السلطة في مفهوم الوحدة

 

 

إن تيار الوحدة من أكثر التيارات الفاعة وعياً بالمستقبلات السياسية ، وبطبيعة الواقع ،وأشراط الدولة القطرية . وبالتالي فهو ليس نزوعاً لتحطيم مفهوم الدولة القطرية ، وليس نزوعاً بإتجاه تشكيل الدولة الأممية وإعادة مفهوم الخلافة . ( فمن المعلوم يقيناً إن مفهوم الخلافة إجتهاد إستنبطه  الصحابة لمعالجة موضوع ضاغط في وقته ، )

وقد سقط هذا المفهوم موضوعياً ، وليس كما قيل إن اتاتورك أسقطها بقرار سلطاني .

والخلافة ليست هي المطلب الشعبي والجماهيري الملح ، وليست هي كذلك . الحل الأمثل للمشاكل والمعضلات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية الراهنة ، وليست هي الحل النهائي المصاغ تحت الشعار التسويقي القائل : ـ تطبيق الشريعة ـ إن تيار الوحدة هو بالأساس مفهوم لصيانة الوحدة الوطنية ، ورعاية لتضاريس الدولة القطرية ، ونزع إتجاه راديكالي يؤمن بنسف الواقع الموضوعي وتشكلاته السياسية والإجتماعية .

إن مفهوم تطبيق الشريعة (1) ، الذي ترفعه بعض الحركات والأحزاب الدينية كشعار تعبوي تحريضي هو في الحقيقة مفهوم منافٍ لضوابط الشرع ولتقاليد الزمان والمكان اللذين يتشيَّأ فيهما مفهوما الإطلاق والنسبية . فالإطلاق لا يصح إلاّ على الذات ، والشريعة يقيناً مفهوم نسبي يتقدر بالزمان والمكان والمثال وبالأين ، وهي شرط الواقع الموضوعي المحسوس ، ولهذا فالأسقاط الحزبي أو النزوع بالشريعة نحو الإطلاق مخالف للذاتي منها وللطبيعي ، وللدور الذي يمكنها أن تعيشه في ظل المفهوم القائل : ( الصلاحية لكل زمان ومكان ) .

والصلاحية شرط إقتضائي موضوعي ، ليس معناه جعل الشريعة وأحكامها مطلقة في الزمان والمكان ، فالإطلاق هنا ممنوع لوجود المانع وفقدان المقتضي . وبالتالي فالوحدة لايمكن جعلها شأنية تنحصر داخل مقولات ثبت بطلانها ، لأنها شأنية مرتبطة بالواقع الموضوعي والشرط التاريخي ، والتعميم فيها ممنوع لأختلاف النسبة في السياسي والمذهبي والإجتماعي والإقتصادي ، وهي تضاريس خاصة في القطري والمجتمعي ، ولذا فالوحدة تتخذ حيزها في المكان والزمان ، ولايجوز إعتبارها فوق أشراط الزمان والمكان لأنها دعوة للخير العام والسعادة والفضيلة .

ولذا فإن تحديد أفق المنهج الوحدوي في الشعوب الإسلامية ، التي يعيش كثيراً منها تحت ظل سلطة الحكومات المستبدة ،

ليس عملية ميسورة ، بل هي عملية طويلة وشاقة ومعقدة ، لأن الحكومات الرجعية سوف تعمل على عرقلة الأتجاه الوحدوي بقوة ، مستخدمة كافة الإمكانات السياسية والإقتصادية والمذهبية ضد أنصار الوحدة الإسلامية ، كما سوف تعمل تلك الحكومات المستبدة بالتعاون مع القيادات الدينية الرسمية والمرجعيات المذهبية على التشكيك بدور الوحدة وأثره في حياة الأمم والشعوب ،

مركزين على ما هو خلافي أو هامشي ، رغم أنه ليس من الضرورات بل هو من اللواحق الوافدة التي أصبحت بالتقادم جزءاً من التابو المقدس الذي لايجوز الخروج عنه من أجل الأعتراف بالآخر ، الآخر الذي لديه ملاحظات عن ذاك الوافد وعن صحته وموافقته للأصول .

ولكن هذا لايمنع رجال الوحدة وأنصارها من العمل لتحقيق أهدافها ، لذلك هم يجاهدون وبلا هوادة لتدعيم هذا الخط وإسقلاله ، وإذا تمَّ هذا فسوف تصبح عملية الأتحاد الإسلامي هي العملية الأكثر تحديداً وموافقة للضمير الإسلامي العام ، وسوف ينتهي مع تقدم النظام الذي يعمق الكراهية ويزرع كل أشكال العنف والظلم والعدوان .

ولعل من الثابت إن تربة الوحدة هي التربة الأغنى والأخصب ، وعليه سوف تستمر مسيرتها حتى في أكثر الأقطار المحبة للحرية ، ولقد أبدى رجال الوحدة المخلصين جهداً  كبيراً في سبيل تذليل صعوبات الأتحاد ، حتى مع المتطرفين وأصحاب التوجهات الوحدوية لأنها توجهات تمتلك فعلاً أدوات ووسائل في الحجية والأقناع كبيرة وقوية ومؤثرة في كل ميادين الحياة الدولية فمن هذه الأدوات :

1 قوة البيان الوحدوي وصحة خطابه وصدقه نفسياً وواقعياً .

2 صدق توجهات الوحدوي ونكرانه للذات في العمل والأعتقاد والسلوك .

3 بُعده عن صغائر الأمور وتوافهها وألتزامه ساحة الأمة وسعيه الدؤوب من أجل حلّ مشاكلها وقضاياها .

