العقل والأخلاق

من بين كل ما يمكن تصوره في العالم ، بل وبوجه عام خارج العالم ليس ثمة ما يمكن اعتباره خيراً إن لم يكن الإرادة الخيرة . هذه العبارة : الإرادة الخيرة ظلت إحدى الصيغ الدالة أعظم دلالة على الطريقة التي يتصور بها ــ كانت ـــ الأخلاقية فهو ينكر أخلاقية على كل ما لا يعتمد أعتماداً مباشراً ومطلقاً على الكائن العاقل ، أو أن الكائن العاقل لا يمكن بنفسه أن يكون صاحب أو سيد القاعدة التي تتحدد بمقتضاها الإرادة الخيرة ، هذا التصور للاخلافية  مستمد يقيناً عند ــ كانت ــ من ميوله المسيحية ويمكن المرء أن يرى بوجه خاص في كتابة عن الدين في حدود العقل البسيط كيف أن هذا التصور ملتصق صراحة بروح النزعة المسيحية ، التي تطالب قبل كل شئ بنقاء القلب أو النية والتي يؤكد ان الحياة الأخلاقية هي من حيث الجوهر حياة الباطن .

لعل دور الميتافيزيقيا والتجربة هما بالأساس العوامل التي أنشات لدى قطاعات واسعة من الناس شعور على ترابط جدلي أزلي وجد بين هاتين الضرورتين فالعقل إنما حكم على أستنباط الدور من الميتافيزيقيا ، فكأنما وضع نظام للأخلاق أكتسابية ، وهي بدورها فاعل قوي مؤثر في الإرداة محرك بأتجاه النزعة الأخلاقية والشعور الفلسفي تجاه مبادئ الأخلاق .

أما التجربة فإنما تضفي على تلك مدى الإيجابية أو السلبية ومدى الشمولية والجزئية لأنها بالفعل متأثرة بنفس الفاعلية وبقوة الإتجاه الفلسفي الذي تكمده الماورائية بقوة تجعل التجربة تميل على مدى الضرورة في إيجابية معلنة ؛ ومن هنا يحتاج ان نبين على وجه الأجمال حاجات تبادر الذهن حال النظر إليها فعل سبيل المثال نقول : هل أنها جاءت بقوة الطبيعة وفعلها ومبادئها العامة ؟ أم أنها جاءت كنتيجة حتمية لتصورات العقل عن الكون والحياة ؟ ولا بد حين الاجابة ان نقول اننا بداهة نربط كل قانون نحسه أو ندركه من خلال المشاهدة أو العوامل التجريبية فأننا لا نبعده كثيراً عن قوانين العلة والمعلول ومن هنا فالاتجاه الذي نرجحه إنما يلزمنا بالقول : أن الأخلاق متضمنة لقانون العلية ومشمول بها . إذن فلا شك سيكون جواباً على الشق الأول من السؤال الأول وبالنفي لأننا قطعاً لا نحتمل وجود نظام لقوانين مترابط وحاجات أجتماعية ونفسية ،

