العقل والإيمان

يظهر أن موضوع الإيمان هو الحق الأول ؛ إذ يظهر ان موضوع الإيمان هو ما نُدَعى إلى الإيمان به ، ةنحن ندعى إلى الإيمان بما يختص بالألوهية التي هي الحق الأول فقط وإلى الإيمان بما يختص بناسوت الطبيعة وأسرار الوجود وحالة المخلوقات . فإذن فالحق وحده هو موضوع الإيمان ، وأيضاً أن الإيمان والكفر يتعلقان بواحد بعينه لتقابلهما ، والكفر يمكن ان يتعلق بجميع ما ورد في القرآن الشريف ؛  لأن من ينكر شيئاً من ذلك يُعتبر كافراً ، فالإيمان إذن يتعلق بجميع ما ورد في القرىن الشريف . إذن فموضوع الإيمان هو الحق الول فقط وأيضاً الحق المخلوق ، والإيمان يهدي للحب والخير الأعظم وهو داع بإتجاه القرب منه وهذا التصور يمكن الإجابة عنه حتى لا يقع المرء في أشكال .

إن موضوع كل ملكة إدراكية يتضمن امرين : ما يدرك إدراكاً مادياً وهو بمنزلة الموضوع المادي وما به يحصل الإدراك وهو علة الموضوع الصورية . كما أن ما يعلم في علم الهيئة علماً مادياً هو النتائج وعلة العلم الصورية هي وسائط البرهان التي بها تدرك النتائج ، وكذا الإيمان فإنا إذا أعتبرنا فيه علة موضوعه الصورية فهي ليست إلا الحق الأول ، فإن الإيمان الذي عليه كلامنا لا يصدق بشئ إلا لأنه موحى من الله . فهو إذن إنما يستند إلى الحق الأول على أنه الواسطة أما إذا أعتبرنا ما يصدق به من الوجه المادي ، فهو ليس الله فقط بل أشياء أخرى كثيرة إلا ان هذه الأشياء لا يتعلق بها تصديق الإيمان إلا من حيث نسبتها إلى الله أي من حيث أن بعض معلولات الالوهية تعاون الإنسان على الميل إلى التمتع بالله .

ولهذا كان موضوع الإيمان لا يتعلق بشئ إلا باعتبار نسبته إلى الله على نحو ما الحق الأول من حيث هو . ولأن المدركات توجد في المدرك بحسب طريقة العقل في إدراكه أن يدرك الحق بوجه التركيب والتحليل ، فما كان في نفسه بسيطاً يدركه العقل بنوع من التركيب ، كما ان العقل الفعال بعكس ذلك يدرك بالبساطة ما هو مركب في نفسه إذ تقرر ذلك جاز أن يعتبر موضوع الإيمان من وجهين : اةلاً من جهة الشئ المؤمن به وهو بهذا الإعتبار شئ غير مركب أي الشئ الذي يتعلق به الإيمان وثانياً من جهة المؤمن وهو بهذا الإعتبار شئ مركب تركيب القضية وعلى هذا فكلا القولين كان صحيحاً عند الأقجمين وكلاهما حق من وجه ، ولكن ليس تعلق القوة أو الملكة أو الفعل بشئ إلا بواسكة علة الموضوع الصورية ، كما لايرى اللون إلا بواسطة النور ، ولا تُعلم النتيجة إلا بواسطة البرهان ، وقد مر ان علة موضوع الإيمان الصورية هي الحق الأول ، فلا يمكن إذن ان يتعلق الإيمان بشئ إلا من حيث أندراجه تحت الحق الأول ، الذي يمتنع أن يندرج تحت شئ باطل كما يمتنع أندراج اللاموجود تحت لامتناع تعلق الإيمان بشئ باطل ، ولأن الحق هو خير العقل وليس خير القوة الشوقية كانت جميع الفضائل المكتملة العقل تنفي الباطل ولأن شأن الفضيلة يتعلق بالخير فقط ، ولأن مدلول الإيمان هو تصديق العقل بما يؤمن به ، والعقل يصدق بشئ لوجهين أولاً لأنه يتحرك إلى ذلك من نفس الموضوع الذي هو ؟

