المبدأ والنزعة الإبداعية

يظهر أن بعضهم ذهب إلى ان المبدأ هو نفس الفضيلة ذاتاً ، لكنه مغاير لها اعتباراً فقط . فيقال له لطف من حيث يجعل للإنسان حظوة عند الله أو من حيث يعطي مجاناً . ويقال له فضيلة من حيث يستكمل به الإنسان ليحسن العمل ويظهر ان هذا ما ذهب إليه المعلم الأول في كتاب الأحكام . لكن إذا أحسن أعتبارحقيقة الفضيلة ظهر بطلان ذلك فقد قال المعلم الأول الفضيلة استعداد في الكامل وأريد بالكامل ما كان له استعداد ملائم لطبيته . ومن ذلط يظهر أن فضيلة كل شئ تقال بالنسبة إلى طبيعة سابقة ، أي متى كان لكل شئ أستعداد او ملكة ولأن الفضائل المكسوبة بالافعال البشرية هي ملكات يحصل بها للإنسان استعداد ملائم بالنسبة إلى الطبيعة . التي هي بها إنسان . والفضائل الموهوبة يحصل بها للإنسان أستعداد على وجه أسمى وإلى غاية أعلى . ولذلك يجب أن يكون بالنسبة إلى طبيعة أعلى أي بالنسبة إلى الطبيعة الإلهية ، وباعتبار مشاركتنا في هذه الطبيعة فإذاً كما أن نور العقل الطبيعي شئ مغاير للفضائل المكسوبة ، التي إنما تقال بالنسبة إلى هذا النور الطبيعي ، كذلك نور اللطف الذي هو المشاركة في الطبيعة الإلهية شئ مغاير للفضائل الموهوبة ، التي إنما هو مصدرها وإليه مأبها ، فالإنسان يستكمل بالفضائل المكسولة ليسلك على مقتضى نور العقل الطبيعي كذلك يستكمل بالفضائل الموهوبة ليسلك على مقتضى نور اللطف .

إذن لو كان اللطف نفس الفضيلة وجب أن يكون محله القوة النفسانية لأن القوة النفسانية هي محل الفضيلة الخاص ، ولو كان مغايراً لها لم يجز جعل القوة النفسانية محلاً له ، لن كل كمال للقوة النفسانية يعتبر فضيلة ن فيبقى إذن إن اللطف كما هو مقدم على الفضيلة كذلك محله متقدم على قوى النفس ؛ أي هو ماهية النفس فكما ان ما يحصل للإنسان بفضيلة الإيمان من المشاركة في المعرفة الإلهية إنما يحصل له بالقوة العقلية . وما يحصل له بفضيلة من المشاركة في المحبة الإلهية إنما يحصل له بقوة الإرادة وكل ذلك إنما يحصل له بطبيعة النفس إذ كما أن مبادئ الافعال تصدر عن ماهية النفس . كذلك الفضائل التي بها تتحرك القوى النفسانية إلى أفعالها تصدر إلى هذه القوى عن اللطف ، ولأن النفس إنما هي محل اللطف من حيث أندراجها في نوع الطبيعة العقلية أو الناطقة ، وليست قوة من قوى النفس هي التي تجعل النفس في نوعها ، لأن القوى إنما هي خواص طبيعية للنفس تابعة للنوع ، ولهذا كانت النفس إنما تغاير في النوع النفوس الآخرى أي نفوس البهائم والنباتات بماهيتها . فلا يلزم من كون ماهية النفس الإنسانية محلاً للطف إن كل نفس يجوز أن تكون محلاً للطف فإن هذا يصدق على النفس من حيث هي في هذا النوع المخصوص ، ولكون قوى النفس خواص طبيعية تابعة للنوع ، امتنع وجود النفس بدونها ، على أنه لو فرض وجودها بدونها لقيل لها دائماً عقلية أو ناطقة . باعتبار نوعها لا لوجود هذه القوى فيها بالعقل بل لأن نوع ماهيتها من شأنه أن تحصل عنه هذه القوى ، والواقع أن اللطف هو أمر وجوبي ، إذ الواجب يمكن اعتباره على نحوين : أحدهما واجب يترتب على الاستحقاق . وهذا يرجع إلى الشخص الذي من شأنه أن يفعل أفعالاً معينة تستحق الثواب ، والآخر واجب يترتب على حال الطبيعة كما لو قلنا يجق للإنسان أن يكون له نطق وسائر ما يختص بالطبيعة الإنسانية ، وليس يقال لأحدهما واجب من حيث أن الله مديون للخليفة ، بل لالآحرى من حيث يجب عليهم ان يخضعوا لله حتى يستتب فيها الترتيب الإلهي المقتضي ان يكون لكل طبيعة أحوالاً او خواص معينة . وإن من يفعل كذا يلقي كذا ، وعلى هذا فالمواهب الطبيعية ليست من قبيل الواجب الأول بل من قبيل الواجب الثاني . ولا ريب أن اللطف يحتمل أن يُراد به أمران : أحدهما المعونة الإلهية ، التي بها يحركنا الله إلى صلاح الإرادة والعمل . والثاني الموهبة الملكية الموهوبة لنا من الله ن وهي بالمعنيين تقسم بالصواب إلى فاعلة ومعاونة . فإن أحداث أثر لا يسند إلى المحرك ، ومن ثمة فذلك الاثر الذي يكون عقلنا فيه متحركاً لا محركاً فيه إلا الله يسند فيه الفعل إلى الله . وبهذا الاعتبار يقال للطف فاعل ، ثم أن ذلك الأثر الذي يكون فيه عقلنا محركاً ومتحركاً ليس يُسند فيه الفعل إلى الله فقط ، بل إلى النفس أيضاً . وبهذا الاعتبار يقال للطف معاون ، ونحن يوجد فينا فعلان : أحدهما باطن وهو فعل الارادة ، وباعتبار هذا الفعل تعتبر الارادة متحركة . والله يُعتبر محركاً . وخصوصاً متى اخذت الارادة تريد الخير بعد ان كانت تُريد الشر .

