا المصلحتين ,

بحيث لايكون هناك أشباع او طغيان على حساب الأخر , ولهذا صار مفهوم النظرية القانونية ليس صالحاً على الدوام ,

بل هو مردود بين الإتجاهين وغير ضامن للمصلحة القانونية أي إنه ليس صالحاً على الدوام نسبةً إلى صانعية وواضعية ,

[ يقول أوغسطين في كتابه منفعة الزواج في الباب 21 : - من هنا كان القول بأن الشريعة الطبيعية أفضل لأنها تمثل الملكة وتمثل الضمير العقلي العام ] ، في حين عورض هذا الرأي بالمفهوم القائل بأن , الملكة ما به يفعل شئ عند الحاجة !!

وقد تعلم إن هذا هو إبانة : - للذات والحقيقة مع عوارضهما في قضية واحدة واكتشافها -

ولو قيل : بأنها إنما تستند للعقل وهو واحد في النوع .

قيل : إن نسبة الرسوم للنوع هو كنسبة المفعولات للمبادئ الأولى في البرهانيات ,

ولهذا فهي عديدة بحد ذاتها .

لذلك فشرط الوحدة النوعية في قانون الشرايع متغير بحسب تغير الوحدة الجنسية ولوازم الواقع فيها ، وذلك التغير تام بالفصول والحدود والبراهين , بل وما علية القياس العقلي هو كذلك إيضاً , مع الإعتبار الأحادي أو النظرة المستقلة تضفي عليه مفهوم التصرف الذاتي كما يفهم لأول وهلة .

بحيث لايكون تقريره للأخرين بمثابة حكم الشرط الذاتي الغير مصون - وهذا لا بشرط - , ولذلك عاد القول فيه بالتجانس وعدم الضدية ,

وهذا بحده الذاتي سلبي لموردنا , لأنه يفترض صرف التقنين إلى وجود خبرة جمعية بالجنس وخبرة حدودية تامة , مع إن المطلوب جعل مقتضى المصلحة من لوازم الحاجة أو الرغبة الواحدة ,

فتكون بمثابة الحكم للكثرة وهي بحكم التخطي إلى انها ليست واحدة عند الجميع ، ولقد كانت مدونات الأحكام قائلة بأن الحق الطبيعي هو خصوص النصوص القادمة من وراء الطبيعة , لأنها لو كانت منهم لكانت ناظرة إلى فرد النوع لا إلى فرد الجنس ,

ثم أن مراتب العدالة بحكم القانون من الأفراد تابعة لتصوراتهم , في حين أن الحق لايتناول مسألة العدالة , بأعتبارها قضية خاصة تتعلق بمجموعة أو بجماعة معينة في حين هي لهم بحكم - مبدأ الخير العام - هكذا ينظر إليها كما نجد ذلك عند أفلاطون وكانط وجماعة من الفلاسفة المثاليين واللاهوتيين .

ولكننا حينما نضفي على القانون صفته الموضوعية فاننا سنواجه طبيعته العقلية تلك الطبيعة الشرطية له والتي وحدها قادرة على نفي صفة التضاد والتنازع فيه ، لأنها تحرك الأمر كله في خدمة المصالح المشتركة التي تصبح العدالة بمفهومه العام جزءً منها ..

وهذا الإتجاه الموضوعي تعززه النزعة الوجودية في ثوابت النفس , ولهذا فقد يميل البعض بحسب صفته أو ما طُبع عليه من شهوة ومن مصلحة ذاتية إلى ذلك .

وعلى هذا الإعتبار فهذه النزعة ليست واحدة عندهم [ مع إنها قد تتعارض مع الحق الطبيعي كما يقول إيسيدرووس في كتابه الأشتقاق ج5 ب4 ].

وهذا الاتجاه إذا لم يكن منشأه العقل واحكامه التامة صار قولاً صادراً عن علة ناقصة كما يرى ذلك سبينوزا , فالتدبير بحاكمية الوجود على أساس المراحل هو ثبوت من جهة الموجود وأما موضوعه فهو ثبوت كذلك لكن باعتباره من لوازم العقل من حيث هو هو .

وقانون الشرايع حسب طبيعة البحث الفلسفي هي تعبير موضوعي عن الذوات وهذا ما يميل إليه الطبع في العادة ، ومع إننا أسبغنا على الأول صفة التعبير عن الواقع فهو كذلك تعبير عن العالم النفسي ، بإعتبار كون تأثير الأول في الثاني هو كتأثير القوة بالفعل وارتباطها أرتباط العلة بالمعلول كما يرى ذلك أبن سينا في كتابه الألهيات .

