مفهوم الأفكار الوحدوية

 

 

إن التفكير بمصير الأمة الإسلامية ، ومصير  الشعوب الإسلامية الواقعة تحت ظل سلطة الدكتاتورية الظالمة وحركات الإسلام السياسي  ، يجعلنا ندرك حقيقة أهمية تكوين عقل إسلامي موحّد ، ونعتبر ذلك جزءاً من التكوين الإجتماعي ، معززين ذلك بجملة إجراءات وممارسات هدفها صيانة الفرد والجماعة من الظلم والعدوان .

والإسلام ينطلق في ذلك من فهمه التاريخي الموضوعي لأهميه التكوين الروحي والعقلي في بنية الشعور لدى المسلم وتعويده على الوحدة كشعار وممارسة . ولابد من الأعتراف بأن الجزء الروحي والعقلي لدى المسلم تخلقه التربية مع الظواهر الأجتماعية الفعلية ومدى الأستجابة والرفض لها ، وهذه لاتمرُّ إلاّ من خلال بوابة الوعي المتشكل من عنصري الوجود [ العقل + الروح ] التي تنشأ بفعلها مجموعة القيم الأخلاقية ، التي تمارس كلون من ألوان التأثير الدائم على الوجود الطبيعي الأجتماعي ، وهذا كما يقول فلاسفة النهضة : ( يرتبط بالبنية الفوقية للمجتمع ) وعنصر الجمع بين ماهو عقلي وماهو روحي، هوعنصر الوحدة المنبثقة من التصنيف الألهي المستهدف  عوامل التعرية والتعبير لحركة الأجتماع البشري لما يحقق كماله وسعادته وفضيلته وعدالته .

 

إن الوعي بالوحدة الإسلامية كأفكار متداولة للعيش في دنيا الحياة هو إنعكاس للوجود القرآني ، والممارسة الصالحة لخاتم الإنبياء محمد (ص) ولطبيعة التحرك العقلي الإسلامي في العالم ، وعندما نقول إن الوجود القرآني يحدد الوعي الرسالي الوحدوي ؛ فإن ذلك يعني إن أفكار الوحدة الإسلامية يجب أن تستنبط مباشرة من القرآن وسيرة النبي (ص) وأصحابه وأهل بيته .

فعندما تقرؤ قوله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ) ( الحجرات /10 ) ، نفهم منها ما يلي :

ــ إن كلمة ( إنما ) الواردة في سياق النص ، كلمة تفيد معنى الحصر ، أي الحصر الأضافي النسبي ، ومع ذلك فالمؤمنون من جهة الأرتباط الإيماني يقعون في ظل حالات ثلاث هي :

أولاً : الأخوة .

ثانياً : العداوة .

ثالثاً : الحياة .

ولاريب في إن الرابطة الطبيعية المفترضة بين المؤمنين في ظل الحالات الثلاث منحصرة   بالأخوة فقط وليس بالعداوة او بالحياد واللامبالاة ، أذن فالحصر فيها يعني :

ــ إن المؤمنين إخوة بالنسبة وقياساً للحالتين الأخيرتين أي نسبة للعداء والحياد ، وهذا المعنى في بيان الآية يصبح على النحو التالي ؛ إن النسبة التي تربط المؤمنين فيما بينهم هي [ الإخوة ] وليس العداوة أو الحياد فإذا وجد الخلاف بين الأخوة المؤمنين فيجب العمل على حلة وإصلاح ذات البين ، وهذا هو المعنى المراد من ( الإخوة ) في الآية الشريفة .

أما أنه ليس كل المؤمنين إخوة نسباً فلا يحتاج إلى دليل .

وأما أنه ليس كل المؤمنين إخوة إدعاءً ، أي ليس كلهم أولياء يحب بعضهم بعضاً ، فالواقع المعاش يؤكد على أنه توجد بينهم خلافات حادة ومتعددة وربما تعدى مسألة الخلاف ليكون عداء في أحيان كثيرة . أذن فالآية تنبه إلى ما يلي :

ــ ما دام المؤمنون يدّعون الإخوة فيما بينهم فيجب أن يكونوا كذلك .

وهذا يعني أن الآية فيها حكم تكليفي للمؤمنين باقامة الأخوة بينهم ، وإيجاد كل ما يقارب بينهم من عوامل التآلف والمحبة والصدق والإخلاص . وهنا يلزم القول :

ــ إن الهدف من هذه الجملة الخبرية هو المعنى الأنشائي ، لأنها تخبر بإمكانية تحقيق الأخوة في الخارج وتأكيدها الوجوبي .

