فلسفة النبوة

هي المعرفة اليقينية التي يوحي الله به إلى البشر عن شئ ما . ولكن النبي ليس مفسراً لما يوحي الله به لآمثاله من الناس فقط ، لأن هذا الجانب منه نطلق عليه بالتبليغي ؛ لأن القدر الكتيقن من الخطابات والنصوص المقدسة لا تعلق الأمر بمجرد الفعل من أجل أيصال البلاغ للناس ، لنه منه أولي لتعلقه ذاتاً بأصل المعرفة اليقينية الغائبة عن الناس ، المتحصلة للنبي المدرك لها بالإيمان اليقيني . وقد جاء في القرآن الشريف معان مختلفة للنبي منها : التفسير كقوله تعالى : ( قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ) . وقد يأتي بمعنى التفسير للخبر كقوله تعلى ؛ ( قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من اخباركم ) التوبة (94) ويأتي بمعنى الأخبار من الجنبة العليا كقوله تعالى : ( قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير )

 ( التحريم : 3 ) ويأتي بمعنى الأظهار والكشف كقوله :

 ( سأنبك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) ( الكهف : 78) وتأتي بمعنى الدلالة والهداية كما في قوله تعالى ؛ ( قل أونبئكم بخير من ذلك ) ( 15 آل عمران ) وتأتي بمعنى التذكير والقول كقوله تعالى ؛ ( ثم إلىّ  مرجعكم فأنبكم بما كنتم تعملون ) ( لقمان : 15) وجميع هذه الآيات تدل على معنى واحد هو التفسير بمعنى الاخبار . ففي آية :

 [ كان الناس أمة واحدة ... بعث النبيين الآية ]  تتحدث عن المفهوم الواقعي لمجرى النبوة على الصعيدين ز فتظهر أن مفهوم النبوة الذي هو المعرفة اليقينية تتطابق تماماً مع المعرفة الفطرية ؛ لأن بالمعرفة بالنور الفطري يعتمد على معرفة الله وحدها وعلى أوامره ، ولما كانت هذه المعرفة مشتركة بين الناس . لنها تعتمد على مبادئ يعتنقها الجميع ، فإنها لا تمثل أية أهمية للعامي الذي يولع بالنوادر والعجائب ويحتقر كل هبة فطرية ويعتقد انه يستبعدها حين يتحدث عن المعرفة النبوية ، ومع ذلك فإن للمعرفة الفطرية نفس الحق الذي يكون لآية معرفة أخرى في أن تسمى معرفة ألهية . لأنها أثر من أثار الطبيعة الألهية بقدر ما نشارك فيها . وأثر أيضاً من أثار الأوامر الالهية ، هذه المعرفة الطبيعية لا تختلف عن تلك التي يتفق الجميع على تسميتها بالمعرفة الالهية إلا في نقطة واحدة . هي أن هذه المعرفة الا لهية لا تتعدة حدود المعرفة الفطرية ، ولا يمكن تفسيرها بقوانين الطبيعة الإنسانية من حيث هي كذلك ؛ لأن كل موجود يوجد في الله بناء على الاتحاد ، ولا يستطيع ان يوجد او يدرك بدون الوجود المفيض لنه ينتج عدد لا نهائي من الأشياء ، وعدد لا نهائي من الأحوال أي كل ما يدخل في نطاق ذهني لا نهائي .

