العقل والطبيعة

قبل البحث يقتضي التنويه إلى ماهية العقل الوجودية ، فقد تضاربت آراء الفلاسفة حول الماهية الواقعية للعقل . فمنهم من أعتبرها مادية وأنها متعلقة بوجودها الذاتي . حالما ينظر لها ككون وجودها ليس له علة إلا من خلال نفس نظرتها تجاه المعلولات . وهي قائمة بذاتها خارجة عن كونها منشأة بعلل أقوى منها ولهذا فهي ذات سعة وكثافة وحجم تقوم جميعها داخل تصورات ومصاديق تصدق أحياناً وتخطئ أخرى . لكنها ليست إلا ذات نفسها ومن هنا فهي متصورة بالطبيعة بالذات المتكشف بصورة وضمن حلقات التطور الخارج عن التنظيم الذاتي الثابت . ومن هنا اقتضى الاختلاف في درجة الوعي والقبول والفاعلية والفهم للحواهر والماهيات الأخرى ، التي يحكم عليها من خلال التجربة أو الإحساس ... ومن أعتبرها مثالية حكم عليها من خلال الوعي المطلق الذي يولد بداهة الوعي المشترك بالوجود وحق الوجود مما يرتب عليه نظرية السلوك التكويني والانتظام الارادي ، وهذا يجعله يحس حالما يدرك على ان لا يكون ذلك خارج الفهم أو أعلى منه بل هو معه ويرتب من خلاله أثار الوجود العام الذي يكسبه الوعي صيغة الإحساس بالوجود علمياً . وهذه النظرة أقرب إلى مفهوم الطبيعة والتكوين الذاتيتين منه إلى التصور المحض مما يولد عندنا نظرتين داخل الأعتبار المثالي هما :  1 النظرية القائلة بالإعتبار العقلي المجرد .

2 النظرية القائلة بالإعتبار العقلي العملي .

فالنظرية الأولى تعتمد على قياس المعلولات المتشابهة لتقرر العلة المكونة لها أي أنه بحسب القوة تجعل من المعلول نظير عليه .. ومن هنا كان الإخفاق للحكم به على الموضوعات لأنه يعتمد النظر المجرد مع الإحساس ، ولكنه اعتماد يبني على التسليم بمقدمات الحكم بالقضية المتفرعة او الأساسية ويبني مجمل تصوراته على الصحة . ومن هنا كان النقد الموضوعي للعقل النظري المجرد إنما رد للنظرية الأولى ، ولكنه رد اختلف تبعاً للقول بالدور العقلي البديئي في الحكم على الموضوعات .

  والرأي الراجح لدينا هو صحة الحكم على الموضوع عقلاً من جهة النظر للقضية الأساسية . وأن كان الإحتمال الذي أورده الفلاسفة يقتضي بالتنبيه على مدى صحة الموضوع وحدوده المقتضي فيه الحكم بحيث يكون قضية موجبة ، هذا الإحتمال ليس نزعة لتفكيك الإيمان المطلق بالعقل النظري بل هو دعوة للإيمان بصحة الحكم ، بعد تحديد موضوعاته والمرجحات العقلية وما يقتضي الحسن والقبح الذاتيين الذي تقره مواد العقل النظري والمدرجة تحته التصورات الواعية للوجود والمدركة بحسب الحس الذي يشير إلى الذات بما هي وجود له وصفه التكييفي الحالي الذي هو بالعرض موضوعي للذاتي بالمعرفة ، أي يملك أصله العلمي الذي يقود على الصحة ، ولكنه أيضاً قد يشكل من المعلولات المنفردة وحدة واحدة هي آراء تتجاوز النظر المجرد إلى الفكر العام بحيث يصح العقل حاكم لا بالإحساس وحده بل بأسس ميتافيزيقية وأخلاقية ، لكنه ليست من صنع العقل النظري بل هي تعطيه وظائف سيكولوجية لاكتشاف العلة لهذه المواضيع من قواعدها الرئيسية ، فالعلوم الطبيعية كالانثربولوجيا هي علم الطبيعة الإنسانية لا كما تعطي لنا بالتجربة وكما تظهر لنا في التاريخ ، فهي كمعرفة نظرية تختلط كثيراً عند الفلاسفة مع علم النفس التجريبي ، مع أن لها موضوعاً أكثر أتساعاً ، ومع أنها تستخدم ليس فقط الملاحظة الباطنية ولكن أيضاً الملاحظة الخارجية (1) .