وأما معلوم بنفسه كالمبادئ الأول التي هي موضوع التعقل وأما معلوم بغيره كالنتائج التي هي موضوع العلم . وثانياً ليس لأنه يتحرك تحركاً كافياً من موضوعه بل لأنه يتحرك بنوع من الإنتخاب يميل به اختياراً إلى وجهة دون أخرى ، فإن حدث ذلك مع ريب وخوف من الجهة الأخرى فهو الرأي وأن حدث مع يقين دون خوف من الجهة الأخرى ، فهو الإيمان والأشياء التي تشاهد بالعيان هي التي تحرك بأنفسهما عقلنا أو حسناً إلى إدراكها وبهذا يظهر ان المشاهدات بالحس او بالعقل لا يتعلق بها لا الإيمان ولا الرآي ، وهذا يدفع على أن كل علم يحصل عن مبادئ بينة بأنفسها وما كان بينا بنفسه فهو مشاهد فإذاً كل ما هو معلوم يجب أن يكون على نحو ما مشاهداً ويمتنع ان يكون شئٌ واحد بعينه موضوعاً لإيمان آخر ، على أن ما يُدعى جميع الناس بالإجمال إلى الإيمان به هو بالإجمال غير معلوم وهذا وهذا ما يتعلق به الإيمان مطلقاً فالإيمان والعلم إذن متحدين موضوعاً ، بل أنه ممكن كون حكم العقائد الإيمانية في علم الإيمان كحكم المبادئ البينة بأنفسها في العلم الحاصل بالفطرة وهي مترتبة بحيث يكون بعضها مندرج ضمن بعض حتى أنها كلها ترد إلى هذا المبدأ يمتنع الجمع بين الإيجاب والسلب ، فإن الوجود الألهي يندرج فيه كل ما نعتقد أنه موجود في الله منذ الأزل مما تقوم به سعادتنا ،

والإيمان بالعناية المندرجة في كل ما يوليه الله في الزمان لخلاص الناس مما هو السبيل فالإيمان بولادة المسيح (ع) يجب ان يتم عبر التفريق بين العلة الفاعلة والعلة المادية فإذا اعتبر ترتيب العلة الفاعلة فالأكمل هو المتقدم طبعاً ، وبهذا الإعتبار يقال أن الطبيعة تصدر عن مبادئ كاملة لأن الأشياء الغير كاملة لا تبلغ الكمال إلا بواسطة أشياء كاملة سابقة ، وإذا أعتبر ترتيب العلة المادية فالأقل كمالاً هو المتقدم ولهذا الإعتبار تصدر الطبيعة من غير الكامل إلى الكامل . والله في مقام الإيمان بمنزلة العلة الفاعلة الحاصل لها العلم الكامل منذ الأزل . والإنسانت فيه بمنزلة القابله تأثير الله الفاعل ؛ فلزم أن تكون معرفة الإيمان في الناس صادرة عن غير الكامل على أنه وإن كان من الناس من أعتبروا بمنزلة العلة الفاعلة لأنهم كانوا معلمي الإيمان كالأنبياء والأولياء الصالحين ولأنا نعتقد في الله بالإيمان لم يستع أصحاب الشك أن ينظروا فيها بالعقل الطبيعي  . كأعتقادنا بعنايته وقدرته ووجود عبادته وحده وهي جميعها مندرجة في عقيدة وحدانية الله ، وهذا هو اللذيذ بالحقيقة لأنه كمال الوجود العقلي وخلوصه من شوب ، العدم لأن الإيمان منه معشوق حقيقي في الكمال لأتم الواجبي لأنه حقيقة الوجود المتضمنة لجميع الجهات الوجودية ، على أن سعادة كل قوة بنيل ما هو مقتضى ذاتها من غير عائق لأن كمال كل ما هو من باب نوعه وجنسه ، فكمال الإيمان هو حصول القوة في الغلبة على القوى النفسانية المناقضة له ، لأن له بحسب ذاته العقلي وصول إلى العقليات الصرفة وصيرورتها موضوعة للصور الألهية ونظام الوجود وهيأة الكل من لدن الحق الأول اللدني الوجود من الحق المخلوق ،

والإيمان لا يتحصل إلا بانفعال كل من النفس والبدن عن صاحبه فقد تحمل عليه فتقهره تأييداً من الله وملكوته ، وقد تسلم إليه فتنقهر به بوساطة تلبيس الوهم منه عليها ، وبالجملة الإيمان تابع للمشاهدة وحيث يخفي قدر المشاهدة يصغر قدر البهجة به فكذلك حالنا في الإيمان الذي نعرف وجوده ولا نتصور مشاهدته ذاتاً . لكنا نعلم أنه متى ما ذكرنا الله وفرحنا بذكر صفاته العليا وأفعاله العظمى وكيفية ترتيب الوجود منه تعالى على أليق نظام وأحسن ترتيب على إتساق ودوام وكمال وتمام ؛ فذلك مما يدل دلالة واضحة من جهة المناسبة على أن تنال من الإيمان .