وهذا يدل على ان المعرفة الفطرية معرفة آلهية تامة ولكن لا نستطيع أن نطلق على كل من له تلك المعرفة نبي لنه يصبح امكان وجودها في فرد له يقينه الخاص ؛ لكنه لا يملك الإيمان بالنبوة بأنها وحي من الله ، وهو فيها القائم بالتفسير ؛ لأنها قد تتحصل له بالنور الفطري الذاتي ، وهذا غير ممتنع إذ امكان اليقين الذاتي الذي هو كشف باطني عن السر العظيم وناموس الطبيعة الجمعي ؛ فهو ممكن بذاته لكنه ممتنع باتصافه بالوحي الخاص ، فالامكان فيه من وجهين أما الطبيعة التكوينية الخاص كالغرائز والفطرة التكوينية كما في قوله تعالى :

 [ أوحى ربك إلى النحل أن أتخذي من الجبال بيوتاً الآية ]  فالقدر المتيقن أنه الوحي هنا لا بمعنى الملاك والغمام ؛ بل بمعنى التكوين البيالوجي الطبيعي الذي قدر في سنته ؛ مترتب على الهيئة هذه ولا يشذ عنها ، ففيه إذن ليس بمعنى الملاك لأجل الهداية ، بل فيه الطبيعية المخلوقة الذاتية ، وهي مرتبطة به أرتباط الوجود بالطبيعة ، أو الالهام الذي يتخذ أشكالاً معينة حسبه وخياله وصورية وربما كلامية ؛ كما في قوله تعالى :

 [ واو حينا إلى أم موسى الآية ] فالوحي هنا لا بمعنى نزول الملائكة بل الالهام والالقاء بصورة معرفة يقينية ؛ فيها تمام التعليق بالنتيجة الطبيعية الحادثة وقلنا في البدء ان هذا لا يمكن إلا بمعرفة دالة على إيمان لسر الوجود وسر الطبيعة المخلوقة فهو هنا حسن ثابت موجب النتيجة يعلق القوة بالا طمئنان بالفعل في قلبها ؛ مما يجعل ذات الحس طاقة وقدرة في تلقي الايجاب المستنتج من طبيعة المعرفة الفطرية القائمة بالنور اليقيني ، يؤيد تفسيرنا روايات وصحاح متعددة بل ما عليه الجمهور ؛ إذ ما من أحد قائل بأن الملائكة قد نزلت عليها من الوصف الروائي الشرعي ؛ لكن لا مانع من استئناس العقل لذلك ، ولا ممانعة من جهة التحقيق واما دعوى نزول الملائكة عليها كما ذهب إليه نفر من المفسرين لا ينهض ان يكون دليلاً فعلياً مع أن التأويل المبني عليه التفسير يقوم على تعارض روائي ، وان صحت البعض فيقال على أكثر من حال انها من الآحاد وقطعاً من مجال الاثبات لا تكون حجة أخبار الآحاد ، كذلك ليست هي في مقام الثبوت موطن رجوع يطمئن إليه . إذن فنسبة الوحي لها على أساس ما ألقي في قلبها من اليقين الدال على معرفة فطرية ذاتية ؛ وهذا لا ترديد فيه بعد ما تبين أن النبوة يقين في المعرفة بداهة ان المعرفة قائمة على صحة الفعل والعمل ؛ لكن الأمر يدور بالتبع حول كونها ممكنة في الطبيعة بذاتها كما يرى بعض الفلاسفة ؛ او انها غير ممكنة في الطبيعة بذاتها إذا لم تكن هناك علة وجودية في احداثها كما يرى أخرون ؛ فالذي يرى ان النبوة قائمة في الطبيعة بالهيئة الذاتية لها ، قائل على أساس ان المعرفة بالطبيعة المخلوقة لا تمانع من كون التحقيق في الموضوع على عدد غير محدود من الاحكام . فالحالة الطبيعية من موضوعها بالهيئة العامة للنوم يولد حكماً من الخيال بحقيقة ثبوت الفعل منهم لمجرد الرؤية كما في قصة إبراهيم وأسماعيل (ع)

 [ يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك الآية ] وهذا في حده قائم بالقوة على الاثبات وصحته من المعرفة بالوضع الذي كان عليه إبراهيم (ع) ثم مقام الرد

 [ ستجدني إنشاء لله من الصابرين الآية ] فهي مقابلة لحقيقة ذات موضوع خيالي لكنه يقيني لوجهين كون صدق الخيال حقيقة من الطبيعة المخلوقة . وكون وضع الرؤيا في حالة النوم والتصديق بالفعل ثابت للطرفين .