ولهذا فمن حيث أن الله يحرك العقل الإنساني إلى هذا الفعل يقال للطف فاعل ، والثاني ظاهر وهذا لما كانت الإرادة تأمر به لزم أن أحداثه يسند إلى الإرادة ، ولأن الله لما كانت الارادة تأمر به لزم أن احداثه يسند إلى الإرادة ، ولأن الله يعاوننا على هذا الفعل أيضاً بتثنيه باطناً الارادة التي تبلغ إلى الفعل ، وبايلائعه ظاهراً القوة على أحدجاثه ، يقال للطف باعتبار هذا الفعل معاونة ، فأذاً أرُيد باللطف التحريك الموهوب الذي به يحركنا الله إلى الصلاح الاستحقاقي كانت قسمتها إلى فاعلة ومعاونة صواباً . وإذا أرُيد به الموهبة الملكية كان له أيضاً أثران كما لكل صورة أخرى . أولهما الوجود والثاني الفعل ، وعليه فمن حيث هو كيفية عرضية ، لا تفعل في النفس بطريق العلة الفاعلة بل بطريق العلة الصورية ، ولأنه يفهم من المعونة هي معاونة الفاعل الثانوي للفاعل الأولي فقط ، بل معاونة من يُعينه على إدراك غاية سابقة في الوجود والإنسان ؛ الذي يفعل باللطف يعينه الله على إرادة الخير . ولهذا يلزم عن تقدم وجود الغاية معاونة اللطف لنا في ادراكها ن ولأن اللطف الفاعل هو عين اللطف المعاون  ، ولكنهما يتغايران بحسب تغاير مفعوليهما . لأن الجوهر المفكر والجوهر الممتن ليسا مبدأين مستقلين ن بل هما خاصيتان حقيقة واحدة . وعيه أن أفكارنا وحركاتنا الفيزيولوجية ، هي التعبير عن ظاهرة المبدا لنه الجوهر الألهي ن أن ما نسميه الابداعية في لغتنا العامة يمثل العلل الموجبة ؛ أي اجتماع احداث بمناسبتها . قرر الله ان يتصرف بها حسب الثانية من ذلك بلحاظ تقابل الوجود ، فالمبدأ تجاه النزعة يمثل الإرادة المعاة من قبيل الله ح أي انها قوانين خاضعة للمشيئة قاضية يكون فعلها وحركتها هي نفس مبدا الحركة والفعل الموجبين ( لقد شاء الله أن أشعر باحاسيس معينة وانفعالات معينة حينما تحصل في دماغي . . أهتزازات معينة في الأرواح ) .