يأتي من أثر عوامل مبهمة وغامضة لأن ما لا يدرك بالذات لا يؤثر بالنظام ولأن النظام تجري فيه الإرادة والحرية بشكل متناسب فيقتضي أن لا نحيل الإجابة على ما نؤمن به من ربط  وضبط تأمين في حياتنا إلى عوامل وأمور نجلها بحيث تكون علة الانشاء لما نفعل ونقوم به علة سلبية ، فالإيمان بها ممتنع لتناقضه ومبادئ الإيمان الأولية وحاجات العقل الصريح في الحكم على المعلول الإيجابي من علته ، ولهذا فالعوامل المبهمة والغامضة لا تكون لدينا علة منشئة لنظام العلاقات الأخلاقية وأسسها العلمية مما يوحي بالنتيجة أن الرفض لم يكن لذات الغموض وحدة بل إلى على الغموض وشرط الفعل القادم منه وأثر المعلول الإيجابي الذي هو علة منه ؛ لكن يقتضي القول أن ما نقصده بالماورائية المتفائلة هو عالم النظم والتكوينات الطبيعية لما وراء أحساسنا بالظواهر يستلزم بالقول أن ما تمثله إنما مثالية لما وراء الطبيعة والميتافيزيقيا ، والقول فيها على أساس إيماننا المسبق بالفكرة لذلك العالم ، أي الإيمان بأن الفكر إنما ينشأ من الوعي والوعي ليس حالة للإدراك بما هو من علة ناقصة ، لأنه يستوجب الفعل بالطبيعة لكنما هو الوعي ومنه أي بما هو علة كلية تترشح عنها جميع الحركات والتصرفات ، مما تمد الطبيعة بنظام تام يمثل حركة الحياة على ان لا تغلب الرغبة والعاطفة على العقل ، إذ كان ما يؤدي إليه هو الإحساس بالمجهول دون المعلوم بما هو علة لكنها ليست تجريبية تنظيم الحياة للفرد وللجماعة وللوعي المشترك بينهما وهو تنظيم لا يشمل الحركة الكلية الخالصة فيهما ، بل يتبع ذلك تنظيم العلاقات الجدلية التامة المقصودة التي هي حركة الجزء تجاه الكل في عالمي الطبيعة وما ورائها أي إن نفس القانون الأخلاقي وفلسفة إنما تجري عليه ذات الإيمان الذي يوحي بأنه إنما يرتب نظاماً للسعادة والفضيلة التامتين ، لنه لا يجري مع الفرد في رغبته المجردة بحيث يجعلها فوق نفس الضوابط البيولوجية والإجتماعية ، لأنه إنما يرتب شرط الفعل وذاته ولا يقسمهما إلى علة ومعلول تسلسلي يؤدي إلى لا نهائية سلبية ، لأنه قادم بفعل أثر العقل الكلي الذي هو فعال ، وفعله تمام نظام الضبط في العلاقات والحكام بحيث لا تكون الحاجة إلا معلولاً له بما هو تنظيم ذاتي مستديم ، يوحي بأنه مدون لأنه يمثل  شرط العلاقة الأولية والبعدية ، فلا تناقض بين الباعث والمبعوث أو المحمول والقضية ما دام الموضوع واحداً والحكم عليه واحداً فهو ثابت لا يتغير أي لا تتبدل وسائله بالوصول إلى هدفه .

فلا غايات تبريرية قد تقال على أساس انها مبدأ مكتسب من فعل الحرية إذ انها لا تشذ عنه لأنها معلول كلي تام هو مقتضى نفس التشريع الأخلاقي لمرحلة القبول والإلزام ، بحيث لايتم الوجود إلا بالوعي والإدراك لأنهما يدفعان للفعل والتأثير والتأثير وليس هو من باب المقابلة إنما هو الفعل الملزم الإيجابي ، الذي تدركة المشاعر النفسية وتدفع إليه قوانين التكوين بحيث تكون له شعور متفائل هو تمام القانون الذي يمثل العلاقات الخلاقية العملية والسلوكية الواجبة الإتباع إذ هي ليست نسبية ولكنها في البعض ليست مطلقة أيضاص ةمع توفر الدافع وانتفاء المانع ، هذا الإيمان يدفعنا للقول بأن الله سبحانه إنما رتب للعالم أصولاً وأسس أخلاقية عامة ليست باحاجات المؤقتة والضرورية في ظرفها ، بل انها حاجة دائمة وضرورة عرفية ثابتة فالأقرار بها إقرار بالتشريع منه لها فقولة تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .

