النبوة وفلسفة التشريع

يطرح سؤال مهم حول ما إذا كان النبي هو صاحب التشريع أم أنه مبلغ عن الأحكام ومفسر لها أم أنه نسبة إلى الله خوفاً من البشر ؟

ولكي نجيب عن السؤال حريٌ بنا أن نوضح ماذا تعني كلمة النبي ؟

يسمي العبرانيون النبي ( نبياً) أي خطيباً أو مفسراً ، ويستعمل في الكتاب بمعنى مفسر الله كما هو واضح في الاصحاح يقول يقول الله لموسى : أنظر ، قد جعلتك إلها لفرعون وهرون أخوك يكون نبيك . وكأنه يقول : لما كان هارون بتفسره كلام موسى لفرعون يقوم بدور النبي ــ وتكون أنت ( ياموسى ) كاىه فرعون أي من يقوم بدور الله . ويضيف المترجم قائلاص ؛ في شرحه لكلمة نبياً هو عندما يكون الحرف الثالث من أصل الكلمة من الحروف التي نسميها حروف الوقف ؛ يحذف عادة ويضعف بدله الحرف الثاني ، فنعدما يحذف الهاء من لفظ

( جالاه) تصبح ( جوال ) ( وتصبح ــ ميفا) نويف ومنها أتت ( شور فطيم نف ) إي كلام أو خطاب ) . وقد فسر الحبر سليمان يارشي كلمة ــ نيفا ـــ تفسيراً جيداً ولكن ابن عزرا لم يكن على حق في نقده لنقض في معرفته باللغة العبرية ، ويجب أن نذكر أيضاً أن كلمة ( نبوءة ) لفظ عام يشمل كل أنواع النبؤات ، في حين أن الكلمات الأخرى تدل على معنى خاص ينطبق بعض منها على نوع معين ، والبعض الاخر على نوع آخر وهذا ما يعرفه علماء اللغة ومنه فالأنبياء هم مفسروا الله ، والمفسر هو من يفسر أوامر الله لمن يوحي إليهم ، ولمن يعتمدون على سلطة النبي وحدها للتصديق بما يوحي به ، فإذا أصبح من يستمعون للانبياء أنبياء كما يصبح من يستمعون للفلاسفة فلاسفة وسلطته بل يعتمدون على وحي وشهادة باطنة ، وكذلك يكون الحاكم مفسراً لقانون الدولة التي يحكمها لأن القوانين التي أعطاها ، بسلطة الحكم وحدها وبشهادته .

ولكن النبي عند العلامة الطباطبائي هو شرف العلم بالله وبما عنده ، أو هو الذي يبين للناس صلاح معاشهم ومعادهم من أصول الدين وفروعه على ما أقتضته عناية الله من هداية الناس إلى سعادتهم .

ولهذا فهو يختلف عن الرسول لكون الاخير هو شرف الوساطة بين الله وبين عباده ، أو هو حامل لرسالة خاصة مشتملة على اتمام الذي يستتبع مخالفته هذه أو عذاباً أو نحو ذلك ، كما في قوله تعالى  : [ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ] إذن يمكن الاجابة عن السؤال وحسبما تقدم من تعريف ان النبي يقوم الوحي من عند الله وهو في ذلك يقوم بدور ارشادي تجاه الأوامر المولوية ، ولن يكون أمره تعبدي محض ، لكن للنبي ذات الدور أيضاً ، فبعض أوامره تعبدية ، كما في مسائل الحرب والارادة . ونظام المجتمع الذي يخص الفعل بما هو أمام ووال للناس فيكون ( ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) إذا إننا نقول بحكم الطبيعة النبوة جزء من كل ؛ فالرسول نبي وليس كل نبي رسولاً بناءً على هذه القاعدة الأصولية فنظرية ما جاء به إنما هو أمر الله وأمر اللله أمر تعبدي كما مر ففعل النبي فيه فعل المرشد إلى الأمر أنه صاحب الأمر فالتشريع منه بالجزئية فهو ليس ضد مع نفس تعلق الحكم المشار إليه في أخبار عدة عن إن حرام محمد ، حرام إلى يوم القيامة وحلاله حلال إلى يوم القيامة . فالظاهر إن الحرمة والحلية ليست فردان لتشخيص النبي ، بل هي إرشاد أيضاً لأمر المولى ن ولكنها منه بإعتباره العالم بالحكم عن الواقع ؛ ثم إن نفس سياق الحديث عام مطلق يناسب الأمر الأرشادي تجاه المولى ،لاكونه حكماً منه بما هو بالذات لأنه لا يأمر بشئ منه إلا أن يكون هو فاعل للهداية عليه لا أنها أكتساب ذاتي منه ... وهذا القول يخص الاحكام الشرعية المنصوصة ، ولكن أكثرها مطلقة تحتاج إلى تقييد او توضيح أو جعلها دليلية للدليل العام ؛ فما يقوم فيه تفصيل للواقع لاخلافه ، لأن ذلك ممتنع كما تعلم بل الظاهر انه بمقام تفصيل الحكم على الحوادث المعينة ، بحيث يكون بمقام التشريع ، كما في التقرير والامضاء لفعل الآخرين ومع ذلك فالتقرير لا يأخذ الحكم الشرعي إلا بموافات النص العام  الذي يخصصه التقرير والفعل والقول ، مما يكسبه المقام التشريعي في هذه القضية وذلك منه بعد الثبوت والصحة تشريع واجب الاتباع ، سواء في مقام النهي او الأمر ، إذ يمتنع تطابق الأمر والنهي عنده في قضية واحدة ، ولكن لا من باب كونه ، لا ينطبق عن الهوى ـ بل إن هذه موارد اجتماعية محضة فحكمها منه ، تأخذ الطابع التعبدي الذي هو ذاتاً أرشادي .