لأن البشر يودون تحريك ذراعهم ، ليس هناك من يعرف تحريكها ويقدر عليها إلا الله . لأن الأعتراف يؤدي إلى موازاة النفسية الفيزيولوجية ، وهي فرضية منهاجية تقول بأن الظاهرات النفسية من جهة ، والظاهرات الفيزيولوجية من جهة أخرى ، تجري بصورة محددة ولكن دون ان يكون بينهما تداخل سببي . فالابداع يأتي بالروح حافزاً قوياً للمشاركة في التغلب على القوى الميكانيكية الطبيعية ، والتي تبدو أنها أحد شروط الطبيعة الوجودية . ولكن الأمر لا يتعداها كما يرى ( لاشيلية) بل هو معها إذ أنه لا يستطيع فقط التخطي وإنما التسامي إلى حال من المشاركة مع نشاط الفعل الخالص ، أنه لا يستطيع أن يوجد نفسه كحرية مبدعة ، إلا بإستناده إلى المبدا وبتوجيهه أياه وباكسابه معنى بحسب اختياره ومسؤوليته ، لأن ماهية الشعور تبدو قبل كل شئ قدرة على الأصطفاء وعلى اطلاق احكام قيمية ، وهذه النظرة  تمثل عالم القيم وعالم الجواهر ، الذي يمكن تسميته الشعور به ميدان الفعل الخالص ، وهو الذي يجعل الفرد قادراً بفضل مكتسباته من المبدأ على إغناء عالم الوجود الذي يتحرك فيه ، وهو شئ تتطلبه الطبيعة ويحققه العقل كما أن مفهوم الحقيقة المطلقة مرتبط به وإلا أمكن التعريف بشئ آخر غير الذي نحن بصدده ، لأن النظرة الأبداعية الطبيعية تمنح العقل الإنساني القدرة على الادلاء بأحكام صحيحة ، أي في الحقيقة على تجهيز الفكر الإنساني بالقدرة على تشكيل تراكيب ذهنية ، هي المطابقة الفعلية للحقيقة الواقعية .

إن المبدأ هو مفهوم يخص امكانات الفكر البشري لأنه مجموعة مع حقائق ترتبط فيما بين تشكل أداة المعرفة الحقة عند النظرة المطلقة للكون والحياة لأنه بالذات حقيقة طبيعية فكرية ذات وجودين متميزين ولكنهما مختلفين بالعضوية والهيئة ن لأنها أمور نفسية ذات طاقة روحية تنزع نزوعاص عضوياً إلى التفتح في شكل إدراكات وصور ذهنية ن وتتمتع كل كنها بالاستقلال الذاتي وتتصف بمحدوديتها ، أي أن لديها مانعاً داخلياً متفاوتا التأثير تبعاً لنوع الوجود المتجلي في حركاتها الادراكية ، ومنذ الوجود كانت هذه الاعتبارات متعلقة بأصل نشأة المبدأ العام وعلاقات الحركة والسكون به ، كما ان الاندفاع متأثر به على نوع الوجودية التامة ، وإلا لزم وجود شرط شرط خاص خارجي ، وذلك فيه منافاة مع كون النزعة تلتقي بالمبدأ أرتباط العلة بالمعلول ، لأن وجودها مع كونها منه تمييزاً يخالف به حال لا وجود لها منه مع امكان كونه منه ن فتكون نسبة كونها منه عنها ونسبته إلى وجوده عنه واحد فليس كونه وجود من لا كونه كذلك ن بل العقل الصحيح يوجب ان يكون هناك يتميز بها وجوده عنها عن لا وجوده عنها ؛ فأياً كانت تلك الحال أيضاً توجب معرفة النزعة ، فهذه الحال إذا حصلت للمبدأ ، ووجدت تكون جملة الذات وما اقترن إلى النزعة هو المبدأ ، وقبل ذلك فإن الذات وما اقترن إلى المزعة هو المبدأ .وقبل ذلك الذات كانت موضوع المبدأ ، وكان الشئ الذي يصح أن يصير مبدأ ولم يكن ذلك الوجود وجود المبدأ بل وجوداً إذا أضيف إليه وجود آخر كان مجموعهما المبدأ . وكان حينئذ تجب عنه النزعة سواء كان ذلك الشئ إرادة أو شهوة أو غضباً او طبعاً حادثاً أو غير ذلك ، أو أمراً خارجاً منتظراً لوجود المبدأ ن ولكن الأمر لا يخلو من كون الوجود ليس مركباً عندهما فليس على الدوام إذا وجد كل واحد منهما فقد وجد الآخر بلا تفصيل واختلاف ، وذلك لأن معنى ذا لا يخلوا إما أن يعني به أن وجود كل واحد منهما إذا حصل يجب عنه في الوجود نفسه أن يحصل الآخر ، أو ان وجود كل واحد منهما إذا حصل يجب عنه في الوجود أن قد حصل وجود الآخر ، أو ان وجود كل منهما إذا حصل في العقل يجب عنه أن يحصل الآخر في العقل ، أو أن يكون قد حصل الآخر في الوجود أو حصل في العقل ، ومجمل القول فيهما أما الأول فكاذب والثاني لا يصدق في جانب العلة ، وأما القسمان الآخران فالأول منهما صحيح لأنه يجوز القول : إذا وجدت العلة في العقل وجب عند العقل ان يحصل المعلول الذي تلك العلة علته بالذات في العقل والعكس صحيح ، واما الثاني مردد بين الصحة والخطأ ، انظرالإلهيات للشيخ الرئيس .

