النــبُّوة وأسرار النــاسُوت

وجب هنا أن نوضح ما إذا كانت النبوة عمل من أجل الطبيعة أم أنها حالة  وجودية فوق الطبيعة وأسرارها ؟

يظهر إن ما أدعاه بعضهم كان ضرورة التلازم بين الوجودين وهي منهم ، ولعل هذا الرأي نسب إلى الفلاسفة الالهيين لأنهم حسب الوجود المشترك قالوا بالتلازم العملي بين الحالين ، وإلا لأمتنع الامكان إذ انه بالواقع طبيعة مركبة من انواع مختلفة تتعلق بمبادئ عامة كلها اشتراك فعلي في ما أقره فلاسفة الأمة . ولا ريب أن حقيقة أمر النبوة شيئان احدهما ضبط الافعال الإنسانية بما ينسجم وتوجيهات الشريعة ، والثاني انها لا بد من أمتلاكها لقوة إكراهية ؛ فالإنسان إذن يمكن ان يخضع لها فتعاليم الدين على نحوين : أولاً : كخضوع الشئ لضابطه وقاعدته وبهذا الاعتبار يخضع للشريعة المشروعة من النبي جميع الخاضعين لأوامره ، ويمكن اعتبارها سلطة زمنية ، وعدم الخضوع له منهم يمكن تفسيره بنحوين أي ما لا عفائه مطلقاً كما في بعض الموارد التي تخص علاقاته الخاصة بأسرته ، فالواقع انها معفي عنها لأنها بالضرورة ليست من التكاليف الواجبة عنده ، واما ان بتدبير الشريعة كما في مسائل الدعوة ، التي لا يجب ان تخضع للاكراه ، وإلا فالخضوع قهري له بإزاء ما شرع لأن كل تلك هي قوانين للحياة واجبة الاتباع بلا ترديد ، لأن الامر فيها يتقيد بجريانه من الاعلى إلى الادنى . وعلى هذا فيجب ان يكون الخاضع مطلقاً للاوامر النبوية ان يتقيد بتعاليمها في مجمل الاشياء ، التي تكون فيها الأوامر بشكل دستور فعلي . وأما الثاني فالظاهر انه ليس دليل عقلائي لأنه من باب خضوع المُكره للمكرهِ لأنه بهذا الاعتبار يصبح الخضوع امر منافي لتوجهات الأوامر النبوية والشريعة .

لأن حدوث الأمر الأكراهي دال على سلب الأرادة ، وهو ممتنع في المسألة ، لأن الإرادة عندنا قائمة على نسق الاوامر لا خلافها . ثم أن ذات الأوامر النبوية هي أعلى من كل أمر أنساني ولهذا فالخضوع لها من باب الخضوع المطلق للأوامر الالهية ، بداهة كون الخضوع لا ينافي الطبع ونفس الأمر ، كما انها لا ترتب حكماً متأخراً إلا بوجود علاقة الارتباط ، لأن الوجود الحقيقي يمتنع ذاتاً لتقبل صورة التنافي في وجود الأمر ذاته ، إذ هي كونها وبالذات اوامر مولوية تامة ، هدفها مصلحة الناس العامة ومن ذلك يحصل لها قوة الأمر الالهي المباشر وحقيقته . فإذا تجردت عن هذه الغاية خلت عن قوة الالزام ؛ لأن حقيقتها تنافي الوسائل التي تقرب المنفعة لغاية أخرى غير سامية . إذ كون الأمر منه بلحاظ جميع الاحوال فما يعتبر فيه الأمر المطلق المقصود . فلو تنافى مثلاً الأمر والنهي فذلك ممتنع وجداناً وذاتاً ، عنده أقتضى أمتناعه أيضاً على سبيل الطيبعة ، لا في الأمر المطلق وحده بل والجزئيات أيضاً ، لأنها ليست عقلية بحتة فيها أحكام العقل التبريرية ، فذلك ممتنع عنها لوجهين أحدهما العقل ذاته والثاني من جهة الايمان بها ، الذي يجعل الأمر منه ضابطاً لأفعال العامة ، أما من جهة العقل فلأنه طبيعياً في ما يظهر يسعى للترقي تدريجياً من الناقص إلى الكامل ، فأنا نجد في العلوم النظرية أن الذين أنتهجوا في أول الامر طريق الفلسفة ، وضعوا أموراً ناقصة استكمالها من جاء بعدهم ، وكذا الحال في الأمور العملية أيضاً . فإن الذين قصدوا في بادئ الأمر أن يضعوا شيئاً نافعاً لجمهور الناس ، لم يستطيعوا ان يستأثروا بملاحظة كل شئ فوضعوا أمور ناقصة وقاصرة من وجوه كثيرة بدلها من جاء بعدهم فوضعوا أموراً إذا قصرت عن النفع العام ، فإنما يكون ذلك من وجوه قليلة وأما من جهة الناس الذين تُجعل الأوامر ضابطاً لأفعالهم ، فقد يستصوب تبديل الفكرة بسبب تبدل أحوال الناس الذين تناسبهم احكام أخرى بحسب اختلاف احوالهم . لهذا فالقوانين الطبيعية نوع من المشاركة في الاوامر النبوية ، ولذلك تستمر غير متبدلة .

