النبوة وأسرار الملكوت :

إن النبوة بإعتبار جوهرها أي من حيث أنها بعثة تفعل فعلها ، من ذات القدرة المودعة فيها وموهبة والنبي بهذا النحو ؛ إنما يفعل بحكم الوجود والطبيعة التي تتم فيهما جميع حركات النبوة العامة . فالاحكام الالهية لا تستطيع أن تصل إلى مكنون الطبيعة إلا بغلة خارقة للتصدي ، من جهتي الإيمان بالوجود الكلي والوجود الجزئي وهما بمثابة تعلق نفس الحقيقة النوعية بالوجود ، ولأن صيغة الانطلاق قائمة بفعل النور والأ سماء والصفات ، كانت التجليات أكثر انكاشافاً من الظهوريات العادية ، إذ ان تلك ستكون بالذات والفعل . إذ القوة منضمة لها بفعل طبيعتها التامة ن فعموم الواقع لا يمكن التجاوز عليه إلا بعلة إيجابية ، لا تخالف القوة في نفس الوجود العام . وهي لا تقوم إلا به لأنتفاء احتمال كون العموم علته سلبية ، لأنها لا توافق نفس وجود الطبيعة الثابتة بل لأن العموم الوارد يجب أن تكون علته أكبر من الوجود الثابت ؛ حتى تصبح الصفة النبوية منه لا من وجودها الذاتي ، وذلك ما أشرنا إلى صحته وبطلانها من جهة الوجود المجرد ، وأيضاً فهي كمال محض لتجلي الكمالية المطلقة في هويتها ، وإلا لامتنع نفس الكمال منه ن لأنه سيبقى مردد بصحة الوجود وظرفه والذي يستأنس له وجوده بحد الطبيعة الممكنة وكماله فيها بالضرورة ؛ لأنه مع الافتراض انه يمكن للإنسان ان يعلم أنه مُحرز للنعمة ، فإن النعمة تحصل في النفس بماهيتها ، وأيقن معرفة للنفس معرفتها ما يحصل فيها بماهيته ، ولكن هذا للإنسان أن يعلم أنه حاصل على النعمة ، فقد يختص الله بعض الناس بأن يوحي ذلك إليهم ، حتى تبتدئ عندهم بهجة الاطمئنان في هذه الحياة أيضاً ويواظبوا على الاعمال العظيمة باوفر ثقة وقوة ، ويصبروا على مكاره الحياة الحاضرة ؛ على حد قوله تعالى : [ ولئن شكرتم لأزيدنكم ]

وثانياً يعلم الإنسان شيئاً بنفسه علماً يقيناً ؛ وبهذا النحو ليس يمكن لأحد أن يعلم أنه محرز النعمة ؛ إذ ليس يمكن أن يُعلم شئ علماً يقيناً ؛ إلا إذا أمكن الحكم فيه بمبدئه ، كما تُعلم النتائج البرهانية علماً يقيناً بالمبادئ البينة بأنفسها ، ولا يمكن لأحد أن يعلم أنه عالم بنتيجة او كان يجهل مبدأها ، ومبدأ النعمة وموضوعها هو الله ، الذي يجهله لفرط سموه كما في قول أمير المؤمنين (ع) ؛ ( أن الله لا يدرك بمشاهدة العيون ) لأنه عظيم فوق ما تعلم ؛ فتكون الحالة متعذرة على وجه اليقين في حضوره وغيابه

 وثالثاً : يعلم شئ ببعض الادلة علماً حدسياً ، وبهذا النحو يمكن لانسان أن يعلم أنه حاصل على النعمة ، أي من حيث يشعر أنه يلتذ بالله ويحتقر الأشياء العالمية ، ومن حيث لا يشعر في ضميره أن عليه ظلم كقوله تعالى : [ وهو مطمئن بالإيمان ] أي لأن الذي وجد فيه عذوبة الإيمان المطلق الذي يفقده شعور الاحساس باللفظ المقهور عليه ،