والحق أننا نجد ان في استطاعة المزعة الوجود إذا كانت المصلحة مفترضة لكنها منصوصة كصفة من شروط المبدأ العام ، فإن ما يجعل النزعة على هذا النحو إنما يعطيها شروط التكليف والقدرة والنجاح لأنها تتصل بالهدف المقصود من حياة البشر ولأنها عملية محصورة بقانون أخلاقي يهذب لها حركتها الذاتية مما يقتضي وجودها مع المبدأ لا سابقة له لأنه يمتلك القانون بالذات فيجعل منها نظام الحركة شعورية عالية .

وبعد ؛ فالنبوة بوصفها ظاهرة ربانية في حياة الإنسان هي القانون الذي وضع صيغة الحل هذه بتحويل مصالح الجماعة وكل المصالح الكبرى ، التي تتجاوز الخط القصير لحياة الإنسان إلى مصالح للفرد على خطه الطويل ، وذلك عن طريق اشعاره بالامتداد بعد الموت والانفصال إلى ساحة العدل ولجزاء التي يحشر الناس فيها ليروا أعمالهم [ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ] وبذلك تعود مصالح الجماعة لفرد على هذا الخط الطويل ، وصيغة الحل هذه تتألف من نظرية وممارسة تربوية معينة للإنسان على أساسها ، والنظرية هي المعاد يوم القيامة والممارسة التربوية على هذه النظرية عملية قيادية ربانية ولايمكن إلا أن تكون ربانية لأنها عملية تعتمد على اليوم الأخر أي على الغيب فلا توجد إلا بوحي السماء وهي النبوة ، ومن هنا كانت النبوة والمعاد واجهتين لصيغة واحدة هي الحل الوحيد لذلك التناقض الشامل في حياة الإنسان . وتشكل الشرط الأساسي لتنمية ظاهرة الاختيار وتطوريها في خدمة المصالح الحقيقة للآنسان . بعدما تبين من تقرير بشأن النبوة كونها ظاهرة ربانية تتعلق بالإنسان ةلها كامل خصائصه البيولوجية فإن الإنبياء أمتازوا على غيرهم من أبناء الجنس الإنساني إن الله أصطفاهم ورعاهم وجعلهم قدرة لغيرهم في كل المجالات والأصعدة ، وإذا كان ما وحي إليهم صفة ربانية كذلك ما أيدهم به من المعاجز لم يكن جهة ذاتي خاص بهم إذ هو منه إن كل نبي اختير من قومه وجاءه الوحي بلسانهم ليبين لهم ، وأن مهمتهم كانت تفسيرالأحكام والتبشير والانذار ، ولم تكن مسألة تخص السيادة أو السيطرة الشخصية بل اجراء الاحكام الربانية ، وهذا الأمر دليله انهم كانوا نكلفين بما كلف به أقوامهم من شؤون الدين والعبادة لله سبحانه ، واتضح من خلال البيان أن التقرير لم يشمل حالهم فقط دون رسالتهم ، بل العكس أنه جميع بينهما مما يظهر ان تعدد الانبياء لم يضر بوحدة العقيدة عندهم ومحوريتها وأصولها ، ولهذا كان تصديق النبي لمن سبقة عهد وميثاق يؤخذ عليه مما يجعل الإيمان بهم ركن من أركان العقيدة الحقة ، ولا شك ان الجميع منهم قد عانى ومر بأنواع من المحن والابتلاات لأنه من الطبيعي أن يكون لكل واحد منهم أعداء وكان همهم واحد هو صرف النبي عن أداء رسالته مستخدمين كافة الوسائل تارة بالتزييف وطوراً بالمخاتلة واستخدام منطق القوة وحالة الحرب ، هذا باختصار ما حاولنا إلقاء الضوء عليه من خلال مفهوم فلسفة النبوة وعلاقتها باسماء والارض عبر الحقائق الموضوعية مستفيدين من قانون الحركة الجوهرية وروح الإيمان وتصاعد المد بباتجاه غتمام الحجة على الناس فكان لابد من هذه العلاقة الجدلية بين حركة الوجود والطبيعة المخلوقة وهي علاقة لا تنتهي بفترة خاصة من التاريخ ، ولم تشيد حضارة تبقى لتكون تراثاً بل هي معنى الوجود والعقل والحق . 

