صلاة التراويح

 

من الحقائق التاريخية المعروفة لدى عامة المسلمين ، إن الإمام علي (ع) كان قد نهى عن صلاة التراويح في زمن خلافته .

حيث روي الشيخ الطوسي في التهذيب حديثاً جاء فيه : ( لما قدم أمير المؤمنين الكوفة أمر الحسن بن علي ينادي في الناس : لا صلاة في شهر رمضا ن في المساجد جماعة فنادى الحسن بن علي (ع) في الناس بما أمره أمير المؤمنين فلما سمع الناس مقالة الحسن بن علي صاحُوا : واعُمراه ، واعُمراه .. فلما رجع الحسن بن علي (ع) قال له : ما هذا الصوت ؟ فقال : يا أمير المؤمنين الناس يصيحون : واعُمراه  ، فقال أمير المؤمنين : قل لهم صلّوا .. ) ( التهذيب ج 3 ص 70 الطوسي طبع إيران ).

والظاهر من الرواية تلك إن الإمام (ع) كان يُخالف فتوى عمر بن الخطاب في صلاة التراويح ، مع العلم بأن الأغلبية كانت تعمل وفقاً لفتوى عمر بن الخطاب ، والإمام علي (ع) وطبقاً لآرادة الأكثرية صرف النظر عن أمره بترك صلاة التراويح وأمضى ما أفتى به عمر .

وقد جاء في كتاب فتح القدير مايلي نصه : ( .. ظاهر المنقول إن مبدأها أي (صلاة التراويح ) من زمن عمر وهو روي عن عبد الرحمن بن القارئ ، قال : خرجت مع عمر بن الخطاب (رض) ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يُصلي الرجل لنفسه ويُصلي الرجل فيُصلي بصلاته الرهط ، فقال عمر : (رض) إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على أبُي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر : نعمت البدعة هذه والتي تنامون عنها أفضل يُريد آخر الليل ، وكان الناس يقومون اوله : رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي ــ فتح القدير ج 1 ص 406 طبع بيروت ) .

وما رواه أصحاب السنن حول صلاة التراويح وصححه الترمذي يعتبر مع رواية التهذيب الآنفة الذكر متساويتان ، وقد نقل أخبار هذا الموضوع السيد رضا الهمداني في كتابه باب الصلاة ص 624  ( فجزاه الله خيراً ) .

ولعلك فهمت ماذا نريد من نقل تلك الأخبار وروايتها ، فهدفنا هو توضيح ما كانت عليه أكثرية الأمة في زمن الإمام علي (ع) والذي يمكن ان نشتق منه هذه الفتوى : ( .. إن إجتهاد أهل السنة وتمام اعمالهم إذا كان يُراد القرب والرضا الإلهي فإنها مجزية ومبرئة للذمة )

لأن الرواية في دعاء الإمام علي (ع) ربطت الأخر بالعمل المخلص ، وهذا الحكم يمتد في طول الزمن وعرضه .

 

***

 الدليل الثالث

 

قال الله تعالى في كتابه المجيد : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ( والصابئون والنصارى ــ المائدة ) من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم آجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون } ( البقرة / 69 ، المائدة / 63 )  (1)

إن كلمة ــ آمنوا ـــ الواردة في سياق النص وردت في قبال اليهود والنصارى والصابئة  أي أنه لابد أن تؤخذ بمعناها المطلق ، الشامل لجميع المؤمنين سواءٌ أكانوا سنة أم شيعة ، ولايمكن جعلها لفرقة واحدة من المؤمنين فالسياق لا يحتمل ذلك ، ولأنها جاءت كعنوان تعريفي لأهل دين واحد في قبال اليهود والنصارى والصابئين ، أي أنها تتحدث عن المؤمنين بالله وبالرسول ولا تتقيد فيها فرقة خاصة دون غيرها ، تماماً كالنصارى فهي شاملة لهم جميعاً سواء أكانوا ــ كاثوليك أو أرثوذكس أو بروتستانت ــ أو غيرهم ولا قرينة فيها تفيد التخصيص .

والأمر الذي يجب الأنتباه إليه أن الآية الشريفة حددت ثلاثة شروط موضوعية لتحقيق الوعد الألهي ، وهذه الشروط هي لعموم أهل الديانات السماوية كما يُفهم من سياق النص ومحتوى خطابه البياني والشروط هي :

أ الإيمان بالله .

ب الإيمان باليوم الآخر .

ج العمل الصالح .

وهذه الشروط الإلهية الثلاثة تعم المؤمن واليهودي والنصراني وغيره ، وهذا الأشتراط العقائدي يبعد الفرد منهم عن الخوف والخسران الأبدي .

قال تعالى : { ليسوا سواء من اهل الكتاب أمّةٌ قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله وباليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين } ( آل عمران / 113 ــ 114 ) .