وهذه الصفة حاصلة لها من عدم تبدل العقل الالهي مبدع الطبيعة ومن كماله . وأما العقل الإنساني فمتبدل وناقص ، ولهذا كانت احكامه متبدلة ، وعليه فاحكام البشرية احكام كلية مستمرة في كل حال ؛ لأنها تامة في الفعل والقوة على عكس الاحكام البشرية الاخرى الجزئية ، والتي لا تناسب إلا ظروفاً وأحوالاً معينة ، لأن المقياس يجب أن يكون مستمراً ما امكن الاستمرار ، الاشياء المتغيرة لا يمكن إن يكون فيها شئ مستمر دون اغيير البتو ، ولذلك يجب أن تكون أوامر واحكام النبي ثابتة البتة ولأن الصواب في الصور الواقعية يقال بالاطلاق ، ولهذا يبقى في نفسه صحيحاً دائماً ، وهو متعلق بالقياس إلى المصلحة والنفع فيها ، الذي يجب أن يكون كذلك ، وإلاصار محالاً ، إذ أن ذات الاوامر النبوية المختصة بالاحكام إنما تصدر عن إرادة الله العاقلة ، التي تنافي الصدور من الإرادة المنتظمة بالعقل الصريح ، لأن احكامها تتعلق بتفراد متغيرين ، لعدم قدرة نفس الإرادة منه على الإستجابة لهضم كل قوانين الحياة ، وهي بعد لا تتغير كما هي طبعها تبعاً للأرادة الخاصة في تغيير العادة ، ومنها على كونه منه أيضاً ليس صحيحاً ، لأن الطبيعة عنده أمر منه بعقله الارادي الفياض ، وذلك يجعل غلبته مطلقة بحكم قدرته على الكل ، ولذلك تكون احكامه عامة لا استثناء فيها بموارد خاصة ومعينة على نحوين ، أما أن تكون أحكام بمنزلة نتائج للاحكام العامة فله الحق في تصريفها حسب الوضع الموجود فمثلاً لا ترُد العارية على من يخون الوطن ونحو ذلك ، وأما ان تكون أحكام أكتسابية بتأثير الطبيعة والمجتمع ، فلا أشكال أنها ستبقى معلقة بوقتها ، متى انتفت الضرورة العملية منها انتفى وجودها المقابل ؛ إذ هي بالنحوين موضوعة لوقت معين حددته قيم ومفاهيم خاصة ، لكن الأمر عندما يكون حكم شرعي موضوع من الله . او منه على سبيل التشريع ، فإنه لا شك سيبقى إلزامي على امتداد الزمان ، إذ لا يمكن اعتبارها في الحالة هذه محددة لأ  تنفي شرط التخصيص فيها ، وهي بعد لم تكن المادة فيها حرفية معينة ، حتى يمكن القول بذلك ، إذ لا من طبيعتها كوجود تخالف وجودها الذاتي لأنه ستكون الاوامر منها جزء من تعاليم أدبية وأخلاقية محضة ، وهذه ليست منه كأحكام به هي أوامر شرطية عرفية ؛ تقيدها الحرية والارادة والقوة وكلها أمور موجهة بالفعل لغيره لاله ، إذ هو بالقوة لا يمثل حكمه أمراً معيناً أكثر ما يعينه أنه مادة لفعل الأمر المخصوص لأنه كائن بالقوة ، وحينما ينتقل من الدور هذا إلى جانب الفعلية ، فلا شك تكون أوامره شرطية إلزامية ؛ لأنها إنما تقيد الارادة والحرية ، إذا هما يصبحان جزءاً من كل ، وتبقى الأحكام العرفية حاجات ضرورية حالما لا تكون فيها معارضة مع أصل الاحكام النبوية الطبيعية الالهية ؛ فتقرر على أنها من الطبيعة ، وتصبح كذلك احكام وجوبية ، كما في كل التعهدات والالفاظ الدالة على صيغ المعاملات العرفية ، لأن كل شئ سابق لها في الطبيعة ، إنما يعمل تبعاً لقوانين وليس ثمة إلا كائن عاقل واحد له ملكة الفعل تبعاً لتمثل القوانين عني المبادئ العامة ، وهي لا تكوزن فعلية إلا بفعل الارادة التي تجعل من لقانون موضوعاً إلبزامياً في الخارج ، يحدد لها قواعدها ويعطيها الصفة الكلية في اشباع الفكر بالقانون . ولهذا فهو لايكون أعلى منها بالذات لشرط الممانعة الذي قلنا به ، ولكن باعتباره صفة موضوع من موضوعاتها ، التي ينجم عنها زيادة الفكر باتجاه الكون منه متشابه بالذات منها ، ولو على سبيل الوجود الخارجي ، كما في كل الوجودات الطبيعية المخلوقة .

