مبدأ اللطف :

لاريب أن اللطف منه سبحانه يعني التفضل والمنة ، كما يطلق في الاصطلاح على ثلاثة معان فقد يُراد به .

أولاً : تفضل أحد الناس كقولنا إن هذا الشخص فائز بتفضله على الآخرين ؛ أي أن له حظوة في خدمة الناس ، وقد يُراد به . ثانياً الموهبة المجانية كقولك أنا أوليك هذه المكرمة ؛ وقد يُراد به ثالثاً عرفان الجميل كقولنا :أنا نقابل الفضل بالنعمة وثاني هذه الثلاثة يتوقف على الأول ، فإن وهب شئ مجاناً إلى بعض الناس ؛ إنما ينشأ عن الحب الذي به يظفر الموهوب إليه بحظوة عند الواهب ، والثالث يصدر عن الثاني ، فإن المن يتبع الصنيعة . وواضح إن الفضل بالمعنيين الاخيرين يوجب في مقالنا شيئاً ، وهو في الأول الموهبة المجانية ، وفي الثاني عرفان هذه الموهبة ، وأما اللطف بالمعنى الأول ففية فرق بين لطف الله ولطف الإنسان ؛ فإنه لما كانت الإرادة الإلهية هي مصدر الخير في المخلوقات كانت محبة الله التي بها يُريد خير المخلوقات هي مصدر ما في المخلوقات من الخير ، وأما الإرادة الإنسانية فهي تتحرك من خير خارج سابق فليست علة للخيرية الخارجة كلها .

بل هذه الخيرية متقدمة عليها كلها أو بعضها ، ومن ذلك يظهر ان محبة الله يصدر عنها دائماً في المخلوقات خير في بعض الازمنه لا قديم مقارن لها في الأزلية ، وباعتبار هذا الفرق في الخير تفترق محبة الله للمخلوقات فيعضها عام ، وهي التي بها يحب جميع الاكوان ، وبهذه المحبة يجاد بالوجود الطبيعي على جميع المخلوقات وبعضها خاص ، وهي التي بها يرفع الخليقة الناطقة إلى ما فوق حال الطبيعة ، ويسميها في الخير الإلهي . وبهذه المحبة يقال انه يجب بعض الناس مطلقاً . لأن الله بهذه المحبة يُريد مطلقاً للخليقة الخير السرمدي ، الذي هو ذاته إذا تقرر ذلك ظهر أن قولنا : أن الإنسان فائز بلطف الله . يدل على شئ فائق الطبع في الإنسان ، صادر عن الله ، وربما أطلق لطف الله على محبة الله الأزلية مقولنا ، لطف الأنتخاب من حيث أن الله قد انتخب بعضاً من الناس بمجرد لطفه دون استحقاق من قبلهم ، فظهر أذن إن الحصول على لطف الله يُراد  به أن فيه شيئاً يحظى به ، فهو حاصل على محبة الله . لكنه مفترق حيث الطبيعة والخلقة ةالسر فيها . لأن الصدور عن الله هو مصدر تلك الالطاف الناسوتية الاخرى ، ولأن الله هو حياة النفس بطريق العلة الفاعلة ، والنفس هي حياة الجسد بطريق العلة الصورية ولا واسطة بين الصورة والهيولي ، لأن الصورة تصور الهيولي أو المحل بنفسها ، وأما الفاعل فليس يصور المحل بجوهرة بل بالصورة التي يحدثها في الهيولي ، وعليه فليس المراد بقولنا أن اللطف هو محو الذنوب لأن ذلك خارج عن مورد اللطف العام ، بل أنه أراد باللطف وجود النبوة كلياً ، فليست هي مقيدة بطاعة ومعصية فقط في باب العبادات . بل تتناول مواهب أخرى كثيرة إلهية .

وحينما نقول بأن الإنسان فائز بلطف الله ، فإن فيه أثر لأرادة الله المجانية وقد أتضح أن أرادة الله المجانية تعني الإنسان على نحوين . أولاً : من حيث يحرك الله نفس الإنسان إلى معرفة شئ أو إرادته أو فعله ، والأثر المجاني الحاصل في النفس على النحو ليس كيفية ؛ بل حركة للنفس لأن فعل المحرك في المتحرك هو الحركة كما يرى الشيخ الرئيس في الطبيعيات ، وثانياً من حيث يفيض الله على النفس موهبة ملكية إذ ليس يليق بالله إن يكون بمن يجبهم ليدركو الخير الفائق المطبع أقل عناية منه بالمخلوقات التي يحبها لمتدرك  الخير الطبيعي ، وهو لا يقتصر في عنايته بالمخلوقات الطبيعية ، التي يحبها أياها إلى الافعال الطبيعية ، بل يجود عليها أيضاً بصور وقوى هي مبادئ للافعال ، فتميل بها إلى تلك الحركات وهكذا تصير إلى هذه الحركات التي بها من الله طبيعية ومستهلة ً ، لالأولى يفيض على من يحركهم إلى إدراك الخير الفائق بالطبع صوراً أو كيفيات فائقة بالطبع يسر لهم بها ادراك الخير الابدي ، وعلى هذا النحو تكون موهبة اللطف كيفية ، لأنها من حيث هي كذلك تفعل في النفس لا بطريق العلة الفاعلة بل بطريق العلة الصورية كما يفعل البياض الأبيض وكما تفعل  البرارة البار ، ولأن كل جوهر فهو أما نفس طبيعية ما هو جوهرة أو جزءٌ منها على حد ما يقال للهيولي أو للصورة جوهر ، واللطف لكونه فوق الطبيعة الإنسانية لا يمكن أن يكون جوهراً أو صورة جوهرية للنفس ، بل إنما هي صورة عرضية لها . لأن مأله في الله وجود جوهري يكون له وجود عرضي في النفس المستركة في الخيرية الإلهية كما يظهر في العالم ، وعلى هذا لما كانت النفس تشترك في الخيرية الإلهية اشتراكاً غير كامل كان لهذا الاشتراك في الخيرية الألهية وهو اللطف وجودٌ في النفس أقل كمالاً من وجود النفس في ذاتها ، ولكنه اشرف من طبيعة النفس من حيث هو تجل للخيرية الألهية ، أو مشاركة فيها لا من حيث كيفية الوجود ، ولأن وجود العرض هو وجوده في آخر فكل عرض لايقال له خاص بالموجود أولى من أن يقال له موجود كما قال الشيخ الرئيس في الألهيات بفصولها ، ولأن الكون أو الفساد إنما هو من شأن ماله وجود في نفسه فليس ، يوصف عرض حقيقة بالكون او الفساد بل إنما يوصف بذلك من حيث أن محله يبتدئُ او يضمحل وجوده بالفعل باعتباره وبهذا الاعتبار ايضاً يقال أن اللطف يخلق من حيث أن الناس يخلقون باعتباره أي يحصل لهم وجود جديد من لا شئ .