القول في طبيعته

سنتناول هنا موضوعاً مثيراً للجدل وهو موضوع الطبيعة عند الوحي . فالجانب الأول من الموضوع يدور حول الطبيعة الملكوتية ، والثاني يدور حول الطبيعة الناسوتية . ثم نرى من حيث الحقيقة النوعية الاشتراك الفعلي في الطبيعتين ، فيجاب عن الأول انه لما كان تعلق البحث عن الهدف منها صار لزاماً أن نوضح أن الطبيعة الأولى من هي تمام انجاز الفعل والأمر ؛ ففعلهم لا يتم بمجرد الوجود حيث انه سلبي كما تعلم ، ففعله عين ذاته بما هو واجب الوجود ، لكنه لهم لا يكون إلا بمنزلة وجودهم حوله اوتحته . فالأمر منه لهم فعل تام منجز ، إذ هم بالهيولية الأولية أرواح طائرة لا تملك العقل الذي يغلب ارادته المختارة في جميع الأفعال المخلوقة او القديمة . وحينما يكونون عباداً فالمراد به المعنى الوصفي التوفيقي لا المعنى الاصطلاحي عندنا ، فهو لديهم ففعل الفعل منهم لذاته الدائم بلا انقطاع . ولعل الوصف هنا من الاستعارة التبعية عندنا لا حقيقة الفعل منا عندهم ، فهم إذن متصفون طبيعة تكوينية بصفات القيمومة في الفعل عند عالم الغيب ، ومنه قد اختلف جنس الحقيقة المشتركة في الوصف من لدنا تجاههم لأمتناع التساوي في الشكل الصوري ، وهيئته طبيعية وفي العالم الذي يصعب الغور في اعماقه . ولكنه لا ينفي البتة ما ذهبنا له على ان الجنس ثابت ، ولكنه يجري عندنا مع الخيال والرؤيا الخاصة ؛ التي لا تتحقق مع كل فرد فرد . ولهذا تعذر المحاجة في كشف طبيعتها الملكوتية كما هي ؛ لأن ذلك حتماً سيدور مع الحقيقة ككونها تصديق بلا معينة ، أو تصديق ورؤية ولكنها خاصة لا عامة . فنحن وأن كنا نميل للجميع لعدم المغايرة وثبوت الطبيعة في التصديقين ولكننا نرى ان هناك وجهين :

الأول يقولم على الاخبار ،وذلك تصديق بدون رؤية دلت عليه اخبار مستفيضة إلى حد التواتر ، تعرض لها أصحابنا بالحث والتحقيق .

والثاني : يقوم على العقل وذلك تصديق بوجود حاصل في زمن خاص ، على هيئة معينة تكشف لأصحاب اليقين ثابت بالتصديق لفعلهم وتقريرهم وقولهم . يشكل حكماً على ذات الموضوع قائم على الايجابية ومنه فلا استحالة بل لعل ما يقويه العقل هو المعاينة برؤية وبالجمع بينهما ؛ أما الاجابة عن الثاني فيقال : أنه لما كنا لانفرق بين الطبيعة المخلوقة وعناصرها ؛ فإننا ملزمون بالقول عند ذلك بالوحدة الحقيقة بين الوجود والطبيعة ، وهذا يوضح أن لا مغايرة حال النظر الكلي لهما ، وإلا لكان الوجود الخاص مما قلناه في الأولى وذلك هو الهيولي من الناحية التكوينية ، ولكنه هنا معه أيضاً فليس الوجود الخاص له خارج الطبيعة ، وإلا لأمتنع التكليف بالإيمان به ، مع القول بأن وجوده غير عام بنحو العموم المرئي ؛ لأنه لا من طبيعته ذلك . وإلا لكان التعليل بالوجود عليه برهاناً علة ناقصة أذن ، فلا أمكان دون وجود طبيعي ، والوجود تام بأثره دلت على ذلك صحاح كثيرة وفي أشارات أصحابنا تأكيد دال على اليقينية ثبت بعد عدم الامتناع وجوده عقلاً ، إذ منه صار لدينا صحة القول المتقدم ؛ ليس شئ ممكن الوجود دون امكانه ولثبوت الامكان عقلاً لعدم التنافي بينه وقانون الطبيعة قلنا : أنه من جنس الطبيعة المخلوقة ، لكنه يختلف بالماهية عن باقي المخلوقات أما لعلة الخلق الابتدائي أو لحاجة التحليق حول وتحت الوجود المطلق ، ولأمكان الاحتمالين صح ما قيل كما هو منسوب ( للسهروردي ) باتفاق الحقيقة والوجود ؛ أي بين الطبيعة الفوقية والطبيعة التحتية . وإلا للزم التضاد لكون القانون المنظم فيهما واحد بل ما عليه مذهب الفلاسفة الألهين القول بتلك الوحدة المخلوقة للطبيعتين . وكلن دعوى القول بالاشتراك يناسب الهيئة المخلوقة ؛ إذ كون الوجود أما الفعل أو الأمر أو هما معاً لاقتضى العلاقة التكوينية وسر الهدف فيها أنكشف ان الفعل منهم واجب المشابهة بين الطبيعتين ، وإلا كان المستأنس من سر الهدف سلبي وهذا ممتنع للزوم الفعل والأمر منهم على وجه الحقيقة النوعية .

ولأن الوجود المخلوق كان يولي قوة الكلام وهو مترئس فكأنما كان يتكلم ويبلغ نيابة عن الله لأنه كان يخدم بكلامه في الخارج وهذا ممتنع على الله ( فلن تراني ) يظهر أنه لم يكن يرى ذات الله فلم يكن يتلقن منه مباشرة ، واما التكليم بنحو الوجه بوجه فأما جرى فيه على حسب تصور البشر الذين تصوروا واعتقدوا ذلك ، مع أنه أنما كان الله يكلمه ويتجلى له بواسطة الخليقة الخاضعة له ، أي بواسطة الملاك والغمام ، أو ان يكون المراد بالمواجهة مشاهدة عقلية سامية مقرونة بالدلالة ؛ دون من رؤية للذات الألهية . ولعل من مجموع الاحتمالين ما يستأنس العقل بصدقهما بعد انكشاف الوحدة في الطبيعتين ، ولهذا كان في أسرار الوجود المخلوق امور تتعلق بالبشر وأمور تتعلق بالطبيعة المطلقة وكلاهما كان لابد له من ثلاثة . اولهما : الدخول في طريقة عبادة الله ؛ وهذا بأعتبار الجمع عموماً .

والثاني : أستعمال ما كان مختصاً بالعبادة الألهية ،

والثالث : إزالة ما كان يعوق البعض عن العبادة الالهية والعلة الرمزية للأمور الثلاثة هو ذات الطبيعة التي هم منها سر الإيمان وعليه يمتنع أن يكون بموازات سر ما في الشريعة لأنه به تكون المعرفة سر الاكتمال المطلق في حدود وجودنا المشاهد .