تنبيه :

هذه الملاحظات قد يدخل فيها إدراك الماورائية متفائلة تولد عند الفلاسفة المثاليين فكرة الميتافيزيقيا ، وهي قبل كل شئ فكرة علم ينتج اولياً بتصورات خالصة ، وينبغي الأحتفاظ أحتفاضاً صارماً بهذه الفكرة ضد ميل بعض الفلاسفة وبخاصة أنصار ( وولف) . إلى تحليلها إلى خصائص لا تتيح تمييز الميتافيزيقيا تمييزاً باتاً من المعرفة التجريبية ، ففكرة علم كهذا تعبر عن حاجة جوهرية في العقل ولمن هذه الحاجة قد توخت دائماً ان تجد اشباعاً لها بوسائل غير مشروعة ومضللة ومن هنا فقد أدعت الميتافيزيقيا الدجماطية أدعاء لا طائل وراءه . إنها أدركت معرفة أشياء بالذات والنتيجة الدقيقة التي يصل إليها النقد ، هو أن يبين أنه ليس لدينا معرفة نظرية بالمعنى الصحيح إلا في حدود معينة . وعوضاً عن ذلك ثمة نوع من الميتافيزيقيا مشروع لا غنى عنه حقاً ينجم عن إستخدام العقل لا إستخداماً متعالياً بل استخداماً باطناً ، أعني يمكنه بل يلزم له أن يحدد بتصورات خالصة لا موضوعات تقع وراء كل تجربة بل موضوعات في متناول الحدس الحسي او يمكن تحقيقها بالحرية . ولهذا النوع من الميتافيزيقيا ضربان متميزان من الموضوعات : فمن جهة الطبيعة الجسمية يعني لا الطبيعة المفكرة ذلك لأن ظواهر الحس الباطن لا تتيح تحديدات تجعلها قادرة على ان تكون مفهومة علمياً . ومن جهة أخرى أرادة الكائنات العاقلة .

وقد قال كانط : لايسع المرء أبدا ًكيف يطبق أسم الميتافيزيقيا على الرياضيات فالفارق بينهما أن الميتافيزيقيا هي معرفة عقلية بتصورات ، والرياضيات معرفة عقلية ببناء من تصورات .

وهذا يعني أن الرياضيات تمثل تمثيلاً أولياً في الحدس الموضوعات التي تطابق تصوراتها بينما الميتافيزيقيا كعلم نظري تستخدم تصورات أولية لأمر واحد فقط وهو إنجاز التأليف من معطيات تجريبية  .

وأما النظرية الثانية ، ففيها نصل إلى العنصر الأساسي البارز في المعرفة تجاه ما نراه في الظواهر والموضوعات ، لأنه يعتبر ميزان التحكيم  الأرادي لقوانين العلاقات وعللها الغائية والفاعلة ، وهو بذلك إنما يستدرج العناصر الأساسية للمبادئ الممكنة في الحدوث والقدم ، ليستنتج منها قاعدة تجاه المعلولات المفترضة بحسب أسسها العامة على صعيدي التجربة والحدس الحسي ، الذي بدوره يرتب لها قواعد فرعية ترتبط بالنظام والأخلاق والحاجات الأدبية في مستوى الجماعة : وهذا الدور هو معرفة مسبقة بالعلاقات الرابطة بين الحدود وأسسها ولكنها لاتكون سابقة بدرجة التخلف عن مقدمات الموضوع لأنها محمول عليه وهذا ما يجعل نفس التسلسلية القائمة على مدى الضبط في الميتافيزيقيا .

العقل الذي نطلق عليه بالعملي والذي هو منشأ العلم على الأيمان ، وهذه الدلالة لا نقصد بها الإيمان بالمجرد بل الإيمان بالوعي والوجود الخارج عنه بالإرادة والإختيار لأنه لم يكن يوماً قائماً بالإرادة المجردة الخاصة بالفرد ، وهذا الرأي يدحض الفكرة عند أوغسطين الذي يقول : إن الإيمان قائم في إرادة المؤمنين .

لأننا نعلم بالمقدمة المفهومية أن الإرادة لا تنشأ من التجربة بل هي خاضعة لقانون التكوين الطبيعي ، الذي تسيره العملية بإتجاه الإيمان والإختيار يضفي على الإتجاه طابع اليقين الغير قابل للتبديل أو الإحتواء ومعناه أن العقل هو محل الإيمان لأن الإرادة تغاير العقل ، ولأن التصديق بالإيمان يصدر عن الإرادة المطيعة ، وهي بدورها غامضة دون كشف وقبول والعقل يقوم بالدور المؤدي إلى الطاعة القائمة في الإرادة ولهذا يمكن تصوير القول على الوجه التالي :