ليست حاجة تحددها ضرورات ظرفية معينة ومحدودة في زمان ومكان إنما هي قانون يرتب العلاقة بفعلها والآثار المكطتسبة منها علىالأصعدة كافة ولهذا فهي إيجاب إيجاب . على المستويين العرفي والإجتماعي الخالصين ، بمعنى أتم أنها تترشح من نظام الأزلية الكامل الذي تصبح معه فلسفة الأخلاق قائمة على جدلية العلل الموضوعية أنشاءاً وجعلاً إذ تكون كذلك إنما تثبت ما قلناه بدواً أن العلة التامة صانعة للسعادة ولأنها إيجابية بالذات لذلك فعملها وجودي يترشح من نظام غالب العلة يرتب للحياة نظام الحركة الأخلاقية الكلية ، ويظهر لنا بالتالي عمومية المصداق القادم من الماورائية وهو الإجابة الإيجابية على سؤالنا المتقدم . أما الجواب على السؤال الثاني فإنه بالبداهة يخضع إلى علمنا المسبق بمبادئ الطبيعة العامة وعلاقتها بالوجود العام ، فقد نوهنا إلى أن الطبيعة ليست ذات قانون مدون ولهذا فمعرفتنا به تكاد تكون مختلفة لفهم كل واحد منا لطبيعة القانون ، ولكن الأمر الذي لا ننكره إننا لانفرق بين ما يفهمه الفرد من الطبيعة وبين ما تمليه الطبيعة على الفرد ، فهي في النوعين لها إرادة تحتفظ بنظام عام قد يكون ثابتاً في حدود معرفتنا بظواهره ولكنه مع ذلك لا يشذ عن الطبيعة العامة التي لا يختلف أثنان بأن لها تأثير ما على درجة الأخلاق والسلوك الفردي ؛ فالمعاصرة الدائمة والأكتساب المتكرر يضفي على الفرد قوة تجعله يركن إلى متطلبات قوانين الطبيعة العامة ؛ فهي إذ تؤثر على سلوكه غنما بذلك تمنطق السلوك بما يكون علة إيجابية في حركة الفرد ؛ فهي لها فعلها الخاص وهو ذاتي مستديم له قدرة فعلية في تمام شمولها على الحدود الممكنة داخل اطرها العامة .

يصبح فعلها ممتلك للقوة التي تؤثر بمقدار ذات القوة ورد فعل التقبل أو الرفض لها ؛ فالطبيعة ليست عقلاً إنما هي من العقل ولهذا فليست قوانينها بالقوة تؤثر في ثبوت الأخلاق لكنها ظرف للتجربة الأخلاقية المكتسبة إما هي على مستوى الوهب ، فإنما تملي ذات الأفكار المختزنة التي تعيدها في تمام شروطها لذلك فهي من هذا الباب تكون وعاء لتجربة المفاهيم الأخلاقية المكتسبة في درجتي القانون الذي منه العقل ،

يثبت بأن الأكتساب عملية جاءت من قوى فوقية ، ولكن مجالها في الحدوث والأمكان التجريبي تقليداً هو الطبيعة إذا هي معلول في دائرة العقل لأنها ليست عقلاً صريحاً وبالتالي فهي ترفض ضمن نظامها وحسب الإنسجام ما يعود بالشر على قانونها لن تولد الشر إنما هو فعل الطبيعة يعني مكان إمكانية وحدوثه الظرف الطبيعي لعالمها الخاص لهذا فهو عدمي ؛ والخير ليس منها لأنه لا يتولد إلا عن علة عاقلة وهي ليست كذلك لأمتناع أتصافها بصفة ، لا أن الإمتاناع ناشئ من ظرف الطبيعة وفعلها بين منها بما هي ذاتية لأنها معلول لانكشاف برهان التجربة فيها ، أضف إليه أنها توصف بالعقل النظري المجرد وهو ما يكتسب المعارف وليس هو مولد إذن ففعلها ومبادئها لا تكون كنشئة وهو ما يكتسب ، وبالتالي فهي إذ تصبح مكان للبرهنة على التجربة الأخلاقية وعلى إثبات فلسفة الأخلاق وقوانينها الذاتية ؛ لا أنها مؤثرة فيه بفعل من الوجود التام أو العملي بل هي لها قدرة ولكنها بالصيغة الذاتية لوجودها غير خارجة عنها إلا تخصصاً وهذا ناظراً إلى فرد النوع منها لا إلى الجنس لآختلاق المحمول والمحمول عليه ، فالخبرة ونظام القوانين المدنية والأدارة كلها إرادات أخلاقية ولكنها مشرعة حسب ظروف واستيعاب الطبيعة لها والعاطفة تجاه أياً منها لا يجعلها فوق التشريع لكون الأحساس بها من معلومات وجودها العام والمستهدف أساساً من حركتها ، لكنه لا يعطيها حق الأولوية بل هو مع العقل في التحكم في الأنظمة حتى مع الحرية التي هي من المواضيع التي تأخذ مجالاً أوسع في الطبيعة على أساس وجودها الذاتي والعرضي ، القهري ، والمكتسب ولكنها لا تعود إلى العاطفة حتى يمكن صياغة تشريع مؤقت أوله الحدود النفسانية الخاصة لأنها منه بل إلى العقل الذي يتحكم بها ويضفي عليها صفة القبول الأخلاقي والشرعي حتى تولد تناسب إيجابي بين طرفي القضية والتجربة الأخلاقية فيها ؛ وقد ترى ذلك في جواب الفيلسوف الكبير صدر المتألهين رحمه الله ( إذ يقول ما من شئ إلا ويمكن أن يتصور في العقل أما بنزعة وتجريده من المادة وأما بنفسه صالح لأن تصير معقولة لا بعمل من تجريد وغيره يعمل فيه حتى تصير معقولة بالفعل . وقد سبق إن معنى تجريد المحسوس حتى يصير معقولاً ليس بحذف بعض الصفات عنه وإثبات البعض بل معناه نقله عن الوجود المادي إلى الوجود العقلي .)