هذا كله في الإيمان أما الكفر العقلي وهو أشد الأنواع حطة لأن الكاسب منه لنفسه تارك للجهد مما يكتسب بالفعل من العقل لفقدانه القوة الهيولانية وحصول ملكة الإنحراف والصور الباطلة المخالفة للواقع ، والقول على العصبية والجحد وهو ناتج عن عدم في إنكشاف الصور العلمية لأسباب هي أولاً : نقصان في جوهر النفس وذاتها قبل أن تتقوى ، ولأنها لا تتجلى بها المعلومات لنقصانها وكونها بالقوة .

ثانياً : خبث جوهرها وظلم ذاتها ككدوره الشهوات والتراكم الذي حصل على وجه النفس من كثرة المعاصي ؛ لأن كل حركة أو فعل وقع منها حدث في ذاتها أثر منها ،

وثالثاً : أن تكون معدولاً بها من جهة الصورة المقصودة والغاية المطلوبة ، لكنها ليست مما يتضح فيه جلية الحق لأنها ليست تطلب الحق ولم تحاد شطر المطلوب . فلا ينكشف لهم فيها إلا ما توجهت إليه هممعهم من تصحيح صورة الإعتقاد .

رابعاً : الحجاب المرسل فإن المطيع القاهر للشهوة المتحري القاصد لتحصيل العلم قد لا ينكشف له حقيقة المطلوب الذي قصده لكونه محجوباً عنه ،

خامساً : الجهل بالجهة التي منها يقع الشعور بالمطلوب والعثور على الحق المقصود ، فإن طالب العلم ليس يمكنه تحصيل العلم بالمطلوب من أي طريق كان بل بالتذكر المعلوم والمقدمات التي تناسب المطلوب .

وبالجملة فالكفر والإيمان حقائق ممكنه الحدوث متعلقة بثلاثة أشياء وجوداً وعدماً :

1 الطبيعة مصدر الوجود وعلته المؤثر فيها القوى النفسانية المخلوقة .

2 الوجود في القدم على العمومية والخصوصية وتقسيم الكل إلى واجب وممكن وعليه فالإيمان بهذه الأمور الثلاثة إيمان بفاعلية العقل على تحديد الدور الإيجابي أو السلبي أو الأثنين معاً في ذات الشئ الذي هو لا يخلو أما أن يكون مخلوق أو أولي والإيمان واجب على الأثنين بنفس الدرجة لكنه للأولي أصل لأنه مصدر الفيوضات وهو منه تترشح الفاعليات الأخرى .

3 العقل يدرك الوعي على أنه متقدم بالقوة والفعل عنه ، وإلا لزم ثبوت المدرك قبل الإدراك ، وهو ممتنع إذ أنه لا يتحصل إلا بالضمير وهو منه أقرب إلى التصديق لأنه الجهة العليا من ملكوت الله ، وذلك يأتي بعده لا أن الوجود هو الحكم إذ أنه أيضاً متأخر في مقام الفهم العام ومبادئ الطبيعة العامة تؤكد ذلك وتقول به .

بل العقل لا يرى بأس في ذلك ومن المشاهدات يستأنس لتوكيد الفعل في المقدمية عليه منه ؛ ولأن يجب أن نوضح الإيمان بالذات كما هو عند المسلمين إذ هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله وبالنبوة وكل ما جاء به النبي (ص) قد نسب إلى الخواجة نصير الدين الطوسي قوله أن الإيمان عبارة عن التصديق بهذه الأمور مع الإقرار باللسان قال ولا يكفي الأول لقوله تعالى : ( وجحدوا بها واسيقنتها أنفسهم ) ، وحيث أنه أثبت لكفار التصديق القلبي مع جحودهم بها بألسنتهم ولا يكفي الثاني لقوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ) ، ولقوله تعالى : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله اليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) ، ففي الآيتين أثبت التصديق باللسان ونفي عنهم الإيمان . وكلامه في قواعد العقائد ينص على أنه عبارة عن التصديق بالقلب إن أصول العقائد عندنا هي التصديق بوحدانية الله تعالى في ذاته والعدل في أفعاله والتصديق بنبوة الأنبياء ولم يعتبر الإقرار شرطاً فيه لقوله تعالى ( آولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) ، ولقوله : ( ولما يدخل الإيمان في قلوبهم ) ، فمن هاتين لآيتين يستفاد أن محله القلب بدون شئ آخر نعم يكون الإقرار باللسان كاشفاً عنه في الغالب بالطاعات من ثمراته ولوازمه ، وليس ببعيد أن يكون أعتبار الإقرار شرطاً فيه عند القائلين بذلك منا بأعتبار أنه كاشف عنه في الغالب لا من جهة أنه داخل في حقيقته ولا سيما بملاحظة بأن المعتقد بوجود الله ووحدانيته ورسله إذا مات قبل أن ينطق بالشهادتين أو منعه مانع عن النطق بهما لا يلزمون بأنه يموت كافراً . وكما قلنا يمكن أن يكون الإقرار شرطاً في تحقيق الإيمان ظاهراً ويكون كاشفاً عن واقع حاله ، والحكم عليه بالإيمان ظاهراً موقوف على الإقرار بما أعتقده وأطمأن به لأن التعبير عما في النفس لا يكون في الغالب إلا بالكلام ومهما كان الحال فالذي ذهب إليه أكثر الأمامية من المتقدمين منهم والمتأخرين أنه عبارة عن التصديق بالقلب وليس الإقرار باللسان جزءاً من حقيقته وكلهم متفقون على أن العمل بالطاعات وترك المحرمات ليسا من أركانه ولا يتوقف عليهما .