اليقظة والمنام [ ان يا أبراهيم قد صدقت الرؤيا الآية ) فهو إذن منها لا خارج عن ذاتها ، وإلا لكان يلزم وجود عالم أخر تتعلق به الموضوعات وتكون الاحكام منه إلى تلك الطبيعة ؛ مما يولد انفكاكاً بين مفهوم الوجود والحقيقة . وهذا الرأي قابل للخدش من وجوه منها : إن الرؤيا لم تكن سابقة بالفعلعن نبوته في الطبيعة بحالتها الايحائية ، وأيضاً فليس هذا يوجب كونها بالذات منها على حسب المعرفة اليقينية ؛ بل انها قائمة على حقيقة الأختلاف بالبعث والوحي ، فمنهم رأى ومنهم سمع وكلم ، ومنهم من أوحى له بملاك إذ حقيقة الرؤيا والسمع والكلام لا ذاته المقدسة ، بل التخيل والحس القائم مقام الوجود الهيئي المشار إليه وإلا فذلك ممتنع لأنه ( إنك لن تراني ) . أذن فالامكان بالطبيعة حاصل ، لأن النبي لا يكون خارجاً عن الطبيعة وحدودها بل هو منها إذ ( إنما أنا بشر مثلكم يوحي إليّ ) فهو بحدود الواقع رجل من الطبيعة المخلوقة له ما لها من صفات كلية عامة ؛ فهو إذن من هذه الحقيقة لا غير ، وإلا أمتنع الوجود من رأس لأن محالية الوجود من العالم العلوي بصورة النبوة قائمة في الخلق وطبقات العالم السفلي التي ينبغي فيها الموافقة والانطباق بالهيئة العامة للطبيعة . إذن فبالأجمال الامكان الطبيعي وارد من هذه الجهة الهيولية للنبي ، لكنه ممتنع من كون النبوة والوحي أيضاً بفعل الطبيعة المخلوقة على القول بالمعرفة اليقينية المتحصلة بالنور الفطري ؛ إذ انه بالتجريد عن الوحي لا يوصف بالنبوة لوجوده منها : ان النبوة امر وفعل من العالم العلوي إلى العالم السفلي لأ مر يتعلق بالحياة والكون الكلي من ترسيم نظم وقوانين ثابتة لنهج وسلوك البشر ؛

يمتنع معها المغالطة وذلك بالتكوين ممكن مما يجعلها أمراً لفعل التشريع واجرائه ،  وأيضاً ان النبوة عملية ربانية خالصة لها شرائطها وأدواتها وأهدافها ، وإلا لو كانت من الطبيعة لاقتضى التعدد مع طول الزمن بناءاً على اختلاف المعرفة وطرق الاكتساب ، ولأصبح بالميسور القول بأن الفلاسفة وعلماء المعقول أنبياء ،