ولكنه لها أيضاً يصبح غير فعلي لشرط كون الاوامر التي تخص الطبيعة مشروطة بقانونها العام ، بشرطه الذاتي وشرطه الموضوعي ، ولذلك فليس كل الأوامر إنما هي موضوعات ممكنة في واقعها المناسب لذات القانون الطبيعي البتة ، هذا الشرط ليس ضروري على الدوام وليس هو عملي إلا ما يقره العقل ، فما هو دون ذلك فشئ يرد إلى الوجود الكلي ، الذي ليس بالضرورة أن تكون الاحكام تابعة له او على الأقل مراعية لشرط وجوده ، إذ ذلك علة أخرى وعملية أيضاً داخلة بلحاظ شأنية الخلق القبلي في تناسب الوجود مع الطبيعة ؛ ونريد بهما موضوعهما الكلي لا الجزئي كما نرى . وإلا لكانت الاحكام ممكنة في بعض وجودات الطبيعة كالاحكام المتلقة برعاية المصالح الجوهرية للطبيعة المهلوقة ، والتي هي منها بالذات كوجود التقابل مع أفتراض كون العلل التي سببتها بلحاظ حيثية الوجود الكلي ، كما في كل المسائل الحقيقة ، وبهذا الاعتبار فيصبح موضوعها هو تمام الوجود الطبيعي ، الذي يمكن فيه اعتبار الاحكام صيغاً لسر الوجود . وهذا التصور يتحتم اعتبار كل الوجود موضوع بفضل حكماً الاوامر والتعاليم التشريعية ؛ لكي يسوق الحكم على الطبيعة وذاتها ، وعلى الافعال من هذه الوجهة .