وعلى ذلك جملة من الروايات المؤكدة لما ذهبنا إليه ، فهو في مقام تشريع لكنه تشريع من كونه منصوص عليه بالعموم ، فهو مبين للحكم الشرعي وأصله من ناحيتي الحكم وموضوعه أنشاءاً وجعلاً كما في كثير من الاحكام الخاصة بالعقود ، إذ اللفظ فيها ليس أمراً وجوبياً خاصاً لا يتعدى إلى غيره من الالفاظ اللغوية المختلفة الدالة على ما يراد من صيغته انشاءاً ؛ سواءاً أوقع في العربية او غيرها ، ما دامه يلزم الطرفين بصيغة يكون امضاءها والعمل بمقتضاها حكماص شرعياً واجباً ، ولا ينحصر الأمر بالعقود وحدها فشروط المعاملات جميعها جعلية منه تأخذ طابع الحكم التعبدي ، في حين هي بالذات أحكام ارشادية مجعولة ، يقوم فيها مقام المفصل للحكم على افراده ، ومنه قد تتطابق من ناحية الموضوع ، ولكنها تظل غير تامة إذا ما راعينا شروط الالتزامات العرفية والادبية ، فهي بحكم الامور الارشادية أيضاً مما يستتبع القول بالتشريع منه أيضاً .

إذن فلا خلاف من الناحية العلمية ، ثبوت الصيغة ، التشريعية منه لأنه لما كان هو مفسر لعبارات الوحي ، أقتضى بالبداهة أن يكون التفسير لا أخباراً فقط بل إلى أحكام يكون فيها رأيه هو الأمضى ؛ لآعتبارات كون فعله منه صادر عن الجنبة العليا ، لا وليس صدزراً من أسرار النفس المجردة ، فذلك ممتنع عليه ، ولكون الصدور يخص الكل بماهي طبيعة مطلقة مخلوقة ، فلزم ثبوت الحكم منه تجاهها على ما تقرره الطبيعة لا خروجاً عنها ، فإن ذات التشريع سواء في باب العبادات او المعاملات ن لا يكون أثره فعلياً إذا لم تكن قوانين الطبيعة إيجابية تجاهه ، لأنه لو كان تناقصاً حاصلاً بين الاحكام وقانون الطبيعة ، فوجودية التشريع تكون ممتنعة للزوم التناقض بين الوجودين ، ومعهما يبطل القول بالصدور مع ضدية القانون له ، حيث أننا قلنا بأن الحركة وذات الحركة إنما يسيران بذات القانون لا خارجاً عنه ؛ إذ الخروج معناه إيجابا سنة خلاف الطبيعة دون مبرر عقلي ، ولا لحدوث لقانونها مع ذات القانون مرفوض عقلاً حسب ما تقدم من التطابق والاتحاد القائمين به إذن ، فلا التشريع ممكن الوجود في مخالفته للقانون الطبيعي ن ولا آلية القانون تسمح بوجود التشريع المناقض لهيئتها الوجودية ن فنفس ما هية الطبيعة سلبية ؛ إذا كان الوجود لا إرادياً ودون أختيارها ؛ إذ هي عاقلة لأن نفس وجودها الكلي هو عقل صريح يلزمه مع وجود آخر أرادة وأختيار إيجابيين .