وهذا ممتنع بل هو خلاف السليقة والروح الباطنة وأيضاً لاختلف منهج التربية والدعوة والإصلاح كلاً حسب طريقته الحسية أو الميتافيزيقية او المادية الفيزيائية ... الخ من الطرق الممكنة في حين هذا خلاف منهج النبوة الواحد مع اختلاف الطريقة والتباين لكنه في الهدف والمضمون واحد . [ شرع لكم من الدين ما وصى به نوح ]  الذي أوحينا إيَّ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ان أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) وفعل النبوة قائم على إثبات الحق المطلق البرهان والفلسة الروحية .والخوارق والمعجزات والحكمة والموعظة في سياق ونهج واحد لا اختلاف فيه من نبي لآخر . من امكان الأختلاف في مناهج التغيير . ولكنها بالنتيجة تظل عامة وضمن الخط النبوة الكبير . أما من حيث الأمكان الذاتي في الطبيعة ، فهذا يعود بالكلية على الهوية الخاصة بالوحي فالمتيقن إن الوحي دليل النبوة وكل من ادعى النبوة فلا بد ان يكون له وحياص يتلقى من خلاله الأوامر والنواهي الألهية في هيئات ومكاشفات صورية ومعنوية ونعني بالأولى ما يحصل له عالم المثال من طريق الحواس الخمس ، يظهر منه أن للنفس في ذاتها سمعاً وبصراً وشماً وذوقاً ولمساً فالهيئة الصورية قد تكون على طريق المشاعدة البصرية ؛ كرؤية صور الأرواح المتجسدة والانوار الروحانية ، واما أن يكون طريق السماع كسماع النبي (ص) الوحي النازل إليه كلاماً منظوماً أو مثل النار على الجبل كما رآها موسى (ع) أو كدوي النحل كما جاء في الخبر فإن النبي (ص) كان يسمع ذلك ويفهم المراد منه . او على سبيل الاستئناس وهو بالنفخات الالهية والتنشق بالفتوحات الربوبية كما اخبر عنها (ص) بقوله : ان لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها . وهذه المكاشفات الصورية قد تكون اعلى مرتبة وأكثر يقيناً لجمعها بين الصورة والمعنى ، ومنبع هذه المكاشفات هو القلب الإنساني أي نفسه الناطقة المنورة بالعقل العملي وان للنفس عيناً وسمعاً كما في قوله تعالى : [ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ] تتحد هذه الحقائق في مرتبة العقل لأن العقل هو كمل الموجودات في العلوم النظرية . وأما الهيئة والكشف المعنوي المجرد من صورة الحقايق الحاصل من تجليات الاسم العليم الحكيم وهو ظهور المعاني الغيبية والحقايق العينية وله مراتب اولها ظهور المعاني في القوة المفكرة من غير أستعمال المقدمات وتركيب القياسات بل بأن ينتقل الذهن من المطالب إلى مبادئها ويسمى بالحدس ، ثم في القوة العاقلة المستعملة للمفكرة ويسمى بالنور القدسي ، والحدس من لوامع أنوار فهي أدنى مراتب الكشف ، ثم في مرتبة القلب ويسمى بالإلهام ان كان الظاهر معنى من المعاني لا حقيقة من الحقايق وروحاً من الأرواح وإلا فيكون مشاهدة قلبية ثم في مقام الروح ويسمى بالشهود الروحي وهي بمثابة الشمس لسموات مراتب الروح واراضي مراتب الجسد ؛ فهو بذاته اخذ من الله الحكيم العليم المعاني الحقيقية من غير واسطة على قدر استعداده ،وبذلك يتضح ان المعنى فيها لا يكون خروجاً عن الوضع المتعين العام ، لها فهو بمقام تقبل الطبيعة الخارجة عنه لكنه تقبل من حيث هي قوة من الجنبة العليا ، ولها بالذات قورة التوفيق بين طبيعتها الذاتية وعقلها الكلي ؛ فلو اختلفت على الظاهر فالكشف ليس له مرتبة إلا حدود ذهن الطبيعة الحادث ، وهذا ممتنع بعد تصور .

