العقل والقانون

يطلق لفظ القانون مأخوذاً بمعناه المطلق على كل حالة يخضع فيها منظوراً إليهم كل على حدة سواء اكان المر متعلقاً بمجموع الموجودات او ببعض الموجودات المنتمية إلى نفس النوع لقاعدة سلوك واحدة محددة ، ويتوقف القانون إما على ضرورة طبيعية وإما على قرار إنساني ، فالقانون يكون معتمداً على ضرورة طبيعية عندما يصدر بالضرورة من طبيعة الشئ ذاتها او من تعريفه ، ويكون معتمداً على القرار الإنساني ويسمى عندئذ بالاحرى قاعدة تشريعية عندما يفرضه البشر على انفسهم وعلى الأخرين لجعلوا الحياة اكثر امناً وأكثر يسراً أو لأسباب أخرى .

ونحن إذ نعتبر القانون آلية غير جامدة نسبغ عليه صفة العلمية ، أي أنه يمتلك ذاتاً النظام الذي يؤهله أن الجماعة بحيث تكون فقراته قائمة بالتوازن مع الحق الطبيعي الذي لا يضفي عليه الصبغة الشرعية فحسب ، بل ويؤكد على الالتزام ببنوده مما يجعلنا ندرك إنما هو ذاته حق طبيعي لكنه غير مدون هذا من الناحية النظرية فقط أما حينما نجعله توكيد للحق والزام به إنما نضفي عليه الصبغة التدوينية ، التي هي بالحرى نظام من الضوابط والألتزامات العامة التي لايكون الإخلال بواحد منها إخلال بالأفراد المجتمعة فحسب بل وبالماهية والكمال له . وهذا الترجيح ليس تأويلاً قابلاً للاحتمالين بل هو كشاف في عين الوقت عن العلل القريبة المنشئة والمكونة للقانون ذاته ولا يتحصل العلم بها مجرداً عن موضوعاتها الإحتمالية وعللها المباشرة ، ولكنها هو يجعلها بالذات غرض الأمكان الضروري للعقل البشري بجزئيه ، وقد يظهر أن الإطلاق فيه يأتي مجازاً ، لأننا لا نقصد من لفظة الإطلاق منه إلا مجموعة الأوامر والنواهي التي يحتويها .ويشكل على أساسها مجموعة النظم الحادة منها والمبيحة لها . وأعتقد ان مجرد النظر إلى الهيئةالتشكيلية له تبادرنا علاقات انتصابية واكتسابية وقهرية وهذه فيه لا تأخذ شكل الصدفة في التكرار والالزام إنما تعود إلى صياغة مسبقة لإلأوجه نشاطات العقل في مقدمات المواضيع الممكن والمحتل الحكم فيها او عليها .

وليس هي ميكانيكية آلية تستنتج من الطبيعة التقليدية ، ولاهي ديناميكية لا شعورية . بل هي مجموعة نظم لضوابط حددت بأتقان وعلم مما يوحي عن مشاركة فاعلة في صياغتها وبرمجتها ، ولا تعزى إلا للعقل بأعتباره أداة القابل على تحريك الإرادة والفعل ضمن المشيئة والأختيار المناسب للطاعة القائمة بذاتها والموجبة تقريراً بالبرهان ، وعليه فالقاعدة تشمل الطبيعة والأمر بها كذلك تشمل التشريع والأصل فيه وهذا لا يكون قائم بالتكوين إلا بمفاد تعليق الحكم على الصحة والخطأ وهو ما يقوم به العقل وحده ، ولكنه هنا يجدر أن ننبه إلى أن القانون يمكن تقسيمه إلى قانون إنساني وقانوني إلهي ؛ ونعني بالقانون الإنساني قاعدة للحياة مهمتها الوحيدة هي المحافظة على سلامة الحياة والدولة وتقديرات القانون الانساني تشمل الحاجات العرفية والأدبية والأخلاقية في المجتمع ، والذي يثبت الصح فيها من الخطأ .

لا ذات الطبيعة في الحاجة بل العقل من المعنى العام للمفاهيم الآنشائية . وأما القانون الإلهي ؛ فنعني به قاعدة لا تهدف إلا للخير العام أي إلى المعرفة الحقة وإلى حب الله وهذه تكفي في معرفة ان الهدف هو إنشاء نظم مشتقة من قاعدة كبرى لمفاهيم واعتقادات ومبادئ منطقية وعقلية بالفرد والجماعة والمطلق وهذا بدوره يشكل قناعة مشتركة أصلها العلاقة التكوينية التي تضفي على مجمل القانون بشقيه العلاجات والنتائج ، ضمن ثوابت صادقة لا تقبل التأويل إذا كان ما في الظهور ما يغني عن استكشاف الحق المؤدي عبر أستنباط الحكم من موضعه العام وإلا بالأستنباط يقوم بالدور الكاشف المؤدي إلى المعرفة الحقة ولكن لما كان العقل ؤأفضل ما في وجودنا فلا شك إننا إذا أردنا حقيقة البحث عما هو نافع ، فعلينا أولاً وقبل كل شئ أن نحاول الارتقاء بعقلنا بقدر الإمكان ، لأن خيرنا العام يتحقق في هذا الارتقاء ، وفضلاً عن ذلك فإن معرفتنا كلها وكذلك اليقين الذي يقضي . بالفعل على كل شك يتوقف على معرفة الله وحدها ، لأن الشئ لا يمكن أن يوجد أو يتصور بدون الله ، ولأن في إمكاننا أن نشك في كل شئ طالما ليست لدينا عن الله فكرة واضحة ومتميزة ويتبع عن ذلك أن خيرنا العام وكمالنا يعتمدان على معرفة الله وحدها ، فضلاً عن ذلك ، فلما كان يستحيل وجود شئ او تصوره بدون الله فمن المؤكد أن كل موجودات تحتوي على فكرة الله وتعبر عنها حسب درجتها في الماهية والكمال .