ولا شك أن ما يجمعهما هو الفكر الأول الفعال المطلق ، الذي يوحد المعنى ويجعله ديناميكي الحركة على مدى الخط الطويل الدائم إلى نهاية الوجود المخلوق ؛ لأن النبوة رئاسة عامة ألهية في امور الدين والدنيا  ويجب أن يكون معصوماً والعصمة هي القوة القدسية النورية العلمية اللائحة من صبح  أزل العناية الموجبة للاعتدال الخلقي والخلقي المزاجي ، المتعلقة بمثالب العصيان في الدارين الخاصة بشدة الاتصال وكمال الارتباط بمبداً العالم وعالم الأرواح . وكلها قائمة على مبدأ العدل الإلهي الذي خص الوجود باللطف وجوباً عليه في تصريف شؤون العباد بما يناسب مبدأ الوجود وعالم الخلقة ؛ فإن العالم لا يزال محفوظاً ما دام فيه هذا الإنسان الكامل أن الخليقة ظاهرة بصورة مستخلفة في خزائنه والله يحفظ صورة خلقه في العالم فإنه كلسم الحفظ من حيث مظهريته لأسمائه واسطة تدبيره بظهور تأثيرات أسمائه فيها . النصوص للسهروردي . زلا ريب فإن هذا لا يتحصل إلا بكون الذي هو فيها عنده ملكة العصمة المانعة من الفجور مع القدرة عليها وتحصيل بالعلم بمثالب المعاصي وملازمة الطاعات وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي ، لأنها أمر باطني لا يعلمها بالحد والعنوان بالواقع إلا الله ؛

وقد جاء في الكافي بإسناده إلى هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (ع) أنه قال للزنديق الذي سأله من أين أتيت الأنبياء والرسل ؟