وإلا يلزم التناقض الذي يولد اللاثبوت في آلية القانون وآلية التشريع ويصبح الوجود كالعدم ، وهذا بإتجاه سيطرة الأصلح ؛ بل نعني به عكسية الوجود بين الذات الطبيعية وجوهر التشريع ، وهذا بروحه لا بطبعه يمنع الوجود من جهة التشريع بإعتباره أمر حادث تجاه الطبيعة المخلوقة وقانونها الثابت العام .

وقد مر اننا لانريد  بالثبوت حرفية المعنى بل من جهة كونه ديناميكي بالذات ، يوفق بين الوجود المخلوق والنظام الذاتي ؛ بحيث لاتكون قوى فيه متنافرة أو مضطرة على حساب قوى أخرى من الطبيعة ، ثم لو كان منه حيث هو بالذات فيلزم أن يكون التشريع محدوداً إذا ما أخذنا صفة الإنسانية فيه ، فهو قبل كل شئ يبشر له مواصفات وطباع أسرار الوجود النفسي البشري ، الذي يعتبر بمجموعة جزءاً من كل ، وإن أنطوى فيه العالم الآكبر ، وإن كان وجوده هو تجلي لوجود الله ، لكنه بالمقابل ليس هو صاحب قدرة التحكم بالمجموع دون أرشاد وهداية من الذات المقدسة ، أي أنه لا يكون فاعل بالفعل دون توجيه وهداية منه تعالى ، وإلا لزام وجود الفعل منه قبل بعثته ، وذلك محال في علم الطبيعة والوجود . ولكن قد تصدر منه بعض الاوامر الارشادية ، لكنها لا تكون احكام ترتب الأثر على الفاعل سلباً وإيجاباً ؛ لأنها بالذات لم تكن أحكام مولوية ، إنما كانت احكاماً اجتهادية خاصة ، وهي بعد لم تكن صاحب القدرة على ثبوت صحتها في الواقع ما دام العقل للجميع ، ليس واحداً بحيث يكون ما ثبت لأحدهم حجة على الآخرين . هذا كله قبل كون الأمر إلهي منصوص عليه بعلة موجبة معلومة ، فيكون في الحالة تلك أمر سلبي غير ملزوم الاتباع بنا هو هو . وأما الأمر حينما يرد بعد البعثة فلا إشكال .

يجب التفصيل أيضاً بين ما هو منه بالذات وضمن صفته البشرية ، وبين ما كان منه بالوحي فيلزم القول : إن الجانب التشريعي في الوجهين ثابت له علينا ، لكنه ليس منه بالذات مع دعوى القول أيضاً منه ذاتاً ، وهذه لا تتم إلا لأفراد معيني ولقضايا غير منصوصة أو هي من العمومات أو المطلقات ، فهي أيضاً منه بحكم التشريع المنصوص لا بنص من الكتاب بنص منه بصفته بني ، أما كون الأمر من الوحي له علينا فالمجموع بما فيهم شخص النبي مكلف الاتباع لحكم التشريع ، وهذا لا يمنع كون الحكم أيضاً منه ذاتاً ؛ فهو بمنزلة النص الكتابي ، وإذا كان نفس الاتباع وجوبياً إلزامياً في حالتي الأمر والنهي فماذا يكون مصير حرية الفرد ؟ هنا يجب التنبيه أن أمره الذاتي والمطلق ليس فيه على نحو ما تقييد للحرية بما هي فرد من الطبيعة المخلوقة في النفس . فهو بعد العالم بذات النفس ومتطلباتها على مستوى الحاجة والضرورة ، فلا ريب أن الحرية ستكون داخلة فيها بالمجموع ، ولهذا فلا تضاد بين صدور الأمر والحرية إذا كان الأمر تجلياً للوجود المطلق العارف بإفراده ، والأقرب إليهم من حبل الوريد كانت الحرية متضمنة لنفس المشاعر الكلية العائدة بالوفير من الخير  لذات النفس وضرورة الحرية فيها ، ثم أن التشريع لم يكن أمضاء لفترة ضمن حاجة خاصة تنتفي بإنتفاء سببها ، بل هي وجود ثابت لأنها من الطبيعة الثابتة والازلية ، التي توفق بين كون الوجود علة فاعلة في الأثر والمؤثر ، فكانت منه لأنها أيضاً من الطبيعة الثابتة ، فنفس التشريع على مستوى الفرد والجماعة لا يتخطى كون علته مخلوقة لأنها ثابتة تؤكد الحرية في طرفيها وتمضيها ، لكونها إلزام متبادل بين الوجود والطبيعة ، ولأنها حاجة عقلية كالحاجات الماسة في التركيب العضوي العنصري للناس ؛ أي علته العنصرية المركبة من الفعل والإرادة ، وعليه تم كون علة التشريع تامة لكونها مصدر لكل العلل في الطبيعة ؛ مما أقتضى تناسبها مع الوجود الخالص والطبيعة المخلوقة .