لامكان منه تعالى بالوحي والكشف والألهام ، وهو لا يتحقق بالممكن من الذات الطبيعية المجردة ؛ لأنها حادثة ممكنة محتاجة لا مفيضة ملهمة ، فهي بذلك إنما تقوم مقام التقبل ؛ لا كما نتصوره بالقدرة الذهنية المكونة لبعض الافكار التي توضح طبيعة الأشياء ، والتي توجهنا في الحياة العملية لا لشئ ، إلا لأنه ينطوي موضوعياً على الطبيعة الخالقة والمشارك فيها ، فليس أذن من حقنا بأن نسلم الأول لكل وحي يرجع إلى طبيعة الذهن الإنساني منظوراً إليه على أنه قادر على المعرفة الفطرية ، لأن الوحي ليس من الطبيعة المخلوقة الذاتية ، والا لعاد القول بالتشارك اللا محدود فيما يكون علاقة لا يقينية ، وقد تكون شكاً في بعضها ، لأن المعرفة قائمة جدلاً حدود الذهن الانساني ، ولنتصورها عقلية بحتة ، ولكن الخوارق والمعجزات يمكن تفسيرها بالعقل والطبيعة ؛ ولكنها ذاتاً ليست مخلوقة منه أو هي بوحي منه ن وإلا لما كان لزوم لثبوت علتها الغالبة التي هي ليست بمستوى العلل الأخرى على وجه الامكان والتصور ؛ ثم ان التفسير لبعضها لا يمكن حسابه على مستوى قوة الخيال وخصوبته ؛ إذ إننا بإمكاننا ان نعلم أن السحر له علة مستجثة ممكنة ؛ لأنها مصونوعة ضمن قدرة العقل الصريح ، ولكنها تصبح خارجة عن ذلك تخصصاً إذا امكن نسبتها فرضاً إلى عمل موسى (ع) وإلا لما كان وقوع السحرة ساجدين فعل لقوة الخيال الخصب المرموز له بسر العظمة المخلوقة من ذات الطبيعة ن ولما كان الإيمان باناموس وبدعوته عمل للطبيعة المخلوقة ؛ لن فعلها منه عين فعلهم إذ قلنا بالتساوي في أدوات العمل ، وإلا فهي ممتنعة لوجوه منها لم يكن العمل منه حركة لعيون وسرعة في إبطال سحر مقابل بل كان قوة كشف لمن لهم قدرة الفعل إن ما كان منه على حسب المعرفة ؛ إنما قدرة أقوى دافعة ليقين بإيمان غلبة ، جعلت الفعل منه امر لأبطال الفعل منهم على عين اليقينية ، وأيضاً لو كانت المعرفة من الطبيعة بكل فعل لكان جعل عمل موسى (ع) مجرد أنطباع حسي يتعلق بالخيال ، يكون لفعل منه حسية ويكون الفكر أسطورة من صنع الخيال لا انها حقيقة في العتقاد قائمة على صحة موضوعية تلقي بقلب المنكر الاعتقاد الراسخ ، مع إن نفس الإيمان من السحرة كان معجزة بذاتها ن نظراص للشروط والموازين التي بني عليها فعل الشرط منهم قبال موسى (ع) . إذا تم هذا أصبح ان بالامكان حدوث الفعل منه . لا كونه مرغوباص به ذاتاص بل لن حاجته وضرورته تحتم ان تكون المرغوبية فيه أقوى من طبيعته ، ولا شئ يمكن انكاره بعدما تبين ان الحاجة لا تقدر بالذهن وحده ، ولا من الطبيعة وحدها بل لا بد من مشاركة القوى الفاعلة في ذلك الاتفاق الطبيعي بحد ذاته ممكن عقلاً متصوراً طبيعة ولكنه يختلف نسبة من حيث كونه وحي بالخيال او بالكلام ن او بالصور او الملامسة او الرؤيا او الاستنشاق او غيره مما تصور حدوثه فعلا . ومقابلة للانبياء وكل هذه الهيئات الانكشافية لا تشذ بالنهاية عن قانون الطبيعة ومقتضيات العقل الصريح ،