قال : إنا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ماخلق ، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن  يشاهده خلقة ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجهم ويحاجوه ثبت أن له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه وعباده ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه جل وعزوهم الانبياء وصفوته من خلقه حكماء مؤدبين في الحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للناس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شئ من أحوالهم ( وأفعالهم ــ خ ل 9 مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما أتت به الرسل والانبياء من الدلائل والبراهين لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عتدالته ؛ قال الشيخ الرئيس ، لما لم يكن الإنسان بحيث يستقل بأمر نفسه إلا بمشاركة آخر من بني جنسه وبمعارضة ومعارضة تجريان بينهما يفرغ كل واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدهم على الواد كثير وكان مما يتعسر ان أمكن ، وجب أن يكون بين الناس معالقة وعدلاً يحفظه شرع يفرضه شارع متميز باستحقاق الطاعة لاختصاصه بآيات تدل على أنها من عند ربه ووجب أن يكون للمحسن والمسئ جزاء من عنده القدير الخبير فوجب معرفة المجازي والشارع ومع المعرفة سبب حافظ للمعرفة ن ففرضت عليهم العبادة المذكورة للمعبود ، وكررت عليهم ليتحفظ التذكير بالتكرير ن حتى استمرت الدعوة إلى العدل المقيم لحياة النوع ثم لمستعمليها المنفعة التي خصوا بها فيما هم مولون وجوههم شطره فانظر إلى الحكمة ثم إلى الرحمة والنعمة تلحظ جناباً يتهرك عجائبه ثم أقم واستقم . وقال المحقق الطوسي : أثبت النبوة والشريعة وما يتعلق بهما على طريقة الحكماء وذلك مبني على غذاء ومسكن وسلاح لنفسه ولمن يعوله من لا يمكن أن يعيش تلك فاقداً أياها أو يتعسر إن امكن ،

لكنها تتيسر لجماعة يتعاونون ويتشاركون في تحصيلها يفزع كل واحد منهم لصاحبة عن ذلك ، فيتم بمعارضة وهي أن يعمل كل واحد مثل ما يعمله الأخر ، ومعارضة وهي أن يعطي كل واحد صاحبه من عمله بإزاء ما منه من عمله . فإذن الإنسان بالطبع محتاج في تعيشه إلى الاجتماع مؤد إلى صلاح حاله ، وهو المراد من قولهم الإنسان مدني بالطبع والتمدن في اصطلاحهم هو هذا الاجتماع قاعدة . ولا شك أذن مبدأ الحركة في الفعل قائمة على أساس وضع نظام قانوني يحترم فيه الإنسان الحقوق المتعلقة به وللآخرين على ان يكون هذا الوضع خاضعاً إلى فلسفة الوجود ونظام الطبيعة وحاجات المصلحة العامة . وذلك لا يكون منظوراً إليه بشكل آلي متحرك نافع إلا من خلال المعرفة التامة بنظرية الوجود الثابت والمتحرك ، والعوامل السيكيولوجية التي تؤثء في أصل النظرية ولا يشك أن ذلك ممتنع على العادي ؛ باعتباره لا يمثل مصدر في وعاء الحركة الآلية التامة لأنه غير مشروط بفهم مسبق للحاجات وللنظام وللقانون ، ولهذا فهو محتاج إلى من ينظم إليه شؤونه فيما المصلحة الاجتماعية الحقوقية ، وكون نفس الاحتياج يمثل الوجود الممكن فيه انبعاث الصيغ القانونية وعليه كان التلازم الجدلي بين الحاجات العرفية والفطرة البشرية تلازم على أساس ثوابت صيغة الإحتياج في المعلول للعلة ، ولهذا كان النبي يمثل الدةر الرئيس في تلك الحركة الجمعية الموجهة كما يقول ( زينون ) الكبير تلميذ ارسطوطاليس ؛ النبي يضع السنن والشرايع ويأخذ الأمة تلميذ بالترغيب والترهيب يعرفهم أن لها مجازياً لهم على أفعالهم يثيب الخير ويعاقب على الشر ولا يكلفهم بعلم ما لا يحتملونه ؛ فإن هذه الرتبة هي رتبة العلم أعلى من أن يصل إليها كل احد . ثم قال ح قال معلمي أرسطوطاليس حكاية عن معلمه افلاطون ؛ إن شاهق المعرفة أشمخ من ان يطير إليه كل طائر وسرادق البصيرة احجب من ان يحوم حوله كل سائر . لن الأصل الأول فيما يسنه تعريفه أياهم ان لهم صانعاً واحداً قادراً وانه علم بالسر والعلانية وأنه من حقه ان يطاع أمره فإنه يجب أن يكون الأمر لمن له الخلق ، وأنه قد اعد لمن أطاعه المعاد المسعد ولمن عصاه المعاد المشقى ، حتى يتلقى الجمهور رسمه المنزل على لسانه من الاله والملائكة بالسمع والساعة ولا ينبغي له ان يشغلهم بشئ من معرفة الله فوق معرفة انه واحد حق لا شبيه له .