وأصبح الحكم منه لا على المستوى الفوقي المجرد ، بل هو منها ومن الطبيعة وقانونها ولولا ذلك للزم الامتناع والتناقض العقليين ، وإيضاً أصبح كون التشريع من النبي لا هو فعله الذاتي المحض ، بما هو وجود خالص فعله أرشادي للأملا التعبدي ، وقد يكون بذاته أمراً تعبدياص إن كان الحكم غير منصوص العلة أو انه فرع من أطلاق وعموم ، اي هو الكتاب الناطق فحكمه واجب الالزام في الأزامر والنواهي ، وعلى الصيغ المختلفة لأن الأحكام تتعلق به ذاتاً ككونه الملهم بها ، أو الملامس والنازلة عليه إلى غير ذلك من تجليات الذات المقدسة له ، وحتى تلك فهم يرون الاشياء الموحي بها كأنها ماثلة أمامهم .

كما يحدث لنا عادة في حالة اليقظة ، عندما نتأثر بالأشياء ، وهذا حاصل بفعل اليقين النبوي القائم على آيات ودلالات معروفة بالنور الفطري ، فحكمهم التشريعي يكون متوازياً مع ميل قلوبهم إلى العدل والخير ن ولكن لتعلم أن جميع الأموامر تكون أما شروطية  أو مطلقة ، زالاوامر الشرطية تمثل الضرورة العملية لفعل ممكن معتبر كوسيلة للوصول إلى شئ آخر يرغبه الإنسان ،والأوامر المطلقة بغدوا هو الامر الذي يمثل فعلاً كفعل ضروري بذاته ، ودون علاقة بهدف آخر ، كفعل ضروري موضوعياً ، وما دام قانون عملي يمثل فعلاً ممكناً كفعل خير وبالتالي كفعل ضروري لذلت قادرة على أن تتحدد عملياً بالعقل ؛ فإن جميع الأوامر هي صيغ يتحدد بها الفعل الذي يكون ضرورياً ، تبعاً لمبدأ إرادة خيرة على نحو ما . وإذا لم يكن العقل خيراً إلا كوسيلة لشئ آخر ، يكون الأمر شرطياً ، وذا تمثل كخير في ذاته ، وتبعاً لذلك كفعل متسق ضرورة في إرادة بذاتها مع العقل ، وهو المبدأ الذي يحدده حينئذ يكون الأمر مطلقاً ، فالأمر يكشف إذن عن الفعل الذي يمكن ان يكون خيراً لي ويمثل القاعدة العملية في علاقتها بإرادة لا تنجز فوراً فعلاً ، أما لأن الإنسان لا يعلم دائماً أن هذا الفعل خير ، وأما لأنه مع علمه بذلك فإنه يختار رغم هذا قواعد معارضة للمبادئ الموضوعية لعقله العملي .