ولكن قد ترى هذا نقصاً ولكن تحصل فيما تقدم بأن ما يحصل في النفس بماهيته يعلم بالتجربة ، من حيث أن الإنسان يعلم بالأفعال الباطنة كما نعلم وجود الارادة بفعل الارادة والحياة بإفعال الحياة ، وهذا هو حقيقة العلم اليقيني المتعلق بحقيقة الإيمان ، لأن اليقين كمال للعقل الذي هو محل هذه المواهب ، ولذلك فكل من يحصل له العلم فهو يتيقن حصول ذلك ، وليس الأمر كذلك في النعمة لأنها كمال للقوة الشوقية التي هي من الوجود لكنه الوجود ، الذي يخص الهيئة الذاتية لفعل الشرط وأمره ، لاكونها من أمر الشرط المطلق ، الذي يمثل القوة الفاعلة في المبدأ ، فهي تتمثل في الكلية لذلك تكون صيغة الامر فيها وجوبية الاختيار من القاعدة المتحركة ن كما لو كان الوجوب يترتب بقوة القانون الطبيعي الكلي فيكون مرموزاً له بوجه الكلية لأنه من الوجهتين قابل للاحتمال ، ولأن النبوة في طبيعتها إنما هي غاية أمكانية في ذاتها ، فيكون حركة الكل بإزائها حركة الغايات المجموعة في نسبتها إلى الوجود والطبيعة .

ولهذا فتكون قابليتها ككونها مبدأ أنتقالي حر شعوره بالوجود التام مع وجوديتها بالغاية في حدود الامكان الذهني المتعلق بنا . لأن القوانين المسيرة فيها وجودية عامة هي بمنزلة الأصول الاولية ، التي هي كون طبيعي للأصول الوجودية فالقضايا الوجودية هي المبادئ كما تعلم لسائر القضايا الميتافيزيقيا كما كانت حقيقة الوجود المبدئي في سائر مجالات التفكير والواقعية ، لكون حقيقة الجوهر واحدة مهما تعددت الطبائع فالوجود المتعدد لا يعطي للجوهر المطلق ظرفية الاختلاف كما لو كان التفسير للملكوت الحاجة الاعتبارية أو الجوهر الحقيقي ما دام البعد فيهما المجال الميتافيزيقي نظرية وفلسفتها داخل اطار الملكوت المعظم إذ لا يحتمل كون البوح فيها قائم على فرضية الجدل المنطقي الصوري . فالأصل هو كون التفكير فيها ينبعث من ذات الرابطة الصانعة لها فكراً وعقيدة ؛ أي أن الاصل هو التلاقي بين الاسرار الذاتية والاسرار المخلوقة ؛ فتنكشف الحقائق بالعقل فتكون المخلوقة ذاتية كما في مجالات السلوك العارف بالوجود الكلي ، الذي لا تزيده المشاهدة يقيناً ولا حتى الرؤية الانكشافية تصديقاً للتصور الذهني المرموز ، بل أن كل النور يصبح مظهر الوجود والتفكير وتصبح نورية النفس مرآة لانعكاس السر في الحقائق الخارجة عن طبيعة النور المخلوق ، فتظهر له كما لو كان الظهور في الطبيعة الخالقة وكأن النور هو ذلك الفيوض الأكبر المشعشع بوجوده على الطبيعة فتكتسب سر وجودها وتكون هي هو والعكس مظهر للأخر حيث تكون المثلية بينهما وقد أشير إلى المعنى هذا بروايات واحاديث صحيحة ، النص والدلالة ، فتصبح تجليات الوجود النوري هي عين تجليات الذات المقدسة ، لكنها لا بالعينية المحضة ، إذ عليها ذلك ممتنع بالوجود الخارجي ، لكنه ممكن لنفس تلك الذات بالوجود المشاهد في الصور والهيئات الممكنة التجلي فيها كما في خطابه ؛ [ إني أنا الله ] لأنه بعينه ممتنع لكنه بالتجلي وجود في النار وعلى الجبل ، فهو له ممكن بأمكان الوجود الواحد الذي فيه لن تراني ولكنه أيضاً يضل ممكن بانظر إلى قمة الجبل فسوف تراني فهذا عين المكاشفة الباطنة لسر الملكوت المطلق ؛ الذي فيه ممكن كما لو كان ليطمئن قلبي مع أنه وجود مترسخ من هيئته الثبوت اللامنسوخ ، ونفس صورة التمثيل لمشاهدة الاحياء تجلي للمكلوت في قدرته المتبادلة بين صورة اليقين العارف والمعرفة اليقينية للنبي على ذاته لا معرفة في ذاته ، أي كونها هي بالذات فذلك حسب ما يظهر أنها محالية ممتنعة لكونها سالبية كلية لا لكونها ممتنعة عقلاً بل طبيعة والعقل كمال الطبيعة أقتضى كون الطبيعة ممتنعة لوجود الملازمة في الحسي ضمنهما وإلا فما كون الوجود مخلوق منه ، موافق لهيئته موافقة الطبيعة لأشياءها المتعددة كما لو كان المجموع أجزاء منفصلة بحكم الضرورة الكمالية له .