ومن ذلك يتضح أنه كلما أزدادت معرفتنا ةبالأشياء في الطبيعة كانت المعرفة التي نحصل عليها باللله أعظم وأكمل .

لأن معرفة المعلول عن طريق العلة ليست إلا معرفة لخاصية معينة للعلة .

وكلما عرفنا أشياء أكثر في الطبيعة كانت معرفتنا لماهية الله ( وهو علة الأشياء جميعها ) أكمل ، إذ أن الخير العام لا تكون معرفتنا به تامة دون المعرفة بالله ، أي أنها فيه بالكلية وهذا يؤدي إلى أن كمال الفرد يكون بنسبة طبيعة وكمال الشئ الذي يوده فوق كل شئ ولعل العكس أيضاً صحيح ، ( وعلى ذلك فإن من يفضل المعرفة العقلية لله أي للموجود المطلق الكمال على كل شئ ومن تزيد نشوته بها يكون بالضرورة هو الأكمل ويشارك في السعادة القصوى .

ففي هذا إذن أعني المعرفة هي السعادة القصوى حينما تكون مترشحة من الله ) .

ويعني ان لتحقيق تلك السعادة علاقة منشئة هي ركن السعادة الأول ما يدلي به عليها هو ذلك التصور اللا مجهول للحقيقة الطبيعية ، أي أنه بدونها لا يشعر بأنه يمارس الدور الذي يشكل له قاعدة للحياة حالما يكون ذلك الشعور ليس فقط العلاقة المركبة الخاصة لأنه لا يتم للقاعدة حركيتها إلا بفعل عموم الإتجاه الشامل للمركب والبسيط ، بحيث تبقى قاعدة ليست جامدة من هنا فهي أيضاً تكتسب شعور المعرفة بالكلي الذي يسبغ عليها الطبيعة الألهية إذ هو معها يستحيل التفكيك بين ما هو إنساني او إلهي طالما نتيجة الكل بإتجاه الوعي المشترك بالسعادة ، التي هي الخير العام المستهدف جدلاً من حركتي العقل الشعورية والإحساسية .

فالنظم المستمدة منه إنما تركز على التوافق الطبيعي الواجد للعسادة في غايتها القصوى أي أن للأخلاق أيضاً عمل من القاعدة لكنه مكتسب بالمعرفة والحب في الشرطين التامين ولا أعتقد ان الإجابة عن هذه الحقائق تستمد من موضوعاتها المجردة لأنها لا تشكل الحل بما هو وحسب مقتضى الطبيعة العامة إلا إذا كان له قابلية التدخل الإيجابي المقرر من قبل القوى الفوقية .وهذه بدورها لا تسن قانوناً وإنما تعطي صلاحية الأمضاء بعد تحقيقه عقلاً . فهو الذي يستطيع نقله من وحي الفكرة المجردة إلى الحقيقة الموضوعية . وعليه فهو يكون القناعة والحل لها بما تصبح به يقينية منجزة أي فعلية مقررة ، وهذا له مقدماته الحكمية في القانون والعقل وما يتعلق بهما ، ومن هنا فإن لنا كل الحق إذن بعد ما تبين أن نسمي قاعدة الحياة التي تستهدف هذه الغاية قانوناً ، بل أن القانون يتخذ طابع القاعدة لا بوصفها جامدة متى ما تعلقت الغاية بالهدف بحيث تصبح واحدة مع توفر شرط الوسيلة المستهدفة للقاعدة بحيث تصبح قاعدة متحركة قانونها ذاتي طبيعي أي أن له شروط التكوين الذاتي المستديم الذاتي وغيره وما يوصلنا إلى ذلك سوى القدرة العقلية العملية واحياناً النظرية العملية ،هذا من ناحية القانون الإنساني أما من حيث القانون الإلهي فإن المعرفة التي يجب أن يصار إليها ليست إلا تمام الخير في سعادة الإنسان على أن لا يكون الهدف من المعرفة الكسب المادي ، ولكن ماذا نعني بالمعرفة ؟