وهذا الرأي يسري على الموجودات الطبيعية بالكلية . ويمكن الإجابة عن السؤال الثالث بأن العقل له إرادة الفعل وهو إن قلنا بالفعال حياله فأن الأخلاق مترشحة عنه ؛ لأن ذلك ما نعنيه بالمنطق صاحب الأمر والأرادة الذاتيين أما لو كان في الصريح منه فلا شك انه يستجيب للإرادة الدافعة للفضيلة والزاجرة عن أتباع الرذيلة ، ومنه أيضاً يستفاد العلم بالحسن والقبح الذتيين من هنا كان ما يقره الصريح يقره الفعال بدرجة الضرورة القصوى التي هي بمثابة الترابط الجدلي بين المقولة بالفعل والقوة فهما لذات الفعال مشتركان بالوعي والأطلاق ، ولكنهما للصريح منجزة بالفعل إذ لا تقرير دون أصله فهو مرتبط به لذلك فالنزعة الأخلاقية وعاءها العملي منه بالخصوص لأنها منه على سبيل الفعل وهي ترتبط بجدلية الوجود الموضوعي له فما يرتبه إنما هو فلسفة الإيمان بالنزعة ومحتواها الإجتماعي أي لا فقط ما تقره من أعتباريات فطرية على مستوى الإيمان بالفضيلة والخير بل أيضاً ما تكون عوامله السيكولوجية إيجابية من خلال قدرة المعرفة لظرف العقل العملي ولا تغرب الفكرة بالكلية عن النفي السلبي للإرادة المحضة على مستوى الفعل في الشر ، لأنها ليست منه كما تقدم قوله لكونها عدمية محضة وبالتالي تكون ممتنعة الوجود فيه ، بما هو تقرير للفعل الأبتدائي نعم إمكانها بظرفها الخاص والمتعلق بعلتها السلبية ،

التي تكون أنفعالية وعائها العام الأمور النفسانية والجسدية أي ما يتعلق بالخصوصية المادية منه لا الروحية الكمالية .

وإن قلنا بوحدتهما في الموضوع لكن الحكم يختلف من حيث مكطلق بذاته او مطلق بالعرض ، وهو إلى الثاني أقرب مما يولد قناعة بأن الرذيلة ليس موردها العقل الصريح المتعلق بالله لكنه لا يمنع أمكانية الحدجوث في كل ظرف إيجابي له نقائض طبيعية لا منه بالذات ، بل بتعلقه بعالم الطبيعة وهذا ممكن بذاته مع قولنا إن كل ما كان مجرداً  عن الطبيعة ولواحقها فذاتها المجردة حاضرة لذاتها المجردة وكل مجرد يحضر عنده مجرد فهو يعقله . فإذن كل مجرد فأنه يعقل ذاته . وهذا ممكن التصور لأنه ليس خارجاً عنها بل منها وتؤثر به على نحو الموجبية والسالبية وإلى ذلك أشار الشيخ الرئيس لكنه قال أنها متعلقة بملاكاتها الذاتية الوجودية في حين العلم الأولي لها مرتكز على لا تعددية في معلولاتها ، بل إلى معلول واحد لكنها غير مستوعبة بالكل لإمكان اشتمالها على أجزاء متعددة ومعينة خاصة فلا يوحي التجرد فيها إلى علة خارجة عنها إلا إذا كانت غير معقولة أو أن تصورها لا ينطبق على مصاديقة العملية ، ولأن النزعة الأخلاقية لا تشذ عن طبيعة العقل فلهذا لا تكون علتها في الطبيعة منها إنما هي منه على أساس أشتماله عليها ، فترك الخير في مكان لا يتم إلا بحصول خير أكبر منه .