وإلا للزم عدم الامكان والحدوث في البدء ولأصبح قبولها أمراص عقلياً محضاً . وهذا ما لم يقل به أحد ، سواء أصحاب اليقينية او الفطرية أو العلمية والبرهانية العقلية اي ان قبولها به على أساس كون العلة الذاتية لا علة فاعلة فقط ن بل مونها تامة مما يهدف إلى كون الوحي حركة في الارادة الغالبة بنحو الاصطفاء ، ومع ذلك فهي توضح على سبيل الهداية إن الروح المخلوقة قادرة على نحو ما ان تدرك اشياء قد لا تتضمن في الأسس الأولى حدود المعرفة الذاتية بنا ؛ ولهذا فاستنباط المعرفة الشئ المعين يحتاج بالضرورة إلى روح أعلى من الروح المخلوقة في الكمال والوجود والشعور بالروح ؛ تلك ولا يعني خروج عن حدود الواقع الطبيعي بل تعني إلى حد ما الاحساس بالمعرفة ككونها يقينية على وجه الحقيقة كما تجلت لنبينا محمد (ص) الذي اوحى الله إليه اوامره ، التي تؤدي إلى خلاص البشر وأوحى بها مباشرة فقد جاءت روايات على ما ذكرنا بحيث كشف الله عن نفسه له لا بمعنى المعاينة ، بل بمعنى التجلي كما كشف الله عن نفسه من قبل بصوت خارجي لموسى (ع) وقد يفهم من الاخبار وما في القرآن الشريف بأن عيسى (ع) قد اتصل بالله اتصال الروح بالروح ، فعين النطق بعد الولادة هي تجلي ذاته الروحية إلى كمال الذات القدسية ، وقد يكون من اللائق بنا لما كان القول بالاتحاد بين الوجود والحقيقة لزم كون القدرة واحدة فتكون علة غالبة ، كما ان درة الله قدرة غالبة . زلاننا نجهل الحدود في ذهننا إلى مدى تلك القدرة لضيق فسحة ذهننا اقتضى أن نجهل على سبيل الكلية العلة الغالبة للنبوة ؛ لأن الأنبياء إنما ادركوا النبوة لها من الخيال الذاتي ، بل من الوحي الالهي ، فلا شك ان تعاليمهم لم تكن مقتصرة على حدود الذهن ، وإما يعرضه القرآن على فكرة الله وبانه على العرش أستوى او يداه فإنها أستعارة مجازية ، الهدف منها تقريب الفكرة للعوام ، فقد ألمحنا ان العامة تستانس بالصور الخايلية والهيئات الكشوفية والخوارق ، وهذا من باب رفع ستار نور المعرفة عن قلوبهم . ثم انه حتى في التكلم لم يكن هو الله عيناً وذاتاص ، بل كان صوتاً يعبر عن روح الله ، ثم إن النبوة لم تكن سراً في عالم الظواهر بل كانت تهدف في حركتها الداعية إلى بناء الدارين فلم يكن رحمة للعالمين ؛ إلا حيث كون الرحمة هي أيضاً الدار الآخرة ، وهذا الهدف الرباني من النبوة يكاد يكون أعمق من الظاهرة الاعجازية ، إذ كل النبوات طالبت بهذا الهدف ؛ إذن الهدف الطبيعي للنبوة وكل ما يؤدي إلى الايمان بها إنما يؤمن بهدفها الكلي ، وإلا فما معنى الإيمان بوجودها كحالة ضمن سنن الطبيعة دونما إيمان بأهدافها ، إذ أن الايمان لا تولده الظواهر الخارقة وحدها كما بيناه ، بل ان الهدف له أكبر الاثر في الإيمان كحقيقة نوعية لموضوع الكل في عالم الخليقة الممكنة ، ثم انها تتعرض للأخرة ككونها وجوداً له مواصفات الطبيعة الحادثة ضمنها النبوة ، فهي روح وطبع موجبات وسلبيات في منظور للطبيعتين المخلوقتين ، كما ان النبوة تثبت الملائكة والشياطين لكي يتفطن الناس لما وراء هذا العالم وهذه المحسوسات وأسبابها ليتوجهوا إلى أقتناء العلوم والخبرات والاتصال باسبابها ويطيعوا الله ورسله من الملائكة والنبيين ويجتنبوا عن اكتساب الجهل ودواعيه ويعرضوا عن مطاوعة الشيطان وجنوده أجمعين وهذه في ذاتها علة غالة لهدف عظيم