إذن فكون ذات الوجود واحد أقتضى كون قوة من حيث هي هي لا يصدر عنها إلا فعل مخصوص واحد ، لأنه لولا وجود شئ مشترك بين النبوة والملكوت يكون كالمدبر لها بأسرها . وإلا لآمتنع وجود المعاونة والمدافعة من سره له لأن فعلة إذا لم يكن مرتبطاً بمصلته التي تشترك من حيث الوجود الطبيعي تختلف بالآلية ، وجب أن يحصل بينهما هذه المعاونة وإذا ثبت وجود الاشتراك أما ان يكون جسماً ، أو حالاً في الجسم أو لا جسماً ولا حالاً فيه . والقسمان الأولان باطلان بما ظهر من وجودية الكل واختلافهما جوهراً وماهيته بالذات . أما القسم الثالث فممكن لأنه يكون مشتركاً كالنفس فيه لاسرار وجود المكلوت ؛ لأن النفس هنا منه علة لوجود علتها التامة ولكونها علة لوجود هذه الأسرار الملكوتية ولان العقل الفعل هو مبدأ جميع الوجودات فيلزم كون النبوة معلول لها ، لأنها منه متعلقة ولا صيرورة لها بدونها كما لو كان التركيب متعلق بالفاعلية منها ، للقابلية لها وليس فيه بأس بعدما تبين ان أصل الوجود الكلي منه بعلة وجوده ، لا بكونه معلول لفعلة على حيث المشيئة بل كونه متعلق بعلة الاتصاف الموجود للشئ بوجود لأثم الذي هو معلول له ، فظهر أن النبوة عالمة بوجود السر منكشفة له كما هي هي وعلمها به كما هو هو ، والأصل ذاتية الوجود وشرطه وموضوعية الفعل واطلاقه . وهي كما ترى مترشحة من العقل الفعال لأنه عالم بالقوة ولأن شأنيته ممكنة فيها ماهية كل موجود وصورته ؛ إذ لا أمتناع ولا منافاة إذ كون امتناع الشئ فيه ، إنما كونه ممتنع في ذاته الوجودي ، أو كونه شبيهاً بالعدم كالهيولي والحركة واللانهائية ، او لأنه شديد الوجود فتكون قوته تلك غالبة بفعل وجوده الوجودي ؛ الذي تمتنع من مجاورته الأنيات المختلفة ، ولكن كون عقل النبي أشعاع فيوضي لشعاع عقله الكامل ، تحصل كون المحسوسات وجودية بكونه المطلق ، التي هي معقولات باقوة لكنها محفوظة في خزانة المتخيلة ، وحصول هذه المعقولات هو عقل بالملكة ؛ لأنه كمال أول للعاقلة من حيث هي بالقوة ، كما أن الحركة كمال أول لما بالقوة من حيث هو كذلك ؛ فحصولها مما يؤدي إلى كمال ثان لها من حيث كونها بالقوة وهو كمال اول لما بالفعل من حيث بالفعل ، فالعقل بالملكة من باب الكمال ، العقلي في باب الكمال الوجودي المخلوق ، وهذا هو الكمال الآخر للعقل المنفعل بما هو منفعل ، لأن الأول له من حيث هو جوهر عقلي له صورة بالفعل ، وإمكانية الوجود بالطبع لها خاص بافعال الارادة التي تحصل الحدود الوسطى بالعقل بالملكة ، ويستعمل القياسات خصوصاً البراهين والحدود ،

فهذا فعله الارادي وأما فيضان النور العقلي فهو لم يكن ولا يكون بإرادته ، بل بتأييد من الحق الأول ، الذي به يتنور صورة الوجود وما فيه من العقول والقوى ، كما لو كان ذلك حصول كمالات نظرية وثواني عقلية كمال الاوائل الضرورية في اللزوم بلا أكتساب ولاروية . وتعلقها باكمال تعلقها بذات النور الذي منه بدات واليه الرجوع ، لأنها لا تكون واجدة لشرائط التحصيل الكمال المرتقب الانفس الوجود التام لها بشرط النورية ، وإلا كان مصيرها الغرق في بحر لجي ، وامتناع لنفسه أمتناع من كونه واهب لها بالروح فما كان معنى أتصاله به عبر مسميات الفعل المشاهد ، الذي منه تتعلم البشرية سر عالم الطبيعة اللامرئي واللامحدود ، واحاطة الذهن به أبتدأ يحتاج إلى علم بمقدمات وجوده ، ولما كانت تلكم ممتنعة لأصل ثبوت الوحي له تبدي كون الحقيقة في نوعيتها المشتركة التي توصل إلى جناب الله ن والأتصال من دون مانع داخلي إذ نفس المشاهدات للنفس تامة المبدأ كزنها موهوبة له ومكتسبة كون الأولى من الحق الأول والثانية منه من تكشف المشاهدات تكرار وهذا مع المشيئة فيه لا خلاف ، لأن الاعتبار فيها الاتصال بالمبدأ الفعال إذ هو هنا تمام عالم العود وصورته .