إن الأمر الشرطي يعبر فقط إذن عن كون الفعل خيراً من أجل غاية ما ، ممكنة أو واقعية . ففي الحالة الأولى يكون هذا الامر مبدأ عملياً مردداً ، وفي الحالة الثانية مبدأ عملياً إيجابياً ن والأمر المطلق يعلن أن الفعل ضروري في ذاته ضرورة موضوعية ، دون علاقة بهدف أياً كان . أعني دون غاية آخرى ، له قيمة مبدأ قاطع عملي ، ونعني بالأحكام المرددة هي الاحكام التي فيها الاثبات أو النفي ، والاحكام الأيجابية هي التي يكون فيها الاثبات أو النفي كأمرين واقعين ، والاحكام البرهانية هي التي يعرض فيها الاثبات أو النفي كأمرين ضرورين ، والحكمان الأخيران ممكان في مسألتنا ، اما الحكم المردد ، فلا شك أنه لا اعتبار له أما كون أيراده في المقام . فما أقتضته فلسفة البحث والمنطق ، إذ الانبياء في مقام التشريع منزهون عن الاحكام الترديدية ، التي أكثر ما تقيد الظن وخلاف الواقع ، وهذا عكس الحقيقة النبوية . ويجب أن لا تغرب عن الذهن تلك الحقيقة الثابتة والقائلة بأن كل شئ في الطبيعة يعمل تبعاً لقوانين ، وليس ثمة إلا كائن عاقل واحد له ملكة الفعل ، تبعاً لتمثل الوقانين . أي أن له إرادة ، ذلك لأن العقل مهم في استمداد الافعال من القوانين ، فالإرادة ليست إلا عقلاً عملياً ، وإذا كان العقل يحدد الإرادة تحديداً لا يخطئ ، فإن أفعال هذا الموجود التي تعتبر ضرورية من الوجهة الموضوعية ؛ تعتبر كذلك من الجانب الذاتي ، فهي فعل لقواعد ذاتية ، موافقة مع إرادة الموجود المعني ؛ فهي منه ذاتية على عكسها تصبح موضوعية .

وهي تهئ للفرد بإعتبارها أحكاماً تامة الموضوع ، تعطي صورة محددة للسعادة البشرية ، التي تكون مطابقة تمام التطابق مع الطبيعة الذاتية للبشر وللاحكام ذاتها ، فهي لا تصبح أحكاماً فحسب ، بل انها تكون موضوعاً تحليلياً لميولية الفرد والجماعة ، وهي لا تتم في ظل فكرة الطبيعة الخالصة ، ما لم تكون سلطة التشريع ذات عقل له السلطة التامة على العلل الذاتية للمجموع وللجميع وبذلك تكون اكثر إيجابية وتوافق الطبيعة المخلوقة ويمكن الوصول إلى نهاية القول بان التشريع صفة ربانية يقوم الانبياء بدور الارشاد تجاهها ، لأننا لا نخرج الانبياء من كينونتهم البشرية ، بل بما هم كذلك ، إنما الحالة تستتبع الاصطفاء منه طعم ، كما في قولة تعالى : [ الله أعلم حيث يجعل رسالته ] . والكتاب يقرر هذه الحقيقة بطرق شتى ، فهم رجال لهم كل خصائص البشر ، يأكلون ويلحقهم الموت ويمشون في الأسواق كما يمشي غيرهم من البشر ، ويطلبون ما يشبع الميول والرغبات التي خلقها الله فيهم ، فيتزوجون ويتناسلون وفي ذلك نقرأ قول الله تبارك وتعالى :

[ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ] . فالتشريع منهم على سبيل الهداية إلى أحكام الله ولهذا فقد أخطأ الذين ألهوا عيسى (ع) فقال :

 [ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ، إنما المسيح عيسى أبن مريم رسول الله وكلنته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم ، إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ، له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ] .

ولهذا فلا نجد غير الاصطفاء تمييزاً لهم عن باقي البشر فالخصائص هي ذاتها ، لكنه بالأصطفاء جعلهم القدوة لكل من أراد لنفسه الخير . يقول تعالى : [ أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ... أولئك على الذين هدى الله فبهداهم اقتده .. ]

ولم يفت الكتاب العزيز أن ينبه على تلك الحقيقة ؛ كون الاحكام منه التي أيد بها بعض الرسل والأنبياء والتي تستعصي على العادي من الناس غنما هي من الله وبأذنه ن فما يجوز لنا ان نسلخ البشرية عن الانبياء لانهم جاءوا بها كما في قوله تعالى :

 [ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بأذن الله ] وأما أن التشريع منهم ذاتاً دون تكليف به لهم ، فذلك ما رده القرآن إذ جعل التكليف قائم لهم مع ما لهم من مكانة عند الله فهم مكلفين بمثل ما كلف به أتباعهم كقوله تعالى :

[ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إنني بما تعملون عليم ] ، وهناك صفة أخرى ؛ إن التشريع يجب أن يكون ضمن الجو العرفي والحالة الاجتماعية ؛ أي من طبيعة وجود النبي وقومه لا أنه عكس ذلك ، ولهذا فالوحي بالاحكام كان بنفس لسانهم تسهيلاً عليه بيانه لهم كما في قوله تعالى : [ إنا أرسلناك بالحق بشراً ونذيراً وإن من امة إلا خلا فيها نذير ] . ويقرر أن الهدف من وحي الله إليهم ، وما انزل إليهم من كتب إنما هو بيان طريق الحق في الوجود والطبيعة ووضع حد للاختلاف في منهجية الحق والقطع بالصواب للناس ن على حقيقة الوجود ، حتى لا ينكبوا عن الصراط وينحرفوا إلى الغواية والضلال ، إذ يقول تعالى : [ كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ] . وإذا كانت فلسفة التشريع متعلقة بالهدف الذاتي منها ، فلا ريسب ان اول امر يتعلق به الهدف ؛ هو أن النبوة لم تكن عملية خالصة ، مجردة تتعلق بشهوات النفس وانفعالاتها الخاصة ؛ بل هو عملية الايمان بنفس الوجود النبوي ، الاحكام الصادرة منه ، لا بما هو بشر ، بل بما هو نبي ، والذي يؤكد هذه الحقيقة أن جميع الانبياء كانت رسالتهم واحدة وإن الدين الذي أوحي إليهم جميعاً هو دين واحد . فهو إذ يقرر هذه الحقيقة يسبغ عليها الطابع الدائم فيقول تعالى :

[ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ] . وفي نفس السياق يقول : [ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي اوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ] . ومن البداهة ان محور التشريع يقوم على العبادة المرتبطة بالذات ، وبالتجليات الظهورية والانكشافية ، على وجه الحقيقة المطلقة . ولهذا فقد نوى من فلسفة الوجود التشريعي لا تعلق الفعل بالاحكام فيهم خاصة ، بل به ، لأن ذلك او وجد لكان تناقضاً وهو ممتنع عليهم كما مر ، وأنه بالفعل والقوة لا تناقض بين فلسفة التشريع ، وهدف الرسالات الآلهية فهو يقول :

 [ وما كان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ، ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون . ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ] .

مما تقدم يظهر أن اوامر الانبياء إنما كانت طبقاً لرأي الله سواء منها ما يتطلب أن تأتي الافعال متوافقة مع قوانين كلية ، كما لو كانت في سياق الطبيعة ، او ما يروم ان يكون للكائنات العاقلة الامتياز الكلي للغايات في ذاتها ، تستبعد دون شك بما لها من سلطة سائدة كل تدخل لمصلحة أياً كانت في صورة دافع ، لأنها تتمثل أوامر مطلقة ، ولكننا يجب أن لا نسلم بكونها مطلقة بما هي ، إلا إذا كانت صيغتها تدل على الواجب المطلق ، وذلك يفهم من اللفظ والهيئة معنى هذا ان الحكم والأمر لا تحدده الميول الحسية فقط ؛ لأنها لا تربط بموضوع الفعل المطلق عامة أي لأنها لا تكون مرتبطة بفعله وقانونه لأن صورتها التشخيصية ، إنما تحكمها الإرادة الذاتية المقيدة في الزمان والمكان . على أن لا يكون تصورنا بحث حول كون الارادة الذاتية هي صاحبة  سيادة التشريع ؛ لأنها غير ممكنة بذاتها محتاجة لغيرها ، لهذا تطلب وجود هيئة التشريع قوة لها فعل التأثير على الوجود بشرط وإطلاق أي أن تكون اوامرها منجزة لما هي فعل الشرط او فعل الاطلاق ما دام الاثنين هما قوة بالذات لتجليات طبيعته ، ولا فرق في ذلك بين كون الحكم بسيطاً أو مركباً ن ما دام صدوره من علة عاقلة مؤثرة ن ما يقتضي بالنهاية كون النبوة لا فعل التشريع بذاته ؛ بما هو هو ؛ لكنها تصبح كذلك إذا ما أسبغنا عليها طايع التبشير والانذار والدعوة لله فهي تصبح كذلك فلسفة فيها منجزة من خلالها ولعل الروايات والآيات توصل إلى هذا المعنى لتعليق الكل بالإرادة والاختيار الفعليين وهما ثابتين لاقتضى الموافقة بين الوجود والحقيقة ، وإلى ذلك ما ذهب إليه الفلاسفة وعلماء المعقول ؛ لأنهم علقوا الاحكام منه جميعاً . وما النبي إلا مفسراً او مترجك لهذه الاحكام ، على الصعيد الواقعي مراعياً نظام الضبط والربط لكل حاجات المجتمع ومتطلباته من حيث هي وجودية حقيقة .