وهذا يفضي بطبعه إلى التصور الأعم في نوعية الاوامر والاحكام المرتبطة وجوداً بمملكة الغايات ، التي يخضع لها بالتصور كامل المخلوقات الطبيعية في الذات وفي الموضوع . كما أن أحكامها تجري عليها بالتساوي يعني من دون تفاوت او شدة وضغف غير مبررين ، كما أن الضرورة العملية لا تدفع بالأكراه للترغيب او القسر ، لأنها ذاتاً تمتلك قانون يصونها من الأخطاء وهذا القانون يمكن اعتباره ذاتياًَ لدنياً ومكتسباً ، إذ هو موهوب على أي اعتبار أدرجنا على استخدامه بلفظة العصمة ، ما فهي بالمورد الكلي تشريعية كباقي الأحكام . إذ قلنا أنها بلحاظ جهة التكوين منه تكوينية لا انها أمر التكليف له ، وهذا ما أبطلناه سلفاً ،

يبقى هنا أن نوضح على الأجمال ماذا نعني بالعصمة ؟

يجب التأكيد على الحقيقة الكلامية . أن كل أمر في الطبيعة يخضع لحقيقتين رئيسيتين أحدهما : تكوينية والأخرى : تشريعية .

وفي مدار البحث الذي نحن بصدده يظهر أنه مرتب بالتشريع ، ولكنه غير الذاتي أي الموهوب والمكتسب ، وهو الذي يتعلق بالفرد المصطفى من قبله تعالى ؛ والذي عليه الجمهور من المتكلمين هو أنها ثابتة عن الذنب والخطأ والسهو والأشتباه ، وهذا الرأي كانت ، أراءه سائدة بعد تدوين الفترة التشريعية في حياة الإسلام ، وقطعاً أن رأيهم بما هو فيه موارد إيجابية وأخرى سلبية ، إذ هم اعتمدوا في الاكثر الأعم من براهينمهم واستنتاجاتهم على مواقف وروايات غير صحيحة من جهة السند واعتمادهم على مواقف ارتجالية هادفة على أكثر الظن للرد على ما سواهم من الفرق والمذاهب ، وهذا على ما هو عليه يورد جملة احتمالات وبحوث تحقيقية تتعلق بالاصالة والعرض في منطق العصمة . ومن هنا برزت مدرسة كانت سائدة في عصر الإسلام الأول وجمهور المحقيقين من المتكلمين المتأخرين ذهبوا إلى التفريق من جهة المنطق على حيثية العصمة كامكان متفرق احتمالي ؛ مستدلين في ما يقولون على روايات تأريخية صحيحة متواترة ، تسلب المتكلمين حجيتهم الاستحسانية ، كما في مسألة العلاقة بينهما ، ووجود ظرف الطبيعة المخلوقة إزاءها كما هو قضية مالك الأشتر ، ومواقفه من أرسال جرير بن عبدالله البجلي إلى معاوية أو قضية الهدنة بين قيس بن سعد بن عبادة مع بعض أهالي مصر وموقف أمير المؤمنين (ع) في ذلك . أو قضية غطفان وسعد بن معاذ إلى مئات الحوادث المشابهة التي تنقل بتواتر واتفاق ، مما يؤكد من دون ريب على امكانية كون العصمة عن الذنب والظلم أقرب فيها إلى مفهوم الإنسانية من جهة التشريع ؛ لأن المورد الإجتماعي والعرفي وهذا ليس نقصاً في شخص النبي أو الإمام كما يذكر ذلك القرآن في قضية موسى (ع) فالوجود ممكن بحد ذاته قائم بفعل الإنسانية والتكليف ، وهذا الرأي ما عليه خيرة المحققين واصحابنا المتقدمين . وما يفيه من تعريف العصمة خصوص مورد الذنب والمعصية . وعلى أية حال فمن أراد المزيد عليه بحوث العلماء والمطولات في علم الكلام والتاريخ ، وسيجد أن الأمر دائر مدار الضرورة العملية ، فمتى كانت وجبت كما في كل الموضوعات المعلقة بالذات ، وهي عليها بمثابة الاصالة المطلقة ، والحق فيها ثابت لا ريب فيه . وما عليه العامة باطل لأنه يوجب القول في شخص النبي ، وهذا ممتنع من جهة القوة ومن جهة الفعل ، إذ أنه ينافي أولاً مبدأ الرسالة وأمر التبليغ . وثانياً يقف على كل جزئية ممكنة ؛ بحيث يجعل الاحتمال مورد الصحة في حين الواجب ان يكون اليقين هو مورد الفعل من جهتيه . وعليه اقتضى  الايمان بالعصمة بالعقل والنقل ؛ فقد جاءت روايات متواترة على ذلك والبحث يتعلق بالعلم ايضاًوسنجمله بما يأتي : وعلى ما ذهب إليه المتكلمون من الفلاسفة زيادات تتقارب إلى حد مع محدودية التصور ، فكان دأبهم في مرحلة التقرير ؛ جعل ما توصلوا إليه حجة على الآخرين ، ومن هنا كانت الموجودات الطبيعية موضع تأمل تامين . فكما أنه قلنا لابد من كون القبول بما يكون شرع تقبل عقلي له أسس وثوابت غير متغيرة كما في مسألتنا هذه ، والذي يظهر أن العلم على نوعين أما ذاتي أو غير ذاتي ، والذاتي للانسان ممتنع لنتافي ذاته مع طبيعة الإنسان ، فصار هة على تلك باطل وجوداً له لاقتضى لزومه مشاركة القديم المتعالي .