[ ولهذا يمكننا تصور قانون الشرايع ككونه تشريع بحكم العقل إذ فيه يصير القانون حكماً تاماً للمجموع أنظر رسالة في التوحيد والسياسة للشيخ الركابي ] .

أي إنه نازل بحكم إتصاله بقانون النوع الفرد والنوع الجماعة المنقول عنهما حكم الطبيعه , وكل ماعدى ذلك من تعارض وارد هو قول لادليل عليه ، لذلك لزم تدوين الشريعة في كتاب من جهة للأصلاح بها أولاً والحفاظ عليها ثانياً , وهذا يعني كونها من جهة الصدور تامة لذلك لا يجوز تبديلها بحكم إلاّ مع وجود المصلحة والإقتضاء ، ولأن وضعها الأبتدائي إنما هو ناتج بحكم مصالح تعارض وتنازع الأنواع ، وهم وحدهم الذين حدّدوا قوانينها !! مع إن هذا الإعتبار يجري في الأحكام القانونية الخاصة أنظر منتسيكيو في قانون الشرايع .

كما يمكن إن يكون الإعتبار خاصاً بشؤون الملك والحرية التي هي من قبيل مدونات الشريعة والناموس !! , فلو لزم صحة التدوين على أساس الوجود النوعي للزم الإتباع الطوعي الدال على إختيار يقيني , وذلك في حده باطل :

لوجود التنافس أولاً .

وثانياً : لوجود شرط الصلاحية وعدمها .

إلا إذا كان مانعنيه بذلك ما سنرتب عليه أحكام الحق الثابت , أبتدأً من بدء مفهوم الوعي بالواقع والكون .

وهذا الإتجاه الفكري يرتبط جدلاً بموضوعة الخلق و الخليقة الناطقة وهي فكرة لاهوتية محضة كتب عنها أُوغسطين ونماها السهروردي والحلاج .

ولكن هذا يجري مع المصلحة بحكم النص كما عند الشاطبي في المقاصد ، الذي عنده يكون النص قابل للتأويل بحكم العقل تبعاً للمصلحة المرجوة .

وعلم ذلك مرتبط بحدود ما نعلم بمطلق العلم , الممتنع عن التصريف و التبديل بأي حكم أخر :

[ يقول بعض شراح مدونة مالك في حكم الشريعة : بإنها أي المدونة تابعة لأحكام النوع بما هو لا مقنن ولا يمارس البحث فيها على ما دونته الشريعة من احكام , كما في قضية الخير العام عند أرسطو أو العدالة عند أفلاطون ... التي عدها تادرس منسوخه مع وجود الذنب أو الخطيئة التي تم التضحية بالمخلوق الإلهي من أجلها ، حيث إنها متجذرة في باطن الأنسان الذي هو مزيج بين متضادين - الشكر والكفر تضاد مضطرد دائم ومرتبط بوجود الإنسان ] راجع كتاب أصل الحكمة لتادرس ج3ف2ب7 - .

فالذي يقرره النوع الإنساني : هو البرهان الذي يعلو فوق كل حجة كما إنه يمتلك القابلية الذاتية للانفصال والتبدل بحكم وجوده الموضوعي وكينونته .





*

ومهما كان فإن الإنسان محكوم بواقعه الذي يحياه , وهو بذلك إنما يمارس دوره الطبيعي في الحياة , فلا بد من تقنين يصون له حقوقه على ان تكون قيادته إليه حسب ما تتطلبه الفطرة وتؤمن به ,

ولا يتحصل له ذلك إلا بتحقيق المنفعة وتحقيق السعادة والعدل وقد ساهم الله عبر الشريعة في التعريف بهذه من خلال كتلة من النصوص الداعمة لهذه المنفعة , واذا أردنا الدقة فأحكام الله قائمة على توفيق منضبط بين الذاتي والجماعي وبين الأحاسيس المشتركة بحيث لايقع فيها ظلم على أحد , لأنها تكبح في الإنسان شهوته للتسلط والظلم , تلك الشهوة التي تسبب في الغالب اضرار بالأخرين ,

فالله حسب ما أعلم إنما يقيد أحكامه بما يستشعره من اعراف ومصالح انسانية محدودة ويبني على أساس ذلك أحكامه ، التي يجب إن تكون بمستوى وضع الأحكام كما هي في موضوعيتها .