وقد ذكر الشهيد الثاني بعض الآيات والروايات المؤيدة لذلك وفي بعض الآيات وردت الأعمال معطوفة على الإيمان والعطف مقتضى للمغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وأضاف إلى الآيات والروايات الإجماع : قال ؛ أن الأمة أجمعت على ان الإيمان شرطاً لسائر العبادات والأعما ل المقربة من الله سبحانه ولو كان العمل بالطاعات من أركان الإيمان لزم أن يكون الشئ شرطاً لنفسه .

فقد جاء في رواية محمد بن مسلم عن الإمام الصادق (ع) قال : ( سألته عن الإيمان فقال : شهادة أن لا إله إلا الله وإقرار بما جاء من عند الله وما أستقر في القلوب من التصديق بذلك فقلت له : أليس الشهادة عملاً ؟ قال بلى ! قلت ؛ العمل من الإيمان ؟ قال : نعم ! لا يكون الإيمان إلا بعمل والعمل منه ) ولكن هل الإيمان متحد مع الإسلام ؟

اختلف الأمامية في القول به فقد جاء في أوائل المفالات للشيخ المفيد ما نصه : ( واتفقت الأمامية أن الإسلام غير الإيمان وأن كل مؤمن مسلم ، وليس كل مسلم مؤمن ، وأن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما طان في اللسان ووافقهم على هذا القول المرجئة وأصحاب الحديث وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك ، وزعموا أن كل مسلم مؤمن وأنه لا فرق بين الإسلام والإيمان في الدين )  .

وقد نسب إلى المحقق الطوسي قوله بأتحاد الإيمان والإسلام مستدجلاً بما جاء عن الرسول (ص) أنه رتب أحكام الإسلام على من أقر بالشهادتين بمجرد إقراره بهما ما لم يعلم ذلك المقر تسهيلاً على الناس ودفعاً للحرج وأيد أتحادهما حقيقة بقوله تعالى : ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) والاستدلال بهذه الآية إنما يصح بناء على أن غير بمعنى الاستثناء المتصل المفرغ وعليه يكون حاصل الكلام ( فما وجدنا فيها من بيوت المؤمنين إلا بيتاً من المسلمين ) الآية ولابد أن يكون المستثنى المتصل من جنس المستثنى منه ومن مصاديقه ولازمه اتحاد المؤمن والمسلم إذ لا يمكن في المقام فرض عموم المستثنى كما وأنه لم يقل أحد بأن الإيمان أعم من الإسلام .

والظاهر أن الاستثناء الوارد في الآية لا يدل على اتحادهما ، ويكفي الإسلام أعم من الإيمان .

وقد رجح الشهيد الثاني اتحادهما . وعليه اتضح أن ما قدمنا  له من بحث ضرورة التلازم بين العقل والإيمان فلا يصح وجود أحدهما دون وجود الآخر ؛ فالعقل يدعو للإيمان لأنه يوفر العلم والعلم بطبعه الذاتي لا يتوفر وجوده في الخارج عمكلياً ونظرياً  دون توفر وجود العقل وهو ما يدعة للإيمان من كونه متعلق بشرطه ، وأيضاً أتضح أن الإيمان له مراتب بحسب الوجود فما يعنينا هو الإيمان بالحق الأول الذي يرشد من باب المقدمية إلى الإيمان بالحق المخلوق مما يولد في النفس طريقن فيه أحدهما إيجابي والآخر سلبي ، وهما معاً يكونان العمل بما ينفع السلوك العام فرداً وجماعة وقد استهدينا في ما توصلنا إليه حسب قانون العلية ضمن الدليل الفلسفي والاستقرائي في الحكم على الموضوع وعلته .