وهذا قبح كما تعلم ، بل ما في تصريحات أساطين العلم التأكيد على ذلك باعتباره سلبي الموضوع والحكم في القياسات والبراهين والحدود ، ولهذا فهو ممتنع وجوداً بل لا حجة على وجوده في أفراد الجنس الإنساني دون استثناء ؛ للزوم المشاركة وهي باطلة . ما غير الذاتي منه فهو له باعتباره وجوداص محض خاص التكليف وجوبياً ، وهو بما فيه ينقسم إلى نوعين : أحدهما لدني والاخر اكتسابي ، وهما فيما هم وجود متمحض فيه للزوم القاعدة والأصل ، وما في الأخبار والتأكيدات الكثيرة بل ما في الأقوال لدى اصحاب النظر لزوم ذلك له لنحوين أولها شرطية الدعوة ولزوم التبليغ . يقتضي العلم بالمبلغ كما يقتضي النهوض بالأوامر كما هي في الحكم والموضوع ذاتياً ، وثانيهما لزوم كون الوجود من جهة التشريع تام فيه للأصل ولنوع الاقتضاء المنوط به ، وذلك مع الأول لازم له كلزوم الشرط لمشروطه . من هنا ظهر على أنه تام له بالأجمال مردد له بالتفصيل ، إذ مقتضى هذه القاعدة تناسب وجوده التناقض بينهما عند العقل وفي الصريح اللامسؤول حسب الظن ، فهو عليه وإلا لزم القول به كما تقدم . وهو مذهب الاصحاب عندنا ، بل هو ردٌ على ما ذهب إليه العامة في النفي المطلق . ومع الحدود الواردة في الذكر لأن ذلك يلزم نفي العلم منه باعتباره وجود غير الوجودات الأخرى ؛ إذ مع التساوي لزم كون نفس حجة . وهذا باطل تشهد لذلك روايات واخبار وصحاح مختلفة ومتواترة ، وما يؤيده العقل أذن ظهر كون القول بالاطلاق يحتاج إلى دليل غير الأدلة الارتجالية . وأيضاً فالتقيد باطل لأنه يسلب الحجية منه على الاطلاق وفي كلا الحالين باطل عليه من وجهين : الأول كون الادعاء المتقدم ينافي من وجوه الطبيعة الممكنة والنفس الداعية ، والثاني كونه تصوير لمذاهب المتكلمين التي لا تعتبر أقوالهم حجة على الآخرين في مجال الأصول العقيدية . وهذه هي تصريحاتهم أي أنها ليست بعيدة عنهم بل ما في تأكيداتهم المتكررة .