وهذا ما يؤدي إلى توازن وتكافل إجتماعي حقيقي , تعضده النصوص وتؤيده التفسيرات القائمة على وعي تام للنص ,

بحيث لايصار إلى أحكام بالرأي تخالف الواقع في النص , وهذه الأحكام إنما تقارب بين الإنسان وكامل الفضائل , بحيث يصبح وجوده جزء تام لمصداق العدالة والحرية واحكام المصلحة المشتركة , إذ لا يصح فيها إطلاق دون حقيقة ,

وإذا تم التقييد فإنه يعضد الإطلاق , ويجعله إلزامياً من جهة الأمر والنهي والتوجه ,

فما يكون تفسير للنصوص فيها إنما يكون مستخرجاً حسب الأدلة الواردة في حق الإستنباط ,

بحيث لايصار إلى تعدي تلك الحقوق , ويكون الأستخراج ذاتياً دون وجه حق , فهذا محكوم عليه بالبطلان سلفاً .

يقول أبن عربي في الفصوص : إن القانون الأول للعقل هو الشريعة .

التي هي عنده صالحة لكل زمان ومكان وعادلة وممكنة ... طبعاً وموافقة لعادة الإنسان ومناسبة وضرورية ومفيدة وواضحة لأنها تطابق العقل , ولاتنظر للعدالة على انها نوع من الصلاح فقط , بل تعتبرها مركز جميع التحسسات ولا يكون تحققها بمجرد تدوينها بل بالفعل الدال على صحتها في التقنين والإجراء - الأسفار العقلية ج5 ص23 صدر الدين الشيرازي - .

[ لأنها إنما تراعي العموم كالأحكام القضائية التي هي بحسب الظاهر تتعلق باحكام خاصة إلا انها تمارس بشكل العموم باعتبار إرادتها والمصلحة المتوخاة منها ,لأن جميع الأشياء المندرجة تحتها لجنس واحدٍ أي تتقدر بواحدٍ منها الذي هو الأول في ذلك الجنس ] فلو كان عدد المقادير أو المقاييس على عدد المقيسات أو المتقدرات لبطلت فائدة المقدار او المقياس في إمكانية معرفة الكثير من الواحد , كما قال الشيخ الرئيس في الألهيات - .

لكن ذلك يبقى غير صادق لأن الحكمة الوجودية إنما تتعلق بطاعته للأحكام العقلية وإرادة الضمير , وهي لاتشرع احكاماً بقدر ما تدفع إلى اتباع الأحكام المنصوصة , وهذا الرأي يمثل جوهر الفعل في كتاب الله , لأنه لا يمثل احكام ظنيه غير مقطوعة اليقين .

والمتتبع لنشاة هذا الترتيب يلاحظ إنها تعبر عن حقيقة واحدة إلاّ وهي صيانة الإنسان الذات والإنسان الجماعة من التعدي والظلم والتبكيت وصور الإستغلال المختلفة .

وهذا الترتيب بحسب التأريخ مالت إلية الفلسفة اللاهوتية التي رتبت لكل واحدة نظاماً خاصاً بها . قد يكون على فترات متباينة أو لفترة واحدة ، وأظن ان الترتيب المذكور إذا لم يجعل من الكل مصدراً عقلياً فلا ريب يكون باطلاً .

واما لو كان كذلك : فإنه حتماً يمثل الإرادة الصحيحة والإنتخاب الأكمل .

كما في كثير من التعديلات المنطقية لواقع النص وعلاقته بالطبيعة من خلال العقل .

وهذا الرأي رد على ما ذهب إلية أوغسطين في كتابه الدين والحق عندما قال : - إن الشرايع الزمنية وإن كان الناس يحكمون عليها حين يشرعونها إلا إنها بعد أن تشرع وتقرر لايسوغ لهم ان يحكموا عليها بل بحسبها -

لأننا لا نؤمن بفكرة الأمر الواقع دون دليل .

ويمكن تفنيد ما زعمه أوغسطين بهذه النتيجة ,

إن المقصود من كل شريعة مصلحة الناس العامة ، ومتى تجردت عن هذه الغاية خلت عن قوة الإلزام .

فإذا طرأت حال كهذه تكون فيها رعاية هذه الشريعة مضرة بالمصلحة العامة ، فلاينبغي رعايتها كما انه لو شرع لمدينة محصورة بقاء ابوابها مقفلة .

[ لكان ذلك مفيداً في الغالب للمصلحة العامة , ولكن لو عرض تعقب العدو لبعض حاميتها لكان عدم فتح أبوابها لهم مضراً جداً بها فكان فتح الأبواب واجباً في هذه الحال على خلاف منطوق الشريعة إذ الأصل رعاية المنفعة العامة المقصودة من هذا الشأن ].