ويظهر أن الأنبياء لكونهم سفراء له تعالى إلى خلقه وأمناءه على وحيه وخلفاءه لابد من ان يكونوا متصفين بالوصاف القدسية الألهية ومتخلقين بالآخلاق الربوبية ؛ فإن الخليقة لا بد وأن يكون موصولاً بصفات المستخلف حتى يتحقق له أسم الخلافة . والعناية الازلية تأبى بعث من لم يكن كذلك لبعده عن الأتصاف بصفات الحق والاتصال بحضرة القدس ، وقد قال الشيخ في الشفاء ؛ إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها ان يصير عالماً عقلياً مرتسماً فيها صور الكل والنظام المعقول في الكل ، والخير الفائض في الكل ، وأفضل الناس من استملت نفسه عقلاً بالفعل محصلاً ، وللآخلاق فضائل عملية وأفضل هؤلاء هو المستعد لمرتبة النبوة وهو الذي في قواه النفسانية خصائل ثلاث : أن يعلم جميع المعلومات او أكثرها من عند الله ، وأن يطيعه مادة الكائنات بأذن الله وأن يسمع كلام الله ويرى ملائكة الله . ( فأما العلم بجميع المعلومات والاطلاع على الأمور الغئية من غير كسب وفكر فيحصل من صفاء جواهر النفس وشدة صقالتها ونورانيتها الموصل لها إلى المبادئ العالية وشدة التصال بها ) وأما أطاعة مادة الكائنات فبسبب شدة انسلاخهم عن النواسيت الإنسانية تدوم عليهم الاشراقات العلوية بسبب الاستفادة بضوء القدس والالف بسنا المجد فتطيعهم المادة العنصرية القابلة للصور المفارقة فيتاثر المراد عن أنفسهم كما يتأثر ابدانهم عنها ، فلهذا يكون دعؤهم مسموعاً في العالم الأعلى والقضاء السابق ويتمكن في أنفسهم نور خلاق به يقدرون على بعض الاشياء التي يعجز عنها غيرهم ، قال الله تعالى في عيسى بن مريم (ع)

[ ورسولاً إلى بني أسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيراً بأذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بأذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ] .

 وأما الخصلة الثالثة فلان الانبياء لهم نفوس مقدسة قلت شواغلها عن الحواس الظاهرة ، فتخلصت بذلك عن المادة الجسمانية ، فلم يكن بينها وبين الانوار حجب ولا شواغل لأنها من لوازم المادة فإذا تخلصت النفس عن تعلقاتها كانت مشاهدة للانار والمفارقات البريئة عن الشوائب المادية واللواحق الغربية . ولذا يكونون مشاهدين للملائكة على صورهم بقوتهم القدسية سامعين لكلامهم قابلين لكلام الله تعالى بطريق الوحي ومعلوم ان المادة التي تقبل هذه الخصائل والكمالات تقع في قليل من الامزجة . وعلية فحمة الباري تعالى في الغاية لنه خلق الأصول وأظهر منها الامزجة المختلفة وخص كل مزاج بنوع من الانواع وجعل كل مزاج كان أبعد عن الاعتدال ، سبب كل نوع كان أبعد عن الكمال وجعل النوع الأقرب من الاعتدال مزاج البشر حتى يصلح لقبول النفس الناطقة . معنى ذلك أن وجودية الامكان المشخص في مزاجهم يجب أن يكون أكثر اعتدال من غيره لحكمة الاصطفاء ، ولأنهم مؤدين في الحكمة ومبعوثين بها وغير مشاركين للناس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شئ من احوالهم ، مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة . وهذه الأمور مجتمعة لا تمنع ان يكون الانبياء بعضهم أفضل من بعض كما في قوله تعالى :

[  تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ]

