القول في حده العقلي والذاتي

يجدر التنبيه إلى ان العقل فيه هو عين ذاته .  وهما مكتسبان لأنه بالقوة وبالفعل وجودهما لدية ، لكن الأمر فيهما يدور حول ماهية العقل لديه ن فالذي يظهر من الرموز والمشاهدات : ان عقله هو الفعل المأمور به وعليه ، فليس هو به متصف كأتصاف الجزء من بعضه ، بل لعل ما في الاشارات نفي العقلية عنه ، لأنه لا بالدليل فيه إذ لا إرادة منه فلا أختيار عنده . وهذا الرأي عندنا هو الراجح لما تقدم ذكره في طبيعته لكنه مكلف على نحو الفعل المعمل به دون افكر ، ولعل البعض يقول : إذن فما هي دعوى الاعتراض من بعضهم ؟ والاعتراض كان محله الأمر والفعل ؟

قلنا في مقام الأجابة ان الاعتراض سابق للوجود ، إذ هو منه بالكلية لعلة نجهل هدفها ، لكن المتيقن من تأويلات بعضهم ترجيح سبق الوجود الاعتراضي فهو فهو منه ذاتي ، يعني لم تكن علة الوجود الحادث مصدر الاعتراض ف ( كان من الكافرين ) تدل على صيغة الماضي في التكوين ، ومع ذلك فيمكن التامل في فحوى الخطاب الجمعي : ترى انه متعلق بالأمر النفسي دون غيره ، فهو خطاب لها وعلاقته بالفعل علاقة التحريك لا علاقة الجعل الابتدائي ؛ ةإذ لو كذلك لأصبح لا مخلوقاً بل خالقاً . وذلك باطل بذاته . إذن بالوجود السابق متعلق بالنفس لا بالفعل منه ؛ فهو قد يقصد العقل في أسرار الطبيعة ويغويها إنما لا لكونه منها ، بل لأنه سبقت كلمته فيه بعدما تقدم وجوداً دليليته عليه .

إذن فقد يظهر أن نفس المقولة التطابقية مقصودة فيها أثبات الوجود العقلي له لامتناع الوجود في الطبيعة والتحرك ضمنها . دون ذلك قلنا ان الأمر يدور مع العلة وجوداً وعدماً . فالعلة فيه غالبة مقصودة ، والوجود في الطبيعة لا يمنع من ذلك طالما لا تضاد من جهة الوحدة ومن جهة الوجود . فلذلك تكون علته أقوى منه في دليليتة العقل له مما يسلبه الاتصاف به كما لو قلنا وعاء الوجود لكنه بالاخبار مجعول بالصفة الروحية ، وهي متعلقة بالوجود الخاص من سر النفس وطابع الناسوت ، تكون بالأثر وجود على النفس غير ممتنع على الطبيعة ، إذ أنه يمكن تفسير ذلك الشئ المحدد المتناهي بربطه بشئ محدد ومتناه كذلك ؛ سواء فيما يتعلق بماهيته أو بوجوده ، ولما كان مستحيلاً تفسير العقل في ذاتها من الناحية العلمية فلا يمكن معرفتها معرفة حقيقة ؛ أو أن نعرف ذاتها دون عقلها ، قد يمكن تفسيرها من الناحية النفسية بسهولة ولكن ذلك التفسير يفقدها طابعها الموروث أي كونها وحياً خارجاً ، وأما توضيحه فأن يعلم أن النفس لكونها من نسخ الملكوت ونشاة القدرة والقوة على اختراع الصور ؛ من غير مادة . لكن الصور التي يخترعها حين تعلقها بهذا الوجود الكثيف المركب من الاضداد ، وما يحتاج إليه من جلب المنافع المضار وغير ذلك من التدابير والتصرفات الشاغلة ؛ لا تكون إلا ضعيفة الوجود ناقصة الكون ، لا يترتب عليها الآثار المطلوبة منها ، وتكون ثابتة مستقرة لأن مظهرها ليس جرماً بخارياً في الدماغ ، ولا هو دائم التحلل والتجدد والزوال والانتقال بحسب اختلاف أمزجة العضو الدماغي من جهة ما يرد عليه من المغيرات الداخلية ، إذ لم يكن فرقاً بين الصور المتخيلة والموجودة في العين لأن الخيال حساً والمتخيل محسوساً ؛

ألا ترى إنه كلما استرحت النفس من الاشتغال والحركات الضرورية في حفظ هذا الوجود المجتمع من الأمور المتنافرة المتداعية إلى الانفكاك ، وتعطلت الحواس الظاهرة عن فعلها إما بالنوم أو بالاغماء او بانصراف توجه النفس عن استعمالها إلى الجنبة العالية بقوة فطرية أو مكتسبة ؛ أغتنمت الفرصة ورجعت إلى ذاتها بعض الرجوع لا كله ؛ لأن القوى الطبيعية مستعملة وإلا لحدث الموت ، فبذا الرجوع أصبحت النفس مخترعة للصور ، مشاهدة إياها بحواسها التي في ذاتها بلا مشاركة جسمية . نصل من ذلك إلى أن ذاتها ترتكز على مفهومنا للطبيعة ؛ إذ بها يمكن ملاحظة الوجود والفعل والأمر . بل الغاية التي هي فيها وسيلة تقوم بالدورين ويظهر ان العقل فيها من ذات نفسها التي نحسها بالتحليل المرموز إلى سر الطبيعة والفطري ، والذي لا يبعد ان يكون اما غايتها القصوى او حدها العام الذي يثبت الوجود من خلاله . ولعل ذلك منا واضح في الحاسة الباطنة التي لا تستحدث خرقاً للحقيقة ما دامها من الطبيعة ؛ وهي ذات مطلقة ، فلا عرضية منه إذ لا تخيل بحدين يمكن فيه السلب والإيجاب ؛ إذ انها متاخرة في التلقي لأنها بالخيال الواحد قائمة على موضوع واحد ، يقتضي تجانس الماهية والصورة ، وذلك يتم فيه لأن الطبيعة والوجود المطلق واحد بحسب الهيئة والجوهر ، مما يلزم أيضاً القول بالحد الذاتي المتجاوز لفظاً إلى العقل الذي هو منه بمثابة العدم الحقيقي لا الترديدي منه ؛ لأن ما نريده حمل الكل له على الاتحاد ككون الوجود للوجود واحدة له ، وللوحدة ونحو ذلك ويتم الدليل بدون الابتناه على الاتحاد المطلق الذي لا انفكاك فيه ، فيقال إذا كان قيام المعقول بالغير يجعل الغير عقلاً بالفعل فقيامه بذاته وهو الاتحاد يجعل ذاته عقلاً وعاقلاً بالقوة ، لأن ذاته حينئذ يقوم مقام الغير والمعقولية ذاتية للمعقول بالقوة والفعل ، وهذا جار معه حسب الطبيعة المطلقة والمحسوبة من المعقلات . لا خارجة لمكان الوجود الاتي ، إذ أنه لا يضر بالوجود العام ألا بما هو خرق للعادة المألوفة وذلك ممكن عقلاً وطبيعة .