إذن صار لزوم تشارك القول بكون علمه لدني واكتسابي في آن معاً ؛ أي أنه على الاجمال وفي جميع الاحكام والموضوعات فهو يلازم من باب المرحلة الأولى عنده في العصمة التي ينبغي لها هذا وإلا كان وجودها فيه باطل وذلك ممتنع كما مر بل الذي عليه الجمهور ما قويناه بناءاً على أصرح الايات واكثرها بياناً ، فهي لم تحدد الأمر بل قيدته بالغيب . مما يكون علمه اجمالي على أصح الأقوال . وقد دلت الآيات على ذلك بل أن جميعها يأتي بهذا السياق فمفاتيح الغيب عنده كما أن الاحاطة بعلمه يحتاج إلى قوة منه ، وإلا فهي باقية على حالها كأصل النبوة والغيب والشهادة والمبدأ والمعاد وما إليها كثير ؛ لأن قوة الفعل فيها يرتبه الوجود المطلق الذي يأخذ بالحسبان أن مسألة الخير العام كله هي منه في علمه الخاص ، أي أنها ممتنعة وجوباً على سليمان (ع) مع كونه يمتلك مما أرتضاه الكثير فهذه ليست تبيان لها من باب تخصيص العام بل هي نتيجة وجود طبيعي دائم مستمر يتعلق به وبغيره ؛ إذ علته عامة قاهرة يشهد لذلك ما في نهج البلاغة من صريح التخصيص وابانة المطلق . فالكينونة منه بمثابة وجود يخص العلم بها بما هي ، وإلا ما كان علمه منه إذ لزومه متقدم عليه وهذا محال مع كون العلم بهم منه فهو إذن عالم به من كينونته التشريعية ، فهي غير ممتنعة . فهذه الوجودات صريحة لا تحتاج إلى تأويل مخالف لظهورها ، أذ ثبت أن الظهور حجة إذا لم يأت ما ينافيه ، ومع العدم نقطع بالثبوت الاستمراري الذي فيه مجال التفكير العقلي أوسع لأنه أقرب إلى صدق القضية  كونها موجبة فيه سالبة على غيره . وهي باطل كما قدمنا . والعقل لايكون قاض على خلاف القرآن  بل هو دليل في الكشف ، لا حجة في الوضع المخالف للصريح مما يثبت أن حجية المتكلمين عاجزة عن النهوض بعدما وضح كون رأيهم في المسألة هو الذاتي ولأن الآيات الكريمة لم أجد من المفسرين والمحققين منهم من يعطيها خلاف ظاهرها ، كما في الآيات الشريفة التالية : قوله تعالة : [ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ]

فهذه الآية صريحة الدلالة بأن الغيب منحصر به بحانه ولا يعلمه أحد من خلقه ، وعمومها يشمل حتى الانبياء ، وأيضاً قوله تعالى : [ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ] وهذه صريحة أيضاً بأنحصار علم الغيب بالله ، ولو كان ذاتياً لهم لاشتركوا معه سبحانه بهذه الصفة ، بل لعله قد اعترف عن نفسه أنه لا يعلم الغيب كما في قوله تعالى : [ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ] ومنها يظهر كون الذاتي منه ممتنع إلا له وهذا أصرح فيما نحن فيه كما أن قوله تعالى : [ وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ] يبين أنه لم يكن ذاتي بل أن علمه منه كما في قوله تعالى : [ فلا يظهر على غيبه احد إلا من أرتضى من رسول ] وهذه تخصصها عبارة نهج البلاغة بل أن أقوال العلماء مجتمعة على مما ذهبنا إليه .