الإيمان يوجد في العقل لأنه يبحث عما ينبغي إتباعه او الهرب منه وبالتالي فالعقل يدل على الإرادة المحبة للإتباع الطوعي الإختياري لا القهري الجبري ، وليس هو أيضاً موضوع للحق الحادث المصنوع او المفعول كما تشير إلى ذلك رسائل اللاهوتين ن بل هو موضوع الحق الزلي الذي يثبت ان العقل ؤالعملي محل النظر مما يكشف عن اللغز ...  والعقل يهدي للإيمان لأنه يمييز بين الفعل الكامل وغيره ، ولأن المبدأ الفعلي لا تنجزه على الدوام الطريقة الغامضة مما يفسر العلاقة المادية باجو العقلي ، وكما هو بديهي ان كمال الفعل الصادر يقتضي أن يكون كل فعل قائم على صدق الإيمان من المنشأ الفعلي له ، كحس الأستعداد والقوى النفسانية التي تتعلق بالمتقابلات .

وقد تجلى أن التصديق هو فعل العقل من حيث تحركه الإرادة إلى الأذعان لأن هذا الفعل يصدر عن الإرادة والعقل وكلاهما من شأنه أن يستكمل بالملكة فلا بد إذن لكمال فعل الإيمان من وجود ملكه في العقل : ( والتصديق هو فعل العقل بلا توسط لأن موضوع هذا الفعل هو الحق الخاص بالعقل ) فمن الضرورة إذن يكون العقل محل الإيمان الذي هو المبدأ الخاص لها بالعقل . وعليه أصبح أن الإرادة منهم إنما تتم بعدما يصدق العقل بالأمر الإيماني على أساس الأمر الإرادي . وهذا من باب تقابل العلة التامة وشرطها ، لأنه ليست الوجوبية على الإرادة مستعدة فقط للطاعة إنما الأمر منشؤه الأستعداد العقلي الذي يجعل الأمر بمثابة الواقع الأمتثالي لأن يكون المصداق والممتثل فالأمر ليس هو من الإرادة المجردة .

إذن بل هو منها حالما تكون مطلقة ويراد بها الإرادة الصانعة إذن فالعلق هو موضوع الغاية لجميع الأشواق والأفعال .

وبالتالي يدفعنا البحث إلى موضوعات كل العلوم لا بد وأن تجري بقواعد للمعاني العامة في الفهم . وهي بدورها منه على أساس أن العلة الطبيعية لن تكون متقدمة ندركها إلا حالما ندرك أن ما تقدم لم يكن بعيد عن مستوى إدراك المعنى لها . فالطبيعة ، هي مجموعة نظم وقوانين ومبادئ تتألف من جملة أحكام وموضوعات وتشريعات بعضها مادي نطلق عليه اصطلاحاً ــ بالوضعي ــ وبعضها الأخر معنوي نطلق عليه مفهوماً ــ بالتشريع ـــ ونحن بالإطلاق إنما نرتب على كل واحد أحكام إنشائية وخبرية مجعولة بالتخصيص أو بالعموم لمفاد خاصة معينة قد تشترك فيها قواسم أيضاً ندركها ولكنه إدراك من باب المقدمات الحكمية لكل موضوع يراد على أقل تقدير قياسه المنطقي .

خذ على ذلك مثلاً : الأحكام النظرية أو بالفساحة العملية هي بالتالي نتائج بحث للعقل بما هو تكوين بيولوجي أجتماعي غير ذاتي لكنه مستديم لفترة لانتقال الانطباعي ،

وإضافة الأشياء  إليه على أساس الطبيعة أولاً وثانياً على أتصافه بتلك الصفات أي أنه سنخ منهم ليس إلا غير خارج لذلك فهو يحس بالطبيعة كشعور يسبقه وجود النظر الذي يضفي عليه طابع العملية الأصلية وما ندعوه بها إنما هو العلاقة الإيجابية بين النظر وبين القوى الفاعلة المحدثة . والعقل ؤيدرك وجوده فيدرك الطبيعة ( حالما نسبغ عليها طابع الخصوص فيكون هو متقدم عليه بحسب المقام ) ولكنه يكون ضمنها أو من خلالها حالما نسبغ عليها طابع العموم . فهنا يراد التكوين وهو منه حسب ما أقتضاه التركيب التفسي ، لأنه للمعنى العام أدرك أنه جزء منها لكنه حاكم عليها على أساس ما يختزنه من أحكام تجاه الطبيعة ،

بحيث تكون أحكامه تلك بمثابة قوانين للتقرير تجاه الظواهر منها والماورائية منها إذن فما يهمنا هنا هو العلاقة بينهما التي لا تثبت للآخر بدون إثباتها للأول ويكون حكمها شرط التلازم بين الملزوم واللازم في العلل التامة .