كما أن الحق الأول كمال عالم البدو وغايته فإن الغاية الكلية من إيجاد هذا الكون وموجوداته الحسية هي نفس الوجود لغاية العقل المكتسب والوهوب والاتصال بالملاء الاعلى والمشاهدات العقلية ، وتبقى كل التجليات الممكنة في صورة الوجود ممكنة من جهتين :

الأولى : إن ذاتها قائم بصورتها الفعلية لدية ، إذ لم تكن نفسها خارجة عن القوة ؛ لأنها بالفرض وجودية قبلية ، وأما كونها مجهولة الذكر لسياق اللفظ ودلالة المعنى العام ، الذي يوحي بوجودها لكون الوجود الفعلي وصورته هيئة منها وإلا أمتنع من رأس .

الثانية : أن لا يتعلق الفعل بذاتها كما لو كان الأمر يتعلق بالطبيعة المجردة ، مع أن فعلها تام الوجود لكون المنفعل به ثابت للهيئتين ولكنه لا يتقدمه بالرتبة ؛ كون ذلك فاعل في الوجود غاية في الايجاد كما لو قلنا أن نفس الفعل هو قوة أدراك الوجود والتفاعل معه ؛ أي أن الامتناع على حسب الفرض لو قلنا به لكان الشئ الممتنع خارج عن سر الوجود المطلق ، وكان كالضد او كالتقابل بين الوجود والعدم معاً . ولوجود مثل هذه الامور في الواقع يمكننا أن نحكم بأن الوجود تحتمه المصلحة ، وتقرره الارادة وهي هنا ممكنة بلحاظ كلية الوجود ومعقوليته أضف إلى ذلك أن ذاتية الحكم على الشئ يقتضي وجوده حال الحكم ، وإلا فلا شئ يمكن الحكم به وعليه ، كما أن ذات الادراك إنما يعي وحدة مطلقة بين الثبوتين وهما في العقل كالجنس العالي والفصل الاخير ، لأنه بداهة وجود قوة ذات تجرد المعقولات عن المواد وعوارضها ، وهذه ليست فارغة حسب الوجود بالجزئية ، وإلا لما كانت أحد ثبوتات الجوهر ؛ لأن التجريد لا يتم بالفعل دون سبب لقوة فاعلة فلم يكن فلذلك وجد قطعاً لا أمكان لتزاحم صور مختلفة على جوهر واحد .

ولكن ذلك بحسابها المادي ، لكن أمكانيته عقلية في نسبته للملكوت خذ مثلاً النفس وامكانيتها على تجميع أخلاق وصور وعلوم شتى ، بل أعراض مختلفة مما يتبعه قولنا بكونها لوح ملكوتي لا يتراكم فيها كما هو في الهيولي لكونها ترتبط بالعقل الفعال الذي يكتب صور من الحكمة والبرهان ما يشاء عليهما وبالنتيجة فإن الايمان بذلك هو فوق العقل البشري .فلا امكان بالوصول إليه إلا بالشكر ولأن الافعال لنا منه إنما هي فيض العقل الطبيعي ، الذي هو قانون للافعال البشرية فالحاجة إليها إنما هي سر من أسرار الملكوت ن لا يمكن معرفتها إلا بالنبي والعقل ، ولأن الاسرار تمنح فيها النعم التي لا تصدر إلا عن القوة الفاعلة ، فوجب كونها ضرورية بذاتها أي كونها بنحو الوجوبية التامة ، التي هي العقل الباطن كما لنا ، ولأن الملكوت لم يرسم كون دلالة النبي عليها من باب دلالة العقل على المعقول الوجودي ، وهو أرشاد للحكم بوجود الموجودات وحكمها الكلي ، ةعبادة لنفس المعبود الذي كان أمره من قبيل الاخلاص المتعلق بالعبادة والتوجه وطريقة الانتقال إلى جنب الله بصعود يقيني حاصل بالمشاهدة والتجلي الظهوري والا نكشافي ، وليس هو ممكن بذاته دون معرفة يقينية منه دالة وموجهة ، ولعلها كانت تحصيل حاصل في وجوده الفاني بوجود الله .

فلذلك كان قوله بحد نحن أسماء الله يعني هم طريق الله المؤدي إليه بأسمائه ، لا مونهم بالذات عيناً لها ، ولكن بالتجلي يظهر هذا لمن اعنيه كلامي من أصحاب المعرفة اليقينية .