فلسفة الحق المخلوق

دار منذ القدم نقاش بين الفلاسفة حول ما إذا كانت المعرفة التي نحصل عليها طبيعية ام بواسطة التعليم القادم من قوة قاهرة . ولعل الأعتقاد الذي تدور حوله مجمل البحوث ، هو أن المعرفة لا تخرج عن قوانين السببية العامة . أي أنها محكومة بطبيعتها لهذه القوانين ، ولا يمكن أن تخرج عنها إلا بعلة قاهرة أوقى منها ، ولها في عين وجودها طابعها الموضوعي الذي يجعلها يقينية تصديقية . لكن مجرد المعرفة بالشئ لا تستوعب الوعي به على حقيقته الكمالية والوجدانية ، ولهذا ظهرت الإتجاهات الحسية والعقلية والشعورية والتجريبية وكلها حسب ما تتوصل إليه من نتائج تجري مع الموضوعي ضمن قوانينه الوجودية . فهي إذاً لا تتصور الوجود من عدم ثم تطرح النظرية على هذا التصور فالعدم ممتنع محض تصور وجوده الهيولي والصوري ، وهو ممتنع بعد إذ لا تتصور علته الذاتية .

فالعدم لا تبنى قواعد المعرفة ضمنه وعلى أساسه ، إنما البحث يدور حول الوجود فلا تسبق المعرفة العلم به إلا بالوعي والوعي ضرورة علمية تتقدم فيه العلة الغالبة . فهو بذلك سابق من حيث هو علة بذاته ولا يكون العلم به دون وجوده ممكن فلذا تطلب الوجود لشعور الوعي به ، والغالب أن الشعور فيه علة نفسانية هي أحدى علله الخاصة المتقررة بالحكم على وجود الوعي ذاتاً وهي منه اكتسابية لأتصالها بصفته ولأنها متأثرة بالعطف عليه فهي منه البتة . وليس من المنطق أن التصور يقوم عليه دون أستنتاج منه يكسبه صفة الديمومة والثبوت وعدم التغيير المفاجئ .

لكنه ممكن حدوث ذات مما يولد سلسلة من المفاهيم عدم الثبوت في الماهيات الواجب التصور فيها ولكنها على الأفتراض بالأمكان ممكنة الحدوث لأنها منه من باب كون الأفتراض هو وجودي أيضاً وعلته قائمة بإمكانه . أي ليس خارج عنها ، بحيث يكون التعقل فيه من علة أخرى ، ونفس الشئ يقال على ثبوت برهان النتيجة الأستقرائية ، لأنها ترتبط بقانون الاحتمال القائم بذاته في طشف الصحة . إذ أنه فيه لا تسلسل ولا دور باطلين بل نتيجة حتمية ممكنة قابلة للحدوث في القانون الاستقرائي ، إذا كان حكمها الموضوع الخاص لا كل الموضوع لأنه فيه يتطلب قياس أستقرائي من وضع جديد لكل موضوع على حده في تساوي العلل والمعلولات . وهذا ممكن وليس دعوى الامتناع فيه من بعضهم صحيحة لأنها إذ تحدد القياس في تساوي الأشياء بالشئ الخاص في الحدود والأحكام الكبرى والصغرى بحيث تجب المقايسة . ولكنه ثبت في المنطق الشكلي صحة القياس فيها لأنها علة واحدة والمعلول لا يوجب اختلاف الحكم إذا ما أختلفت الهيئة وأنما الواجب القول أنه تام على الكل إذا كان بمقدار الحد الأكبر للاصغر نسبة موجبة معينة ، ولكن لا بالحد الثابت وإلا بطل البرهان من رأس إنما وجوبه إذا كانت النسبة عامة وهذا ممكن ، بل العقل يوحي بذلك ، لأن أرتباط كل موجود بعلة حيث ان الوجود هو السر في أرتباط الأشياء بعللها ، فينكشف لنا إذا ما قررناه على الوجه العام في ثبوت نفس القياس بما هو أمكان وجودي أحتمالي ولأن سر الوجود في الاحتمال هو الاحتياج القائم بذاته والذي لا ينفي عنه قوة الوجود المرتبط معه لأنه بالذات لا يقوم بغيره إنما البرهان يكشف عن علاقته به لارتباط الكل بوجودية أزلية طبيعية مما يحقق صحة الاستنتاج في أن التقرير الموضوعي لم يكن إلا بعلة موجبة صادقة يرتبط فيها البعض ولنفس العلاقة بينهما . فهي لا تشذ لنها داخلة في علتها الكبرى . لكن الأمر يدور في الصحوة على معلولاتها الممكنة والمختلفة ؛ والذي ثبت أن ذات المعلول المرتبط بعلته مع غيره بنفس الصفة والحركة والسكون يولد أستقراء موضوعياً ، نتيجة أيجابية في الكل الممكن أجراء الاستقراء فيها موضوعياً . إذن فالماهية له سواء بالوجود العام ، ام بالخاص ،