وهذا ما يجعلنا نخاطب فقهاء الشيعة بالقول : إن الله في مقام الأحدية أشترط على أهل الديانات السماوية شروطاً موضوعية إن تحققت فهي الكفيلة بإبعادهم عن العذاب والخوف بل وتقربهم إلى الله .

وإذا كان ذلك كذلك ؛ فإنه بالطريق الأولى أن تكون هذه الشروط الثلاثة مجزية للفرد المؤمن السني عند الله ، إذا ما عرفنا إن دين اليهود والنصارى من الأديان المنسوخة ، وما عندهم أكثره محرّف كما نصت على ذلك النصوص الأخرى . إضافة إلى أن أعمالهم في كثير من المواقع قد لا تنطبق على الحكم الواقعي ، ولكن الوصف الألهي ولغته الخطابية أشترطت عليهم تلك الشروط الثلاثة ليكونوا ممن تناله رحمة من الله ورضوانه .

وبتعبير أدق : إنهم متى كانوا محسنين غير ظالمين فإن ذلك يقربهم من الله و{ لهم آجرهم عند ربهم } كما نصت على ذلك الآية الشريفة .

وهذا الحكم يولد هنا مفهوماً يقول : بأن المؤمن السني من جهة دينه غير منسوخ ، ومن جهة أخرى ، عدم إنطباق عملة الشرعي على الحكم الواقعي متعلق ومنحصر في الخطأ المتعمد بالإجتهاد .

إذن فبطريق الأولوية أن تكون أعماله مجزية ومقربة إلى الله أي يشمله قوله تعالى : { فلهم آجرهم عند ربهم } والآية كما تقدم بيانه تشير إلى تحقيق الوعد الإلهي أخروياً ، كما ترى متعلق بتحقيق الشروط الثلاثة المتقدمة .

وعليه فالأجر بحسب منطوق الآية ثابت للديانات السماوية جميعاً ، بناءً على هذا الحكم الإلهي فإن المؤمن السني سواء أكان مجتهداً أم مقلداً إذا كان مخلصاً في أدا تكاليفه الشرعية من دون تقصير في مقدمات تلك التكاليف فإنه يقع في ظل رحمة الله ورضوانه ، وبتعبير الإمام الباقر (ع) : لو كان محسناً وليس ظالماً فإن له أجره عند ربه ولا خوف عليه ولا هو يحزن .

وخلاصة البحث في الآية الشريفة ومفاد إطلاق كلمة ــ آمنوا ــ فإن عمل المؤمن السني صيحيح بطريق الأولوية  الثابت ، والآية تشكل مع حديث الإمام الباقر (ع) كلاً متجانساً يؤدي إلى صحة ما ذهبنا إليه في بحثنا وقررناه .

***

 

جملة إعتراضية :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هنا لابد أن نطرح جملة إعتراضية كتلك التي طرحناها على فقهاء الشيعة الإمامية  ، وهذه المرة نطرحها على فقهاء السنة الذين أعترضوا على سماحة الشيخ الأكبر محمود شلتوت ( رحمه الله ) عندما أفتى بجواز التعبد بمذهب الإمامة ، والذين قالوا له : لماذا أجزت التعبد بمذهب الإمامية ؟

نود ان نخاطب هذه الطبقة من رجال الدين السنة والذين يتخذون من الشيعة موقفاً قبلياً وسلبياً نقول لهم : إن الله وكما نصت على ذلك الآية السابقة أعتبرت اليهود والنصارى والصابئين مع أحرازهم للشروط الثلاثة المتقدمة ، فإن أعمالهم مجزية ومقربة إلى الله .

فكيف إذن بالشيعة الذين هم من جهة دينهم الإيمان لم يُنسخ ، ومن جهة أخرى عدم أنطباق اعمالهم الشرعية على الحكم الواقعي منحصر بموارد الخطأ في الإجتهاد ؟

ولذا فبطريق الأولوية لو طبق الشيعة الشروط الثلاثة الواردة في سياق النص القرآني فإن إعمالهم حتماً ستكون مجزية ومقربة إلى الله . وبتعبير الإمام الباقر (ع) لو كانوا محسنين غير ظالمين فأعمالهم مجزية ومقربة إلى الله { فلهم آجرهم عند ربهم } ذلك لأن العمل الباطل لا أجر ولا ثواب له !

وبناءً عليه فإن مفهوم الآية ومنطوقها وبإطلاق كلمة ـ آمنوا ــ وبدليل الأولوية الثابت فإن العمل وفق المذهب الشيعي الإمامي جائز ومبرئ للذمة عند الله ، هكذا أفتى الشيخ محمود شلتوت ( رحمه الله )وهكذا هو محتوى الآية ومضمونها .

 

***