والتأكيد الوجوبي يقتضي أن يكون المؤمنون إخوة ... وبمقتضى الإدعاء الأخوي في الخارج ، وبحسب الظاهر فإنه يجب العمل من أجل تحقيق الأخوة وتقريب القلوب ، ورصّ الصفوف ، وجمع الطاقات للبناء والتحرر ، ومكافحة كل أشكال الهيمنة الأستبدادية .

كذلك فإن ميدان الأفكار الوحدوية يتكون من الأفكار والتصورات والمشاعر والأمزجة   التي تظهر لدى الفرد المسلم ، في تتبعه لحركة التطور في سياق التجربة البشرية اليومية . فالأفكار الوحدوية تجتمع فيها الآراء في وحدة مباشرة ، سياسية كانت أو أخلاقية أو جمالية أو غيرها ، بدون تمايز ، لأنها في الحقيقة عبارة عن مجموعة الآراء المتشابكة فيما بينها تشابكاً وثيقاً ، فلا تكون مدركة بوضوح على الدوام عند العامة .

وعليه يمكن القول : إن الوحدة الإسلامية هي نظام الأفكار والآراء الإسلامية تلك ، أي هي النظام الذي يساهم في عملية الخلاص من ظلم الطبقية والأستبداد والأحكام الطغيانية ، وهي بهذا اللحاظ القيمي تعبر عن النظام الإنساني الرفيع ، الذي يستهدف الوعي المجتمعي وطريقة تحليل وتفسير الظواهر والخلفيات التاريخية .

 

الوحدة الإسلامية والإختلاف المذهبي

 

 

بقي أن نقول : هل المقصود من الوحدة الإسلامية إختيار مذهب واحد من المذاهب الإسلامية ونبذ بقية المذاهب الأخرى ؟

أم ان المقصود من ذلك أخذ ما تشترك فيه جميع المذاهب ونبذ ما تختلف فيه ؛ وإختراع مذهب جديد لذلك لا يشبه أياً من هذه المذاهب القائمة ؟

أم أن الوحدة الإسلامية لاعلاقة لها أصلاً بوحدة المذاهب ؛ بل المراد من وحدة المسلمين هو إتحاد أتباع المذاهب المختلفة مع إختلافاتهم المذهبية تجاه الإجانب ؟

إن معارضي الوحدة ؛ من أجل صياغة مفهوم رومانطيقي وغير علمي حول الوحدة الإسلامية ، تراهم يصفونها بالوحدة المذهبية لكي تواجه الفشل في أول خطوة لها ، وطبيعي أن ما نقصده من مفهوم ( الوحدة الإسلامية ) ليس حصر المذاهب بمذهب معين ، أو أخذ مشتركاتها ونبذ مفترقاتها ، لأن هذا أمر غير مقعول ولا منطقي ولا هو مطلوب أو عملي ، بل أن ما نقصدة هو إنتظام المسلمين في صف واحد أمام عدوهم المشترك ، خاصة وإن المسلمين يملكون دواعي وفاق كثيرة يمكنها أن تشكل أساساً لأتحاد متين :

1 المسلمون يعبدون جميعاً إلهاً واحد .

2 ويؤمنون بنبوة الرسول (ص) ويذعنون لها .

3 وكتابهم القرآن .

4 وقبلتهم الكعبة جميعاً .

5 وهم يحجون جميعاً بطريقة واحدة في موسم واحد .

6 ويصلون ويصومون بشكل واحد .

7 ويشكلون الأسرة بطريقة واحدة .

8 وكذا حالهم في البيع والشراء وتربية الأطفال ودفن الموتى ، ولا أختلاف بينهم في هذه الأعمال إلاَّ في الأمور الجزئية .

9 ويملكون رؤية كونية وثقافية مشتركة واحدة .

1 ويشتركون جميعاً في حضارة عظيمة وجليلة وعريقة .

وعليه ، فالوحدة في الرؤية الكونية وفي الثقافة والحضارة والعلوم ، وفي الآراء والنظريات والمعتقدات الدينية والمناجاة والأدعية ، وفي الآداب والسنن الإجتماعية ، يمكنها ان تخلق منهم ، وبجدارة ، أمة واحدة .

قال أحدهم : ( ان النصوص الإسلامية قد أكدت على المبدأ القائل بأن المسلمين إخوة كما ورد في الصريح ، وإن حقوقاً وواجبات معينة تربط بعضهم ببعض ) ( ملحمة الغدير ص 99 ) .

فقد ورد في القرآن ما يؤكد على ذلك مثل :

قوله تعالى : ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) ( الأنبياء / 92) .

وقوله تعالى : ( والمؤمنون بعضهم أولياء بعض ) (التوبة / 71) .

وقوله تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ( الحجرات / 13) .

وقوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئم بما كانوا يفعلون ) (الأنعام / 159) .

 

***