 وتلك اذن سنة خاضعة للقانون الطبيعي في أنهم متفاوتين في اعتدال المزاج أي أن الخلقة البيالوجية لا تمس صفاء النفس الناطقة القدسية وسعتها الوجودية ؛ بل تتعلق بظاهر الاحوال والدليل على ذلك كون خاتم الأنبياء (ص) كان اكمل موجود في النوع الإنساني وأوتي جوامع الكلم التي هي امهات الحقائق الربانية والألهية الكونية ؛ ولذا كان الروح المحمدي (ص ) اول دليل على ربه لأن الرب لا يظهر إلا بمربوبة ومظهره وكمالات الذات باجمعها إنما تظهر بوجوده الأكمل ؛ ولهذا فإن العالم لا يخلوا من الخليفة الذي سماه أرباب المكاشفة وأرباب المشاهدة القطب ، فله الرياسة وإن كان في غاية الخمول وإن كانت السياسة بيده كان الزمان نوارانياً زإذا خلى الزمان عن تدبير مدبر إلهي كانت الظلمات غالبة . ومن كانت هذهصفاته صار لزوم اطاعته من باب لزوم الإرادة والأختيار بل مسؤولية الاجتماع لا تتحقق إلا به وإلا صار ذلك خلف حيث ان النصوص أمرت على حد التواتر لأنه منه منصوب وذلك متوقف على كمال عقلية النظري والعملي متوافرة فيه الصفات الحميدة حتى ل أحد مشارك له من العالمين فيها ورؤوس هذه الفضائل عفة وحكمة وشجاعة ومجموعها العدالة وهي خارجة عنم الفضيلة النظرية ومن اجتمعت له معها الحكمة النظرية فقد سعد ومن فاز مع ذلك بالخواص النبوية كاد ان يصير رباً انساناً وكاد أن يحل عبادته بعد الله تعالى وهو سلطان العالم وخليفة الله فيه .

وإنما عبر عنه رباً أنساناً لأن الحكمة العملية والنظرية للذات القدسية أمتنعت أن تكون صفاته مشاركة للناس من كرامات الهية وامور وصفات ملكوتية ، فكان ان صارت الجهتين البشرية والالهية فصار رباً انساناً ، ومن كانت منزلته كذلك كانت بعثته حسنة لا شتماله على فوائد كمعاضدة العقل فيما بدل عليه واستفادة الحكم فيما لا يدل وازاحة الخوف واستفادة الحسن والقبح والمنافع والمضار وحفظ النوع الإنساني وتكميل اشخاصه بحسب استعداداتهم المختلفة وتعليمهم الصنائع الخفية والاخلاق والسياسات والاخبار بالعقاب والثواب فيحصل اللطف للمكلف . وأنها واجبة في الحكمة لأن العقل السليم يطلب من الله أرسال الانبياء فلولا البعثة لكان الله تعالى ظالماً لعباده ، فإذا اوحى الله تعالى ما فيه خير البرية وسعادته وما يوجب رضوانه تعالى وسخطه إلى رسول بالبراهين والمعجزات والبيانات ، فيأخذ الناس معالم ومعارف شريعة من الرسول ، كما أن العقاب دون ابرغ به قبح على الله ولذلك استلزم ارسال المبشرين والمبلغين ، وإلا لكان العقاب منه ظلم وهذا ممتنع كما تعلم بل ما في القرآن الشريف ما يشير إلى ذلك قوله تعالى : [ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ] ويظهر أن معرفة الرب تتعلق صفاته القدسية المتعالية لأنها لائقة بجنابه وهذا يحصل بنور العقل السليم وهو يشتاق للتقرب إلى جنابه لأن المرء مفطور على حب الخيرات ونيل السعادات والميل عن الشقاوة سيما السعادة الأبدية الدائمة وتلك لا تحصل إلا بالتصال بالصفات لنورانية العليا وليس كل طريق وفعل وقول بمقرب الناس إليه بالضرورة فكان الاحتياج وجودي إلى ما يدليهم على تلك الطرق ولا يحصل ذلك إلا بالوحي ولا يوحي إلى كل واحد من آحاد الناس لعدم قابلية كل واحد لذلك ولمقتضى صفات النبوة التي لا تكون عند كل واحد منكم لأنها من تأييد الله واختصاصه ولا يتم ذلك إلا لهم وإلا كانت المشاركة قبح كما تعلم لعدم المفارقة وذلك باطل في أصل الوحي .