وهل لها قانون عقلي يميزها ويصبح عليها الطابع العلمي ؟

هنا لا بد من التنبيه أن المعرفة هي كمال اليقين ولكنها ليست المعرفة الجامدة أو الآلية بل هي تمام الإدراك مع الإرادة المتولدة عنه الحب المطلق الذي يكشف عن الرغبة القائمة على غير تبادل إنما لأجل الحب وحده ، لا الخوف من العذاب كما يظهر من مدونات اللاهوتين ،وليس هو الرجاء الذي يوعز للفكرة على انها تحصيل لذة اوشهوة تعلقها بالمعرفة مما يفقدها شرطها الموضوعي ، لأن بدئية ينافي العمل بتحصيل الخير العام ـــ أو الخير الأقصى كما لدى سبينوزا ــ لأن المعرفة بالقانون تستتبع العلم به ، والعلم لا يجرد الحق طريقته التقلدية في الكشف والبرهان عن التشريع الذي يثبته العقل كما تقدم ، في حين هذا التثبيت ليس علة كبرى في القضية ، بل هي الحد الأكبر كما هو مذهب أرسطو ، وفيها تصبح العملية شعورية نفسانية أجتماعية تولد بطبعها حدود المبادلة الإيجابية التي تحتمها تمام المعرفة فالقول ( ما عبدتك خوفاً من نارك ولا كمعاً في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك ) هذا يرتب تمام الممارسة في العبادة لا بحدود البيع والشراء بتمام الحب المدفوع بقرينة المعرفة القائمة على خاصية الوجود ،

والجود كما يقول الحكماء يأتي بعد الوعي أدراكاً أي متأخر رتبة في تقسيم الحقيقة المفهومية ،

وهذا ليس هو التصور المجرد الذي قد تنطبق مصاديقه في قضاياه أو لا ، بل هو مصداق عملي نرتب عليه علة القانون ومعلولاته مع الطرق الممكنة إيجاباً وسلباً في أحقية القانون على الصعيد القطري تشريعاً ، أي أنه متى ما أصبح فعلياً لا يكون كذلك لوحده ، بل يجب أن يستمد بالقوة من الحقيقة الموضوعية المطلقة التي تضفي عليه الصيغة التشريعية الواجبة الأتباع ، لأنها بداهة أقيمت على أساس من النور الألهي والعقل الفعال ؛ ولأنها شاملة بحيث تلائم التكوين لطبيعة الإنسان وتهدف في ذلك إلى المحافظة عليه من الطرف الآخر ، بتحريك قواه الفاعلة عقله المدرك ، إذن فالأخير يكشف عن طاقة الأول سواء في مجال التشريع أو الفعلية لأنه يرتبط بقوة التشريع المطلقة والتي تكون شاملة لأنها تعم الناس جميعاً ، لأننا قد أستنبطناه من الطبيعة الإنسانية منظوراً إليها في طابعها الكلي الشامل ، بحيث تكون متطلبة لعدم التصديق بالرواية التاريخية العامة المضمون او الاعتباطية ، لأن فرضنا قائم على طبيعة القانون المعروف ضمناً عن طريق تأمل الطبيعة البشرية وحدها ، أي انها مع الجنس وفي كل فرد فرد وهذا يلوح على التأمل التصديقي في الرواية .

حتى لو أدركنا أن الواحدة من الأحاد حكمها ينقضي بالصحة لأن العقل والعقيجة ترفض الحكم بالأحاد من الروايات ، كتثبيت أصل أو الدفاع عن محتوى يظن أنه من بابهم ، لأن اليقين كما حقق في محله معروف بذاته مكتسب بطريق العلم بالمعرفة للمطلق ، الدافعة بحكم اليقين إلى الحب بعد العلم به .

وقد جاء في العهد القديم ( لا يستطيع الإنسان ان يحب إلا ما يعرفه بوضوح وتميز)

ولأن هذا القانون الطبيعي لا يتمسك بالأشياء التي لا تعني شيئاً في ذاتها ، أي التي لا تحل لإلا بمدخلتها لأحد الأنظمة فتكون معه الفعل ىالقهري الرفوض ، من هذا فهو لا يتطلب أفعالاً يتعدى تبريرها حدود الفهم الإنساني في الحد الممكن والقابل للوضوح والرؤيا ، ولكن قد يوصلنا إلى أشيئا نجهلها بحدود الفهم الإنسان ما دام انها لا تتنافى والمصلحة والخير العام فالجهد قد يكتسب هذه بمجرد وصوله إليها لتحقيق المنفعة والسعادة وذلك يأتي بالنور الفطري حقيقة وفي الواقع . أضف إلى ما تقدم فإن ما نحصل عليه هو البلوغ بالمعرفة لكشف الهوية لا الذاتية للقانون الإلهي بل طبيعة صفاته ، وبهذا يكون عرفني نفسك قدر متعلق بظللت عن ديني وحدود التقابل هذه الدال عليها والمعرف بها هو العقل . وبذلك يمكن القول بأن العقل هو القانون ولكنه القانون المجرد ويصبح القانون الطبيعي حالما يكتسب المعرفة من القدرة المطلقة ومعرفة الله سبحانه وتعالى .