منه فهي ذات هيئة معينة وهيولي معين مما يكسبها صفة خاصة بها تختلف عن باقي الوجودات لكنها ليست منها بالعيان المكشوفة وعلة العدم في الانكشاف منها هو نفس العلة في خلقها . والعلل كما هي صورة وعنصر وفاعل وغاية ، فالعلة الصورية هي التي جزء من قوام الشئ ، أي يكون بها هو ما هو بالفعل وأما العنصرية يكون فيه الشئ هو ما هو بالقوة وتستقر فيها قوة وجوده ؛ وبالفاعلية التي تفيد وجوداً مبايناً لذاتها أي لا تكون ذاتها بالقصد الأول محلاً لما يستفيد منها وجود شئ يتصور بها حتى يكون في ذاتها قوة وجوده إلا بالعرض . ومع ذلك فيجب إلا يكون ذلك الوجود من أجله من جهة ما هو فاعل ولأن الفلاسفة الإلهين ليسوا يعنون بالفاعل مبدأ التحريك فقط كما يعينه الطبيعيون بل مبدأ الوجود ومفيده مثل الباري للعالم واما العلة الفاعلة الطبيعية فلا تفيد وجوداً غير التحريك بأحد أنحاء التحريكات فيكون مفيد الوجود في الطبيعيات مبدأ حركة ، ونريد بالغاية العلة التي لأجلها يحصل وجود شئ وقد يظهرأنه لا علة خارجة عن هذه فإن السبب للشئ لا يخلوا إما أن يكون داخلاً في قوامه وجزءاً من وجوده أو لا يكون فإذا كان داخلاً في قوامه وجزء من وجوده فإما أن يكون الجزء الذي ليس يجب من وجوده وحده له أن يكون بالفعل بل أن يكون بالقوة فقط ويسمى هيولي أو يكون الجزء الذي وجوده هو صيرورة بالفعل وهو الصورة وأما إن لم يكن جزءاً من وجوده فإما أن يكون ما هو لأجله أو لا يكون فإن كان ما هو لأجله فهو الغاية وإن لم يكن ما هو لأجله فلا يخلو إما أن يكون وجوده منه بألا يكون هو فيه إلا بالعرض ، وهو فاعله أو يكون وجوده منه بأن يكون هو فيه وهو أيضاً عنصره او موضوعه .

وهذا التصور يمكن تبنيه على ما نحن فيه إذ ان الفعل ممكن إن يكون مورد الاستحقاق من حيث انه للارادة ، لا باعتبار الايتعمال فقط بل باعتبار التصديق وهو جائز بذاته ، لأنه لا يكون نسبة إلا بارادة على نحوين : أحدهما تكون سابقة لها ؛ بحيث أنه لولا أقامته لما أمكن التصديق به ، أو لما استعدت الملكة في الإرداة التصديق له .وهو بهذا قد يقلل الاعتبار به إذ يمكن تصويره على نحو الجسمانية المشاهدة . وذلك ممتنع حسب ما قدمناه له من علل موضوعيه قائمة في الطبيعة ، إذ أنه لا يكون بالفعل لأنه غير مكلف بذاته ؛ أي انه بالانفعال متحرك لا بحكم العقل ، لأنه بالذات يصدق لا بقوة العقل منه لأنها فيه ممتنعة حسب الهيئة الخاصة له .

بل يقوم بفعل القوة لأنه بها متمحض والثاني : أن يكون لاحقاً لها لأنه متى كانت إرادة الإنسان مستعدة للتصديق به منه . أجيبت الحقيقة المصدق بها ، وبحثت عن الآدلة المؤيدة لها ، وتثبيت بما قد تجده منها بحكم الصحة أو الكشف عن المغيبات . والدليل العقلي يؤيد هذا الاعتبار لأنها منه ثابتة ، بل أن حرمته قائمة على ذلك . وإلا لأمتنع وجوده لأن الانفعال منه يؤذن بزيادة استعداد قبول الارادة له ، فالتصديق بها تصديق بفعل الطبيعة العاقلة ؛ أي لا تضار بين نفس الاستحقاق وحكم الارادة . لأنها مجعولة واحدة لموضوع الاعتبار الكلي في الهدف الذي لأجله يتحرك ، وإلا لأصبح الوجود منه والعدم سواء . وقد تقدم نفي ذلك لأنه لا يتحقق بمعادلة رياضية وحساباتها الموضوعية ، بل إلى ذات الوجود وحقيقة الاعتبار فيه ، مضافاً له التصديق مع الارادة منا بالحقائق المنظورة ؛ التي هي بالاحرى حركة للايمان ؛ الذي منه ذاتي لا يعارض إلا من جهة نظر الإنسان الداخل . أو من جهة الاضطهاد الخارج مما يزيد في استحقاق الايمان على قدر ما تظهر به الارادة أكثر استعداداً للإيمان واعظم ثباتاً فيه ، ولهذا كان الشهداء أعظم استحقاقاً في إيمانهم ؛ لعدم ارتدادهم عنه بسبب الاضطهاد . ومثلهم الفلاسفة لعدم ارتدادهم عنه بقوة الادلة المقامة لنقض ما ينفي الوحي وطريقته وعلاقته ، فهو دائماً منهم قائم بحجته الكاشفة عن الصدق الغير قابل للترديد .