القول في هويته

ويلزم ان يقال بأن هويته هي عين ذاته . ولكن لما كان عينه مجهولاً لدينا اقتضى كون هويته هي الماهية المنكشفة لأصحاب اليقين . وهي بعد على وجهين :

 الأول الآظهار المنكشف بالوضع العام له ، فيما هو خارج حدود وعينا الإنساني . وذلك منه قائم على البعد والقرب لمن ألف هذا الموقف وهو جزئي كما تعلم ، لأنه ليس واضحاً بحدود معرفة الإنسان الجنس لهذا الوجود إلا بالتحمل المرموز ؛ الذي قد يكون بصور وهيئات مختلفة تتطابق وما تخلقه الحاسة الباطنة عنه . كونه مخلوق متقدم مقرب بعيد عن الأذهان ، إذ هو ليس إلا ما يميل به ممكن فيه وجوداً ، ولهذا صار الوجود فيه كل التصور المستحق للتصديق على وجه الكلية ، بحيث تكون دليلاً عقلياً على الوجود لكنه ما ورائي محض . والثاني المتجلي صوره لا بالخيال وإنما بالحقيقة من باب أتصافه بصفته أي أن تكون الرؤيا مشاهدة عينية في وجه البسيطة ممكنة حدثت بالفعل والروايات التاريخية تدل على ذلك . فانكشافه كان على وجه الحقيقة التصديقية . وثبوت وجوده كان الأثر من فعله ، والحركة المنقولة عنه وبواسطته مما يكشف انه ينطبق على وجه التحديد مع وضع الطبيعة الثابت . فمن حيث الوجود المجرد فيها لا يؤدي بالضرورة إلى احداث تغيير في القانون الثابت لها . لأن وجوده فيها كان لعلة غالبة أما لتحقيق صدق الوحي او لكشف عن حقيقة النقل . فالرواية عنه لم تكن أثراً سلبياً منقولاً هو فيه بل هو دوري متقابل علته فاعلة لنها مرتبطة بالوجود المتباين . فهو روح وحدها في حين هي عقل وروح .

ولذا اقتضى التصديق بها لا بفعل التخيل الخصب لرموز العقل الباطن ، بل أن ذات الرموز تكشف عن حقيقة صادقة قائمة بفعلها المجرد الوجودي الخالص أي ليس هي أثراً منه لكي تكتسب روح التصور . ولعل موردنا في المسألة يقوم حيث أنه به نقبل إلى الله على نحو ما ، لأنه لما كان موضوع الوحي هو الخير كان الإنسان أحياناً يعرض عليه بسبب حبه للخير . وهذا الحب يقال له بشري . فمنه يقبل إلى الله ويلزمه وهذا الخير على نوعين : خير الهداية وخير الوصول فإن أقبل من خلاله إلى ما من أجله أرسل ، كان تعلقه بلزوم الطاعة بحسب المراتب والابنية العقلية ، ولأن خصوص الورود منهم هي التبليغ بالهداية للبشر كان الأعراض عن قبول البلاغ قبح عقلي .

حالما لا نتصور ذلك خارج حدود الادراك العقلي وإلا للزم الامتناع بين ما نبلغ به وبين سعة العقل وقبول الدليلية . فالادراك الطبيعي يقتضي تقدم وجوده عليهما فلم يجعل بين هذه المخالفات ، لأن الأفعال منا خلقية كانت أو ملكات إنما تعرف وتستفيد حقائقها النوعية من موضوعاتها . وموضوع حركة الوحي الخاصة هو الخير الباقي فكانت منه إنما تستفيد حقيقتها النوعية من غايتها وتعرف بها . فإنه لو عرف الحرص بأنه حب العمل لتلازم ذلك بأنه هو الباعث للناس على العمل ، لم يكن هذا التعريف صحيحاً ؛ لأن الحرصاء لا يقصدون العمل على أنه غايتهم ؛ بل على أنه يؤدي إلى غايتهم . واما الغاية المقصودة منهم فهي الغنى فالحرص إذن يصح تعريفه بكونه أشتهاء الغنى أو حبه . وهذا قبيح .وليس على هذا النحو يقال حب فإني لما جاء من الوحي ، لأنه هنا تستفاد من الغاية إذ هناك أستناد من الشئ إلى غايته ، وبهذا الاعتبار فهو حسن لأن الانسان يهرب مما يضر بجسده إو بخيراته الزمنية أمرٌ طبيعي . أما مخالفته بذلك لمقتضى العدل فمنافية للعقل الطبيعي ، وعليه أقوال الفلاسفة ، إذ لا أمر  إلا وكانت له علة لا تخرجه عن دليايته المطلقة ولا تقيده بمفهوم الأمر الخاص ؛ لأمتناع ثبوت النهي والأمر في شيئاً واحد . والذي نستفيده من الأخبار لزوم المقتضي النوعي لكل حقيقة معينة ، وإلا كانت ملكة الحكم فيها لا على أساس مقتضى الحقيقة النوعية للتبليغ العاري عن الصورة . فإن الفعل والملكة واجبة الاستفادة من حقيقة النوعية من الموضوع الذي فيه ومن أجله يكون مرغوباً ومحبوباً ، ففعله ليس ذاتياً من وجهين :

أولاً وأصالة من جهة التدبير الالهي ، إذ يمون فعله المراد هو أستحقاق البلاغ بما هو خير ، الذي يساق اليه الإنسان منه تعالى ،

وثانياً : من جهة الاختيار ، أي من حيث أن الملاك أمتاز عن سائر المخلوقات بكونه يفعل لا بتفسه لأنه لا يفعل مختاراً والحب بإعتباره كلا الوجهين عنده ليست المبدأ الأول . فينبغي أن يعلم أن أرسال الكلائكة قائمة بفعل الله سبحانه ، مع توافق طبيعي وحركة النفس الانسانية إلى الاستمتاع بالخير الالهي هي فعل الارسال الخاص ، الذي به تساق جميع أفعال الفضائل الآخرى إلى هذه الغاية ؛ من حيث ان أفعالها منه لا منها بحكم الهيئة الطبيعية . فما تفعله لا بحكم التسخير والارادة منه تعالى . وهذه حقيقة وجودها مما يقتضي أن يكون فعلها لا ارادي منها ؛ لأن موضوعها العام لا الغاية في الفعل الذاتي لأن الفعل متعلق بالمكلة صاحبة الغاية القصوى منه لسعادة البشر .

والآن هل أن الملائكة معصومون ؟ يدل على ذلك وجوه منها : قوله تعالى : في صفة الملائكة : [ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ] ، يتناول جميع الملائكة في فعل جميع المأمورات وترك المنهيات ، لأن كل من نهى عن فعل فقد امر بتركة ، ومنه قوله تعالى في وصفهم : [ بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ] ، ومنه قوله تعالى : [ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ] ، وما كانت صفته كذلك لا يصدر عنه الذنب . ومنه أيضاً : ان الملائكة رسل الله لقوله تعالى [ جاعل الملائكة رسلاً ] .