4 الإعتماد على أدوات الضبط المعرفي ، وفتح المحال أمام كل حركة تنموية وثورية هادفة ومبرمجة في الأتجاهات كافة .

وهذه البرمجة دليلها النظري هو تلك الأدوات والوسائل التي أستخدمتها القوى الوحدوية في حركتها ، وبالتالي أصبحت تمثل العمق الحركي لكثير من الأحزاب والتنظيمات والحركات الثورية في الدول النامية .

ولاريب في ان ذلك وحده يمثل نظرية إجتماعية في برمجة نظام الحاجات الفعلية ورغبات الجماهير المحرومة . أن قوة الوحدة الإسلامية تكمن في انها تعبر نظرياً وعملياً عن مصالح الأغلبية العظمى للبشرية ، وهي الجماهير المستضعفة . إن الوحدة الإسلامية تيار يختلف عن كل الأتجاهات والتيارات الأخرى ، إذ انه يعلن عن رغبته في جمع طاقات الأمة ، وتوظيفها لخدمة الإنسان وسحق قوى الظلم والديكتاتورية ، وهنا يكمن الفرق الشاسع بين تيار الوحدة الإسلامية من جهة والنظريات التعددية من جهة أخرى :

 

فالنظريات التعددية :

 

تخفي جوهرها عادة تحت ستار المطالبات القومية والعرقية والمذهبية والطائفية تارةً ، وتحت ستار الموضوعية وحفظ النواميس الدينية والحزبية  ، تارةً أخرى .

وعلى هذا فإن أية نظرية إجتماعية أو سياسية  تنبثق من التعددية ، بغض النظر عن نواياها ومخططاتها ، ذات صفة حزبية فئوية أراد انصارها أم لم يُريدوا .

 

ونظرية الوحدة :

 

كانت أولى الفلسفات التي أشارت إلى عمق العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان على مرّ العصور ، وقدمت مفتاحاً لفهم الفرضيات الإجتماعية الحقيقة .

ولهذا فهي ليست حزباً مقابل الأحزاب ، ولاهي أطروحة إجتماعية مقابل الأطروحات ، إنما هي تعبير عن فلسفة وجود الكائن الحي العاقل ، ومدى أرتباطه بأفراد مملكته ضمن قواسم مشتركة اهمها الإنسانية ، والعدل ، وإحترام الحقوق والدفاع عنها ، وإحترام الحريات العامية ، ونبذ الفئوية والظلم وكل أنواع الأستبداد والمصادرة للحقوق الطبيعية والتكليفية ..

 

***

ولما كانت نظرية الوحدة تعبيراً عن إتحاد عاقل ضمن قواسم طبيعية مشتركة ، فهي بهذا اللحاظ القيمي ليست شعاراً تعبوياً ظاهرياً خالياً من المضامين الواقعية ، وهي كذلك ليست تقسيماً متقابلاً بين عناصر متضادة .

وعندما نتحدث عن فلسفة الوحدة ، ونحتج للدفاع عنها بما قدمه الإسلام من مشروع وحدوي كل ما فيه تقدمي وحضاري ، سنجد أنه بلا ريب مخالف للزعم الذي يروجه أعداء الوحدة الإسلامية من انها تكرار لتجارب فاشلة مرّت بها البشرية ، وإن مبادئها المطروحة لم تعد تتلاءم والظروف الحضرة ، بحسب طبيعة التقسيم المحلي والقطري والأقليمي والدولي . ولكن الرهان ليس هنا على صحة النظرية وحدها ، بل معها كذلك نزوعات المسلم المعتدل إلى نبذ كل بذور التفرقة والتعددية في الأمة الواحدة ، أعني نبذ الخلاف لا  الاختلاف فالاول ظاهرة مرضية ، والثاني ظاهرة صحية ، جرى التأكيد عليها من خلال المنشور التالي ( أختلاف علماء أمتي رحمة ) والقيدية هنا أحترازية أقتضائية ، لأنها ستجعل من المؤمن المعتدل قادراً على الصمود امام كل تيارات الأنحراف والفتنة والظلم المناهضة للوحدة ، وانتاج عناصر فعل لاتتأثر بالسلوكيات المتطرفة والحزبية  الضيفة ، بل تستطيع التعامل بحذر وبجدية مع تلك السلوكيات محاولة هضمها وترويضها . وقد أثبتت تلك العناصر قدرتها في مجابهة الصعاب والتحديات التي من هذا النوع ، لأن تلك العناصر ليست خاضعة لتأثير أفكار عابرة ومؤقتة ، او من قبيل التكتيك والمناورة السياسية .

وعناصر الفعل تلك لاتجعل المجتمع ينظر إلى نتائجها من زاوية الربح والخسارة المادية ، ولذلك فما يحصل من إنجازات بفضلها  يقوم على تخطيط مسبق ، وإتجاهها العام تحدده الضوابط الشرعية والعقلية ، وكل خطوة ، في إنجاز ما ، تخضع للمناقشة والممارسة العملية الهادئة التي تنزع الأفكار والرؤى المغلوطة ، لتصحيحها بأفكار أكثر وعياً وأستجابة لمفهوم التطور الطبيعي والإجتماعي .

لهذا، فعناصر الوحدة المنتجة لذلك كله لا تفصل البتة بين النظرية والتطبيق ، وعدم الفصل هذا يضمن للوحدة النجاح في كل الأتجاهات والصُعد ، وبالتالي هو نجاح رائد في كل ميادين الفعل والفعل المضاد أيديولوجياً وسلوكياً .

 

***