وبهذا يثبت إن علمه منه متعلق بما يوحى إليه ويلهمه به ، ولا يعقل كونه خازن علمه دون علم به منه سابق عليه كما في كل الاعتبارات الحقيقة الواردة في المسألة ، وأن نوقش فيها على خلاف ذلك ولكنه يبقى ليس صحيحاً لأننا نرى ان الحقيقة وجود خالص لأنها علة وجودية في الطبيعة ، والاعتبار متعلق بها على نحو العاقلة ، ولذلك تبدو معها تامة الشرط مما تمثل قدرتها تمام القوة فيها ؛ لكونها منها لا غريبة عليها ، وهي بُعد من الضرورات الطبيعية التي تملكها العلة التامة القائمة في جميع الكائنات المخلوقة المجردة عن العقل ، او غير المجردة عنه ، فإن عملها لا يتحدد بل لا تقيده إلا الضرورة العملية ، لأنها تؤثر بها في الجوهر وهي بعد ممتنعة في قضيتنا . ولأن تصور العلة في ينطوي في ذاته على تصور التصريح وبمقتضاه يلزم لحدوث الشئ الذي نسميه معلولاً أن يكون ثمة شئ آخر يدفع به ، فإن نفس التصريح الوارد في الذكر ليس خارجاً عن طبعه وروحه ، بل على العكس فهو منه لأنه يعمل بالتكليف فيه بمقتضاه ، وليس هو أيضاً نوع خاص على الدوام ؛ بل الذي يشير إليه التصريح فحوى العموم . إذ لولا هذا لقلنا بإيراد علل غريبة وذلك عدم خالص ، لأن الضرورة الطبيعية فيه هي تابعة للعل الفاعلة ، كما أن كل معلول ليس منها ليس إلا تابعاً لهذا التقرير .

فهي ليست إلا تحديد ممكن يناسب الطبيعة والعلة الفاعلة فيه لأنه منها تتألف لا خارجة عنها فينبغي الإيمان بذلك والعمل بمقتضاه لأنه الموضوع الرئيس فيها ذاتاً ، كما في كل الأشياء القريبة ، والتي يمكن للعقل البحث فيها ، ثم لو كان العلم من أمره الثابت المقتضي لما احتاج إلى التعليل بالحدوث لأنه بالواقع بما هو حادث والحادث بما هو حادث هو الحدوث والتجدد . وهما ذاتيان للخلق وهما عليه ممتنعه لكنها ممكنة منه لأنه ليس موجود فعلاً إلا حيثية وجوده ، لذلك كان منه على الاقرب من جهة الخلق وهو عندنا أصح الأقوال لأن نسبته إليه نسبة العلم إلى العالم بالذات ، لأنه عالم أمره لأن وجوده متأخرة عنه وهو مقدم عليه ، والعلم حادث في الجنس الإنساني لذاته بمعنى أن ماهيته الحدوث والتجدد ، فإن كان ذاتياً لم يكن لأنه لا يعلل مع العلم بأن العقل لا يجزم بوجوب العلة إلا للمعلول الذي يتجدد ؛ أما المعلول الذي هو نفس ماهية التجدد والتغيير فلا نجدها نحكم عليه بذلك ، مع إن حدوث العلة التي يفتقر إليه المعلول الحادث لا يلزم حدوثاً زائداً ، الأسفار العقلية الأربعة لصدر المتألهين ،

وهذا الاسرار واقعة في مداخل الوعي المقدس ، وتشكل ميثولوجيا الحق في عناصر الهيئة المخلوقة وطبيعتها ، لأن الإنسان على ما رأينا إنما يفكر في ذاته ، داخل الوعي لتكشف الاسرار بسيكولوجية عالمنا الإنساني المحدد ، وليس هي مسرح خاص للتفكير الانطلاقي ؛ إذ أن الفكرة كانت عند الاغريق توجه خاص . وهي عند اللاهوت المسيحي ميثولوجيا خاصة بالفكر دون مقدماته ، وعلى أي اعتبار ، فالوعي يوجد عند التراجيدين الذين ربطوا الظاهرة بوجودها ومدى استيعابها من قبل الذهن الإنساني .