وهذا لا يولد حباً للآنا العليا بل هو التماس المنفعة المتجزئة والتي تكتمل بحالات العقل والمعرفة التامة ما دام العقل لا يطلب شيئاً يعارض سير الطبيعة ، ويجب فيها أن تكون الفضائل ضرورات من القدرة لا تنفي التواضع وليست هي الدعوى إلى الإستسلام بل إلى معرفة بطريقة الحب في الفضيلة مع مرعاة العواطف العامة ؛ فالعاطفة مثلاً عبارة عن فكرة ناقصة ما لم يهديها العقل كما أنه ميت ما لم تنفخ هي فيه روح الحياة ، من ذلك يجب أن تستخدم كقوة دافعة يسيرها العقل كيف شاء ، ولأنها بالفعل لا يمكن أن تكبت أو تدفع إلا بعاطفة أخرى مناقضة لها تكون أقوى منها ، وبالتالي فلا تظل كذلك إلا إذا تكونت في الذهن فكرة عنها واضحة ومحددة أي أنه كلما أستطاع العقل ان يحول ما فيه من عواطف إلى أفكار يصير أمتن أساساً وأبعد أن تزعوعه العواطف الجامدة ، فالشهوات أن تولدت من فكرة مبهمة ناقصة عدت عاطفة إما إذا نشأت عن فكرة واضحة محددة كانت فضيلة ، أي أن كل ما يعمله الإنسان مبنياً على أساس من العقل والتفكير لا على المشاعر والعواطف فهو عمل فاضل ،

إذ لا فضيلة مجردة إلا بالعقل ومنه سواء الفعال أوالصريح ــ فبالعقل يمكن ان يتحكم الفرد بمستقبله وأن نفسه من كثير من القيود ، إذ الحرية الحقة هي سيطرة العقل ةفاعليته وهي التخلص من أغلال العواطف العمياء التي لا تستنير بهدي العقل وإرشادة فلن يكون الإنسان حراً إلا بقدر ما هو عالم عاقل . وإلى ذلك ذهب المفكر جون ديوي بقوله : يكون الطبيب أو المهندس حراً في عمله بقدر علمه بما يقوم به من عمل ولعل في العلم مفتاح كل حرية .

وبالتالي فلا أخلاق يمكن ملاحظتها أو الشعور بها دون العقل فهو مفتاحها كما ان العلم مفتاح الحرية .

تنبيه :

قالوا بأن للأخلاق الكاملة صور ثلاث : أولها ما دعا إليه بوذا والمسيح من الرحمة واللين ، واعتبار الناس جميعاً سواسية لا يمتاز رجل عن رجل وهما يدفعان الشر بالخير ويوحدان بين الفضيلة والحب في السياسة إلى الديمقراطية المطلقة وثانيها ، ما دعا إليه ماكيافيلي وهوبز ونيتشه من تحبيذ القوة وعدم المساواة بين الناس ، وهما يدعوان إلى القتال إذ يرون أن فيما فيه من أخطار وأنتصار لذة الحياة كلها . وعندهما أن الفضيلة هي القوة وينادون في السياسة بتسليم الحكم إلى طبقة أرستقراطية . وثالثها : أخلاق أرسطو وأفلاطون وسقراط الذين ينكرون إمكان تطبيق أحد المثالين السابقين تطبيقاً عاماً فلا القوة وحدها ولا الرحمة تستطيع أن تسود ، وهم يعتقدون أن العقل المثقف الناضج وحده هو الذي يستطيع أن يحكم تبعاً للظروف المختلفة متى يجب أن يسود الحب ومتى ينبغي أن تتحكم القوة وهم بذلك يوحدون بين الفضيلة والعقل ويرون أن تكون الحكومة السياسية مزيجاً من الارستقراطية والديمقراطية .